]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مالك الرضيع ....... الجاني والمجني عليه

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2011-11-30 ، الوقت: 20:18:18
  • تقييم المقالة:

في فم الباب الموصد على الأم مغلقا أضع مفتاحي ، وعلى الرغم من أن صوت المفتاح المتحرك في الباب يؤكد أنني العائد يسحب قدميه سحبا فوق درجات السلم إلا أنني أسمع حركة مملوءة بالقلق والخوف والتحفز تتأهب لاستقبالي ، تعاود عين زوجتي متابعة مكلمة تحلل وتفتت حدثا وتناقش وتختلف وتعاود وتسحب مداخلات تليفونية ما بين مؤيد ومعارض ، محاور ديمقراطي الحوار ومحاور دكتاتوري النغمة ، علامات الأسى لا تفارق عينيها الملتصقة مازالت بشاشة التلفاز ، بالطبع أبادر بالسؤال هل من جديد ؟! حيث فارقت حاسبي منذ نصف ساعة على الأكثر مقدار خطوات العودة ،والدقائق في مصر الآن تحصد فيها أرواحا لا تعد ، وتتدفق فيها أخبارا لا تحصى وتشتت العقول في عبثية ملؤها قلق ، تبدأ في سرد أحداث تواترت في نصف الساعة التي مضت بينما يباغتنا ( مالك ) الرضيع بإجابة عملية إذ يمسك قارورة رضعته ويوجهها رشاشا إلى المدى الضيق لسقف الصالة مصفرا صفير الطلقات المتدافعة ، ثم يسقط بين قدمي يتلوى ألما فوق زخرف السجادة ،

أرفعه متأملا عينيه وصفائهما ؛ ناظرا في ابتسامته إذ يفهم ما أعنيه من سؤال ويجيب عن والدته ساردا أحداث موت معلن في مشهد تمثيلي على براءته يفتح أفقا لجراح لن تندمل سريعا ، 

احتضنه محاولا أن أوجه انتباه عينيه التي لا تفارق التلفاز إذ يعلنني أنه أجاب عن سؤالي ، ثم ما عليه الآن إلا أن يتابع ليتم ما علم !

تتدفق الأسئلة أمامي ، أليس لديهم ( مالك ) في بيوتهم ... هؤلاء القادة آمري الضباط بتصويب رشاشاتهم لصدور شباب الوطن ، أليس لديهم ( مالك ) يفتح أمام أعينهم وجيعة ما يصنعون بأبناء الشعب ، ألا يعود هذا الضابط الذي يؤدي واجبه المهني - مقتنعا أو غير مقتنع ليجد ( مالكه ) يرسم له بما أتاحت قدراته ما اقترفت يداه ، ألا تستوقفه لحظة ليفكر في بداهة أنه يقتل طبيبا مؤهلا لإنقاذ طفله ، ومعلما سيبني عقله ومهندسا سينظم بيته وحيه ، وشرطيا محتملا سيؤدي واجبه المهني الحقيقي في الحفاظ على حياة ابنه ( مالكه ) ؟!

ألا يتوقف لحظة ليسأل نفسه عن مستقبل ابنه بين زملاء مدرسته حين ينظرون إليه وهم يعلمون أن أخا لهم أو معلم أو طبيب كان يعالجهم أو أبا قتل أو فقد عين له أو ساقا أو ذراع لا لشيء إلا لأنه كان يحلم لهم بمن فيهم ابنه بمستقبل لا يرون فيه ما رأه ولا يعانون فيه ما عاناه ، ما حدود الواجب المهني لضابط هو في الأصل تعلم وعمل ليحمي أرواح أخوته في الوطن من إرهاب الراهبين ، ضابط رسالته هي التضحية ليحيا الآخرون في آمان ، هل هؤلاء هم الأرهابيون الذي يمثل وجودهم خطرا يداهم المجتمع فيجب مواجهتهم ؟! حتى وإن كانوا كذلك هل يحتم عليه واجبه المهني أن يصوب رشاشه في صدر هؤلاء أم أن المطلوب منه إلقاء القبض عليهم وتحويلهم لأروقة العدالة تقتص إن كانوا كما صور له قادته ؟

ألا يتوقف لحظة لينظر في عين مالكه مهما كان أسمه ليرى مستقبله ، وليسأل نفسه هل سيقدر الواجب المهني الذي سيملي على زميل له أمرا بتصويب رشاش إلى صدر ابنه شابا إن خرج يوما ليحلم بمستقبل أفضل لأبنائه لو ظل الوضع كما هو عليه اليوم ، هل سيقدر لزميل مهنته أنه أزهق روح ابنه الخارج يعلن عن رغبته في الحياة حرا ، انسانا ؟

ألا يتوقف لحظة ليسأل عن مدى هذا الدافع للمجرم الواقف في ميدان التحرير وغيره من الميادين في مصر والبلاد العربية - كما يصوره قادته له - ما دافعه ليقف مواجها الموت مثله تماما ، ما قناعاته التي تسمر قدميه في الميدان رغم وابل الأدخنة السامة والرصاصات المطاطية والحية ، ألا يشككه هذا في مفهوم الاجب المهني الذي يملي عليه مواجهة هؤلاء ؟!

بكل صدق أجدني أؤهل نفسي - كمعلم في المدارس المصرية للتعامل مع هذا الجيل بغرس قيم التسامح أكثر وبذل الجهد لخلق وعي قادر على مواجهة حتمية بين أبناء الجيل الصاعد ، كل منهم سينظر من الزاوية التي عاشها وسمعها للأحداث وما سيتركه من عظيم الأثر في أسلوب تفكيرهم وتوجهاتهم وأساليب تعاملهم مع بعضهم البعض كل حسب ما علم وعرف فالمنقول في هذه المواقف أكثر أثرا من المسجل الرسمي ، لذا أجد لزاما علي أن أوجه نداء من الآن للسادة الأطباء النفسيين والسادة المتخصصين في علم الإجتماع والتربويين وواضعي المناهج الدراسية أن يستعدوا بدراسات مستفيضة كل في مجاله ، لأنهم سيواجهون جيلا مختلفا تماما عما اعتادوا ، جيل لخصه ( مالك ) الرضيع في لحظة لا تخلو من عمق في توجيه قارورة رضعته رشاشا جانيا والارتماء على الأرض يتلوى من الآلم مجنيا عليه !!

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق