]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من خطاب حاكم مسلم معاصر.

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-08-12 ، الوقت: 12:03:12
  • تقييم المقالة:

 

أيها الناس:

قد وُلِّيتُ عليكم، ولستُ خيراً منكم. ما أنا إلا عبْدٌ جعلني الله بين أيديكم.. فوَّضتُم إليَّ أموركم، وتريدون أن أكون لكم عوْناً في صلاح دنياكم، واستقامة دينكم... وإنها لأمانةٌ كبيرةٌ في زماننا هذا...

لقد نظرتُ فرأيتُ أنَّ التَّركةَ التي خلَّفَها من كان قبلي ثقيلةٌ، فيها السوء أكثر من الحسن، والقبيح أكثر من الجميل، والشر أكثر من الخير... فإنْ لم تعينوني على ترجيح الحق على الباطل فإننا نوشك أن نضيعَ جميعاً، وسفينةُ النجاة لا يكفي أن يقودَها رُبَّانٌ ماهرٌ، ولكن تحتاج إلى مسافرين يتعاونون على البر والإحسان، ويصبرون على الريح والأمواج، فلكي لا نغرق في بحر الظلمات علينا أن نتخذ أماكننا الصحيحة في السفينة، ولا يبغي أحدُنا على الآخر، ولا يَحْقرنَّ الذين في الأعلى الذين في الأدنى...

فلا يظنن الوزيرُ أنه أفضل من الخفير؛ فلولا الخفيرُ الذي يحرس مكتب الوزير ما نعمَ الوزيرُ بالراحة والهدوء.

ولا يظنن الطبيبُ أنه أفضل من المريض؛ فلولا المريض ما استطاع الطبيبُ أن يقيَ نفسه وأهله من الآلام والأسقام.

ولا يظنن الثَرِيُّ أنه أفضل من الفلاح؛ فلولا الفلاح ما وجدَ الثَّرِيُّ الطيبات من الأكل والشراب.

أيها الناسُ:

لا تنتظروا مني أن أكون مثل عمر بن الخطاب، أتنكَّرُ في أثواب الفقراء، أسيرُ في الليل، أتجسس على البيوت، وأتسلق الجدران، وأضرب المخالفين بالدُّرَّةِ والكرباج... فبيوتُ هذا الزمان محمية بالإسمنت والحديد، ومُزوَّدةٌ بالكهرباء والآلات. والمخالفون يؤمِّنون أنفسهم من كل رقيب وحسيب...

ولكن، فليكن كل واحد منكم عمر بن الخطاب، يحاسب نفسه، ويحملها على الجادة والاستقامة.

لستُ أعِدُكم أن أغلقَ الحانات والبارات. وأصادر الخمور والمخدرات. وأطارد العاهرات والزناة. وأقطع أيدي اللصوص. وأجْلُدَ المُلْحدين في آيات الله. وأُحَرِّمَ الأغنيات والأفلامَ، وأَصُدَّ الأجانب عن السياحة وإقامة شعائرهم وتقاليدهم...

إنَّ هذه الأمور لا تتحقق بين عشية وضحاها، وبأن يفرضها حاكمٌ بالإكراه والقوة، فما ألف الناسُ يصعب انتزاعه من قلوبهم بسرعة، وإنما يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الطيبة، وبتأليف القلوب والضمائر على الحق والخير والفضيلة.

أيها الناس:

كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، وكلكم مُكلَّفٌ بعملٍ.

صاحب الأرض يقوم على أرضه يزرعها، ويتعهَّدُها بالحرث والسقي وبذْرِ البذور، ودعاء الله بالمطر.

صاحب المعمل، يشرف على معمله، ويحسن إلى عماله، ويؤتي كل ذي حق حقه.

صاحب المال، ينفق ماله فيما يفيده، ويفيد أهله وجماعته، فلا يُسرفْ، ولا يُـقَـتِّـرْ.

والعالمُ يجهرُ بالحقِّ، ويلتزمَ به قبل أن يطالبَ غيرَهُ به.

والآباءُ يعلمون أبناءهم مكارم الأخلاق، قبل أن يبعثوهم إلى المدارس.

والمعلمون يسْعون إلى أن يتشبهوا بالأنبياء، وليس بالتجار.

والتجار لا يبخسوا الناس أشياءهم، ولا يأكلوا الأموال بالباطل.

وكل فرد، وكل عامل، وكل ذي منصب، يعملُ بضميره، ويخاف الله قبل أن يخاف القانون، فعدلُ الله يسيرُ في الكون، وإنْ لم يبْدُ للعيان، ولم يُشْرِفْ عليه قومٌ من الرجال أو النساء.

وليكن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من ديْدَبان الجميع.

فالخير بيِّنٌ، والشرُّ بينٌّ، والإثمُ وإنْ غُمَّ عليكم فإنَّهُ يحيكُ في الصدور، ويجعلُ صاحبَهُ يحرصُ أن لا يطلع عليه الناسُ، ولكنَّ الله يطلع على كل شيء، ولا تخفى عليه خافية، وقد تخفى أشياءٌ كثيرة على الحاكم، فأعينوني على البر والتقوى، وكونوا لي ظهيراً على الصلاح والسداد.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق