]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

آمادو.. فلاح من بلادى

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-08-12 ، الوقت: 22:24:28
  • تقييم المقالة:

هل يتذكر فقراء «السرتون» خورخى آمادو؟ هل يزوره بزهور القرنفل جياع «باهيا» ومناطق الجفاف فى الشمال البرازيلى؟ أراه ينام الآن مستريحا تحت شجرة المانجو العتيقة فى حديقة منزله، يطل على الرفاق فى شهر أغسطس ليطلق واحدة من نكاته التهكمية، ويعود للصمت. أغسطس هو شهر ميلاده وموته، وبين الميلاد والموت أيام قليلة، وسنين كثيرة، وأفكار وكلمات ونضالات لم يخترعوا بعد طريقة لقياسها. فى مثل هذه الأيام أودع أمادو أحلامه فى قلب الأمازون، وأوصى بإحراق جسده ليظل كما قيل عنه دائما الروح البرازيلية الخالصة. لعله يتأمل الآن رحلته الطويلة فى حياة أراد أن يغيرها، فغيرته، ثم يربت على كتف صبى مشرد استبدل جوعه بالحزن على خسارة البرازيل فى كأس العالم. الأديب العظيم خورخى آمادو «10 أغسطس 1912 - 6 أغسطس 2001» ليس مجرد أيقونة للعرض فى فاترينات الأسماء الأجنبية لاستثارة هواة التغريب والتفرد، إنه جوهرة متفردة فى عقد الإبداع الروائى فى أمريكا اللاتينية والعالم، نصير الفقراء والمناضل الاشتراكى الذى أنفق سنوات عمره فى المنافى والسجون دفاعا عن أحلامه وتوجهاته السياسية والإنسانية، فقد حمل «البطيختين» فى حياة واحدة.. بطيخة الأدب وبطيخة السياسة «حسب تعبير إميل حبيبى». آمادو الذى كتب روايته الأولى «أرض الكرنفال» قبل أن يبلغ العشرين من عمره، لم يكن نموذجا للرجل «الكرنفال»، وذلك برغم التنوع والثراء المذهل الذى لون سنواته التسعين فقد كان كاتبا وإنسانا ذا قوام وسياق رغم التغيرات والعثرات التى صاحبت ارتقاءه من خندق الأيديولوجيا المحكم إلى الفضاء الإنسانى المفتوح، لذلك لم يخجل من الاعتراف فى أخريات حياته بأنه يكرر نفسه: «أستطيع القول مع إيتالوكالفينو إننى كتبت رواية واحدة، وأعتقد أننى أكرر نفسى وهذه خاصية من خاصيات عملى». قبل 60 عاما كان آمادو يواجه ديكتاتورية جوتوليو فارجاس الذى أمر بإحراق رواياته الست الأولى فى ميدان عام، وكانت الشيوعية زاده ومراده وأمله فى إصلاح حياة فقراء «باهيا» و«بارا» وسائر ولايات بلاده، لم تكن الأحلام شحيحة ولم يكن تحقيقها صعبا فى خيال مناضلى اليسار آنذاك.. يكفى أن تكمش يدك وتواجه العالم بقبضة كانت شعارا مشتركا فى ملصقات الثوار فى كل أنحاء العالم، كما كانت شهوة التغيير هى الغريزة الأساسية والحلم هو المنطق الوحيد والممكن الوحيد. لكن السنوات مضت ودخلت الأحلام حظائر الأوهام.. يهوذا باع جيفارا بدولارين وصورة ملونة لحسناء هوليودية، وخفتت أضواء لومومبا ونكروما وناصر ونهرو وماو وكاسترو «الذى مات أيضا، وإن ظل فى الصورة يمشى ويلقى التصريحات ويدخن السيجار». الزمن غادر الزمن، وقفزت اللحظة من شرفة المستقبل إلى خزانة الماضى.. تساقطت الشعارات فى خريف الاشتراكية الذى بدأ مع موسم عرض جرائم ستالين عقب المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفيتى حتى قطع جورباتشوف الشجرة كلها بفأس البريسترويكا فأوقع أنصار اليسار فى مأزق كبير اختلف تأثيره بين الجالسين فوق الشجرة والعاملين تحتها ورأينا بأعيننا ماذا فعل المأزق فى مصر مثلا حتى قبل سنوات طويلة من ظهور جورباتشوف.. رأينا ما حدث ليوسف إدريس وصلاح عبدالصبور وحجازى ولطفى الخولى والعالم وعادل حسين ونجيب سرور ومحمود دياب، والأبنودى وغيره من أحياء لا أحب أن أذكر أسماءهم صراحة لأسباب ليس وقتها الآن.. المهم أنه ما بين الجمود والتحول، والاعتكاف والتجول، والجنون والتسول، تبدلت المصائر، وزاغت البصائر وساد الحديث عن الهزائم والخسائر، وانهارت المشاريع والضمائر. فى تلك الفترة هجر آمادو الحزب الشيوعى والعمل السياسى المباشر، مؤكدا أنه سيخوض معاركه السياسية من خلال الكتابة التى وصفها آنذاك بأنها أهم ما فى الحياة، مشيرا الى التزامه كفلاح بالاشتراكية الديمقراطية. فى هذا السياق أسقط وكلاء آمادو من النقاد والمترجمين «أكليشيهات» الهزيمة والإحباط على صاحب «صرخة الماء» الذى فشلت أنا مرارا فى التماهى مع بطله الجرىء الذى مات مرتين فى «كانكان العوام»، وفى الخروج من «حياتى التى وجدتها» إلى «حياتى التى أصنعها بنفسى». قيل إن أمادو خرج بخفى حنين من قصته المزدوجة مع السياسة والأدب بل إنه لم يتحصل على الخفين بالمرة إذ لا يوجد «حنين» فى تراث البرازيل فلا نجح المناضل فى القضاء على الجوع وتقديم البديل الشهى عن وجبة «الفاصوليا السوداء» التى فعلت بالبرازيليين ما فعله «الفول» بنا نحن المصريين، ولا نجح الأديب فى الحصول على جائزة نوبل التى نالها بلدياته كويلهو «كوييو كما ينطقونها» وكذلك البرتغالى الأقل موهبة وإنتاجا منه «ساراماجو» لينضم إلى قائمة نادى المبدعين المنبوذين من «فردوس نوبل» أمثال تولستوى، جرهام جرين، ريلكه، بروست، كافكا، بورخيس، بار‑ جن، ابسن، كازانتزاكيس... وغيرهم. لكن هل كان آمادو يشعر حقا بالهزيمة وهو ابن الشعب الساخر المحب للحياة الذى يؤكد فى أساطيره أن الله برازيلى وأن العالم خلق من ضحكة؟ لا يكفى أن تكون برازيليا لكى تدرك الإجابة على هذا السؤال.. يجب أن ترفع المرآة أمام قلبك وتنظر، فإن رأيت روحك فأنت فوق الهزيمة، وإن رأيت مسخا يشبه القناع الذى ترتديه، فأنت جثة مهزومة لا تستطيع أن تفك شفرات آمادو الذى تماهى فى شبابه مع محرر العبيد فى بلاده الشاعر الخلاسى كاسترو ألفيس، و«فارس الأمل» الثائر لويس برستس وظل حتى اللحظة الأخيرة رافضا الاعتراف بالهزيمة، مؤكدا جدارته فى تجسيد «الروح البرازيلية» ليس عبر تماهيه مع ألفيس وبرستس فقط بل مع الأرض والشجر، وغنائه لعرق الفلاحين، وأشجار البن والكاكاو، وزهور القرنفل والقرفة، وانحيازه لمانويل وماريا كلارا وجابرييلا وكل بسطاء الواقع السحرى فى مسقط رأسه ومنبع أدبه «باهيا». آمادو لم يكن كاتبا وفقط لأن ما يمكن أن يقال عن موت الكاتب إنه كان يؤلف كتبا ومات حسب قول عاشق المسيسيبى الأديب الأمريكى وليم فوكنر الذى كان يردد دوما «لست كاتبا بل أنا فلاح» لذلك لم يستطع الموت أن يهزمه لأن الموت لا يأكل الأرض ولا يقدر على الفلاحين.. الفلاح لا تقتله إلا الحياة وهذا ما احترس منه آمادو طيلة الوقت فعاش الصراع بعيون مفتوحة؛ مفضلا «موتا أبيض» على «حياة مموهة» وظل حتى النهاية يرفض أبواق الهزيمة التى تحاصره فهو الذى قال فى آخر حوار له فى باريس قبل الرحيل: لا أعتبر نفسى مهزوما ربما حوربت وسجنت وهاجمنى ورفضنى أولئك الذين لا يستطيعون قبول شخص مستقل ومختلف عنهم، لكن هناك دائما من يقدرنى فى البرازيل وخارجها، ولى مكان على الطاولة حيثما ذهبت، وإن كان ثمة نقد لا يقدر أعمالى فهذا أمر لا يزعجنى، وإن كانت ثمة «انتلجنسيا» تلعن أدبى فهذا دليل على أننى أصبت «قلب الشعب» فأنا كاتب محارب ومختلف عليه وهذا أفضل لأن الإجماع أمر سلبى وخطير. هكذا عاش ومات خورخى آمادو مثل الفلاح الحقيقى فى بلدى يؤمن بالأرض وبأننا منها كنا، وبها نكون، وإليها نصير. إضاءة: - الشخص الهمجى الذى تخشى منه على الأخلاق والإنسانية يعيش بداخلك، ولكن فى مكان مهجور لم تصل إليه قدرتك على التطور. «أمادو من (بلد الكرنفال)»  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق