]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

-الخارطة الإجتماعية- لبنان كنموذج

بواسطة: حسين خويرة  |  بتاريخ: 2014-08-18 ، الوقت: 04:33:37
  • تقييم المقالة:

مقال بعنوان -الخارطة الإجتماعية- لبنان كنموذج

حسين خويرة

يعتقد البعض ان الشكل الثقافي والاجتماعي الذي يبرز في مجتمع ما هو بالضرورة من افرازات التاريخ المعاصر للمجتمع، وهذا مما لا شك فيه، اعتقاد خاطئ، فالمكون الثقافي لمجتمع ما يُبنى على اساس تسلسل تاريخي طبيعي للاحداث يُشكل قوى ثقافية وسياسية معينة. فالمجتمع الياباني لم يمتلك هذه الثقافة بليلة وضحاها الا بعد آلاف من سنوات بناء اساس هذه العقليات المتجذرة في المجتمع منذ ما يزيد على ثلاثة الاف عام.

سنضع لبنان وظاهرة الطائفية تحت مجهر مقالنا لدراستها كنموذج لا اكثر. في الواقع لقد تعمدت ذكر مصطلح ظاهرة الطائفية كونها كثيرة التردد على السن العامة مع ان الواقع يقول بان المجتمع اللبناني وللاسف طائفي بالفطرة وهو ما يجعل كلمة -ظاهرة - غير قابلة للاستخدام في هذا السياق. لكن لماذا؟ كيف تأصلت الافكار الطائفية في ذهن المواطن اللبناني المعاصر؟ هل هي من افرازات الحرب الاهلية ام ان الامر يتعدى ذلك؟ للاجابة على هذه الاسئلة لا بد من العودة والقاء نظرة تاريخية لطبيعة العقلية الطائفية في لبنان السياسي.

إن الطائفية في لبنان غدت ذات ارتباط وثيق بكل ما يتعلق بالظواهر الاقتصادية كالانتاج وعلاقاته وتقسيم العمل الاجتماعي، واصبح العامل الطائفي يعزز بالضرورة زعامات طائفية. سواء كانت دينية ام مدنية، لكنها زعامات مسيطرة، اي طبقية بفعل عامل التمايز الاجتماعي. الامر الذي اسس لنظام الامتيازات الطائفية وهو نفسه امتيازات اجتماعية واقتصادية. 

انك لترى في كل شارع في بيروت دولة؛ احدها فرنسا والآخر امريكا والسعودية واخر ايران وبالطبع اخر سوري. 

كانت لبنان قبل الفتح الاسلامي مناطق تابعة للحكم البيزنطي مع شيء من الاستقلال الذاتي. ومع جو حرية الاعتقاد الذي كان يسود دولة الامويين اعطي الحق للموارنة بالظهور وممارسة الشعائر بحرية ومع هجرات العرب الى سهل البقاع وبدأ الحروب الصليبية مع البيزنطيين كان لا بد ان تتشكل شرارات من الاحتقان مع المسيحيين الذين كانوا الاغلبية حتى فترة بداية الفتح الاسلامي. نمر سريعاً لنرى الاسس التي مهدت للواقع السياسي في لبنان اليوم والذي يظهر في صدر العصر العثماني عن طريق نظام "القائم مقاميتين" والذي اعطى امارة في جنوب جبل لبنان لامير درزي وفي الشمال لامير ماروني وانتهى هذا النظام في عام ١٨٦٠ اثر حرب دامية بين الامارتين في نفس العام ذهب ضحيتها ما يزيد عن ١٢٠٠٠ درزي وماروني وهي الاحداث التي يسميها اللبنانيون بالفتنة الكبرى، من الجدير بالذكر ان الاحداث بدات على اثر عراك بين طفلين درزي وماروني في احد القرى على لعبة الكلة " جلول او بنانير" ثم تضخم العراك بين العائلتين حتى شمل كافة لبنان.


طبعاً كان لدول عظمى كفرنسا وبريطانيا والنمسا مصلحة في تعزيز كذا افكار ليسهل عليها تقسيم البلاد بل وفصل جبل لبنان عن محيطه الشامي. الامر الذي تحقق عبر نظام المتصرفية وهو نظام طائفي اخر عثماني كان قد انتهى مع نهاية الحرب العالمية الأولى ومجيء الانتداب الذي شرع في تقسيم البلاد ومعاملتها على اساس طائفي انتهي بعد الاستقلال بما عرف باتفاقية ابرمت بين رياض الصلح وبشارة خوري وكانت ايضاً ذات طابع طائفي بامتياز. وانطلاقاً من كل ما سبق اصبح الاستقلال الذاتي للطوائف من التقاليد الثابتة في لبنان وتاريخه حتى وصلنا الى حرب لبنان الاخير من ١٩٧٥ حتى ١٩٩٠ والذي كانت اسبابه طائفية سياسية طبقية بشكل اساسي. بالتاي تجسدت الافكار الطائفية في العقل اللبناني واصبح من المسلمات والثوابت التي يقوم عليها النظام وهذا ملموس حتى في اشارات من الدستور اللبناني بما منحته القوانين الوضعية المتعاقبة لهذه الطوائف من صلاحيات تشريعية وقضائية وادارية.

ان الالتفاف على الواقع ومحاولة المكابرة بوصف الطائفية اللبنانية بالظاهرة لا يفيد الواقع في شيء سوى تفاقم الازمات التي تجدها الدولة بكل فترة التي عليها بالاصل ان تكفل تشغيل الكفاءات الوطنية بغض النظر عن انتمائاتها الطائفية ولان ما بني على باطل فهو بالضرورة باطل لا بد من بذل مجهود عظيم للحد من هذه المشكلات بدءا من التوعية الشعبية حتى حل النظام الطائفي الخفي الذي تقوم عليه الدولة التي استمدت شرعيتها من البناء التاريخي لجبل لبنان.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق