]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وداعاً ابنتــي

بواسطة: جمال ابراهيم المصري  |  بتاريخ: 2014-08-19 ، الوقت: 08:57:11
  • تقييم المقالة:
وداعــــاً .... ابنتــي

   الحياة من المهد إلى اللّحد لا تخلو من المنغصات ومن الآلام والأحزان .. ومن اشدّ الأحزان في حياة  الإنسان الفراق .. ولا اعني هنا الفراق بمحض الإرادة ، عندما يكون فراقاً مؤقتاً أو سفراً أو على أمل اللقاء في يوم ما .. وإنما أعني هنا الفراق ألقصري والذي يكون رغماً عن أنوفنا وقاهراً لإراداتنا ..  فراق دون علم أو سابق إنذار ودون عودة .. وهنا تصبح الحياة مظلمة قاتمة عندما تعجز الدموع والبكاء والنواح .. وحتى التشبث بالأيدي عن إعادة العزيز .

   وما أكثر صور هذا النوع من الفراق المؤلم ، إيلاماً يخرج أحياناً عن قدرة البشر .. وأحياناً كثيرة يودي بصاحبه إمّا للانعزال والوحدة .. أو للجنون أو اللحاق بمن فارق .. وهنا استوقفتني حادثة أثرت في النفس والوجدان كثيراً ، وتركت بي حزناً دعوت الله أن يبعده عن كل عباده .. وان لا يعيشه كائن بشري .

   فقد كان هناك شاب  ثلاثيني العمر يعمل نجـّاراً يدعى ( أحمد ) ، توفيت زوجته فجأة وتركت له ( ليلى ) .. الطفلة التي لم تكمل عامها الرابع بعد ، وكانت ورشة النجارة الصغيرة بفناء منزله الصغير المتواضع جداً .. وفي كل صباح يبدأ عمله وابنته ليلى أمل حياته وكل ما يملك في هذه الحياة .. تلعب أمامه مع قطتها الصغيرة التي احضرها لها لتؤنس وحدتها ، وكان هو أباً وأماً وصديقاً لطفلته ..  يعـدّ الطعام ويكنس ويغسل ويعتني بابنته بكل احتياجاتها بالقدر الذي أمكنه الله به ، وعندما يضطر ويستوجب الأمر أن يذهب ليوصل بضاعة أو يشتري حاجيات المنزل أو العمل ..  كان يستأمن جارته المجاورة لمنزله على  طفلته لحين عودته .

ومرّت الأيام وبلغت ليلى السنة السادسة وادخلها والدها المدرسة .. ودخلت الفرحة والسعادة لقلبه وهو يتأمّلها .. ثم يراوده طيف زوجته المرحومة .. ويذرف الدمعة الحارقة .. محدثاً نفسه يا ليتها على قيد الحياة لترى ابنتها ونسعد سوياً بها ، وكان الوالد أحمد يومياً يوصل ابنته للمدرسة ويعيدها للمنزل .. وفي احد الأيام أصابه إرهاق شديد ، منعه حتى عن إنهاء  عمله ذاك اليوم .. فتوجه لعيادة طبيب وبعد أن كشف عليه اخبره أن حالته خطيرة .. فلم يستوعب الأمر فراجع في اليوم التالي طبيباً آخر .. وإذا به يخبره بأنه فعلاً مصاب بنفس المرض الذي أخبره به طبيب أمس ( داء السل ) الفتاك .. والذي أصبح في مراحله المتقدمة من الخطورة .. وفي هذه الحالة فإن أشهره القليلة في الحياة أصبحت معدودة , وفراق هذه الحياة وفراق حنين أصبح على الأبواب لا محالة .. ربما لن يتعدى الأمر أربعة أشهر وهذا حسب الفحوصات والتحاليل الطبيّة .

       ليس له أقارب سوى أخت واحدة مسنـّة ومتخلفة عقلياً .. لم يعد المنكوب التائه يحمل هم نفسه ومرضه فمصيره معروف ومحتوم .. فكل همّه الآن ليلى فلذة كبده البريئة التي حرمت حنان الأم باكراً .. وها قد جاء دور فراق الأب ، ولا يزال عودها طريـّاً لا يقوى على قسوة هذه الحياة وليس هناك من قريب يرعاها بعده .. كيف ستعيش ابنتي ؟ ومن سيرعاها بمرضها ويحنّ عليها ؟ ومن سيرعاها بدراستها وبليلها ونهارها وباحتياجاتها ؟ إلى من ستمدّ يدها لينفق عليها ؟ واسأله  كثيرة أخرى لا تحصى هي حاجات أي طفل صغير برئ ، فطرق باب جيرانه وهم الأقرب إليه والأعلم بحاله .. إلا أنهم اعتذروا عن تربية طفلته مع أولادهم لضيق حالهم المادي وصغر منزلهم ، وأخذ يفكر ويفكر ويبحث في زوايا ذاكرته التي ضاقت عليه من بؤس حاله .. علـّه يهتدي لمن يأتمنه على فلذة كبده .. ولكن عبثاً فهو فقير والفقير لا يعلم بحاله سوى الله .. فبات ليلته وهو يحتضنها ويمسح على شعرها وجبينها .. باكياً بحرقة وأنين خافت .. ماسحاً دموعه قبل أن تسقط 

على خدود حبيبة عمره خوفاً من أن تصحو .. داعياً الله بعد أن صلى الفجر أن يفرّج همّه ويهديه لحلّ ما ، فاهتدى بأن يضع إعلان صغير بصحيفة يشرح فيها حاله ويعرض ( ليلى ) للتبني ذاكراً بالإعلان عنوان منزله لمن سيهتم بهذا الأمر .

       واجبره مرضه وحرصه على ابنته أن يبتعد عنها جسدياً خوفاً عليها من العدوى .. فلم يعد يقبلها أو يداعبها عن قرب كالسابق ، فكانت الصغيرة تحتج وتستغرب لاختلاف تصرف والدها معها .. الأمر الذي لم تعتده منه سابقاً .. وبعد أيام قليلة جاء لمنزله زوج وزوجته وابنتهم الصغيرة تقارب بعمرها ليلى تقريباً بسيارتهم الفارهه .. فخرج إليهم مع طفلته وإذا بطفلتهم تقول : ( ماما هذه هي أختي ؟ ) فضربتها والدتها على يدها وصرخت بها قائلة :- ( لا تتكلمي بدون إذن ) ، وعلى اثر هذا التصرف رفض النجار أحمد  اعطائهم ابنته لتبنيـها , واعتذر لهم , لأن ما صدر عن الأم اتجاه ابنتها من لحمها ودمها , أخافه من أن يكون في يوم من الأيام تصرفها مع ليلى أقسى و اشد , خاصة وإنها ليسـت من لحمهـا ودمّها .

        ومرّت أيام قليله وإذا بزوج و زوجته متوسطا الحال ..  حضرا للأب المنكوب , وكان الحزن والحداد لا يزال بادياً عليهما كونهما فقدا ابنهما الصغير الذي توفي منذ أشهر قليله , فارتاحت نفسـه لهما واطمأن , فألبس ليلى أفضل ثيابها واخبرها أن تذهب معهما كونهم سيأخذونها في رحله حلوه , فسألته :- ( وأنت يا بابا ؟ ) فقال لها : لن أتأخر وسألحق بكم , فردت عليه وهي تغمرها الفرحة والسعادة وتقفـز :- ( بس لا تتأخر يا بابا ) .

      ويقول الأب المفارق كرهاً :- ما زلت اذكر منظـر ليلى وهي تسير معهما  ممسكه بيدهـا باللعبة التي احضراها معهما لها , وقد سعدت ليلى كثيـراً بها .. لدرجة أنها نسيت أن تلتفـت لي وهي مغادرة معهم , وعندها غرقت في دموعي وأجهشت بالبكاء ولم اعد أرى شيئا.. فكان الفراق الذي صنعته بيدي  .. ولكنه محتوم عليّ .. مجبر على تنفيذه .. عاجلاً أم آجلا بالأيام القليلة الباقية لموتي بسبب مرضـي , ففارقت روحـي ( ليلى ) وأنا على قيد الحياة .. وقبل أن تخرج روحي من جسدي لبارئها.. وما هي إلا أسابيع قليلة وانتقل أحمد لجوار ربـّه . 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق