]]>
خواطر :
عش مابدا لك وكيفما يحلوا لك وإعلم أنك ميت يوما ما لامحالا   (إزدهار) . \" ابعثلي جواب وطمني\" ...( كل إنسان في حياة الدنيا ينتظر في جواب يأتيه من شخص أو جهة ما )...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سقوفٌ وأقبية

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-30 ، الوقت: 19:05:02
  • تقييم المقالة:

 

سقوفٌ وأقبية

 

محمد الحداد  العراق

                                                                 (لايكفي أن تكونَ في النورِ لِترى بل 

 

                                                                   يجبُ أن يكونَ في النورِ ماتَراه)

في معرض نقدهِ لمقدِم برنامج بثتهُ إحدى القنوات الفضائية يتعلقُ بالفلك ، أنكرَ أحد الكُتّاب على مقدم البرنامج إيمانهُ بالعرشِ والكرسي وجعلَ منهُ داعيَ خُرافةٍ واتخَذَهُ سبباً للسخريةِ لدرجةٍ جعلتني أتساءلُ بذهولٍ عن جدوى مثل هذهِ الكتابات التي تُفضي إلى خلقِ بؤرِ صراعٍ فكري تنظيري بتقاطعِها معَ مركزيةٍ إيمانيةٍ قطعيةٍ وثابتةٍ وبأقلامٍ مسلمةٍ للأسف لها يدٌ طولى في ذلك . يقول الكاتب :(عندما انقلبَ مقدم البرنامج من كونهِ داعية علم إلى داعيةِ خُرافة وذلكَ عندما حولَ وبخفةِ مهرج هذا الكون العظيم إلى حلقة [خاتم] ورماها داخل كرسي الرب).ومعَ أنَّ الكلامَ فيهِ ما فيهِ من إساءَةٍ مع الخالق ،لكن فيما يتعلق بالبرنامج الذي لم أرهُ مطلقاً أكادُ أُجزمُ أنَّ مدارَ الالتباس الحاصل مرَدهُ إلى حديثٍ نبويٍّ فحواهُ (ماالسموات السبع في الكرسي إلاّ كَحَلَقَةٍ مُلقاةٍ في فلاة والكرسي في العرشِ مثلُ ذلك). ولو صَحَّ الحديثُ عن الرسولِ (ص) فلا وجهَ عندئذٍ للعجَبِ لأنه وجرياً على قاعِدةٍ سنَّها بقولهِ :(أُمِرْتُ أن أُخاطِبَ الناسَ على قَدرِ عقولِهم) فهو يصِفُ للسامعِ سِعَةَ خلْقِ الله وعظمةَ ملكوتهِ بشكلٍ يُقرِّبُ لعقولِنا القاصِرةِ رحمةً بها من الفتنةِ والتشكيك (ما أنتَ بمحَدِّثٍ قوماً حديثاً لاتبلغهُ عقولهم إلاّ كانَ لِبعضِهم فتنة) ،فذهول الكاتب غير مبررٍ كون الكرسي أو العرش يندرِجانِ ضمنَ الإيمانِ بالغيبِ الذي امتدحَ اللهُ بهِ عبادهُ المتقين وجعلهُ صفةً ارتضاها لهم .ثم إنَّ المسلمينَ حتى في أوجِ خِلافاتِهم الكلاميةِ لم يُنكِروا مسائلَ أُمِروا بالإيمانِ بها (كَغيبيات) مثل القيامة والصراط والميزان والجنة والنار أو(كصِفات) للهِ أو ما أُلحِقَ بذاتهِ كالعين واليد والوجه وما شابه ،ربّما اختلفوا في تأويلِها لكنَّ عقيدَتهم كانت سليمةً في تصديقها والتسليمِ لها فحَمَلوا آيات الاستواء على الاستيلاءِ والهيمنةِ ، وآيات اليدينِ على القُدرةِ والقوةِ ،وآيات العينِ على العِنايةِ والحِفظ ،وآيات الوجهِ على الوجودِ والبقاء وقالوا : إنَّ للهِ يدٌ بلا كيف وعينٌ بلا كيف ،ولا غرابةَ في ذلك فالذي لايُمَكِّنَهُ إدراكهُ من معرفةِ كُنهِ ذاتِ الله (وقد قَصُرَتْ العقولُ جميعها عن ذلك) فما لَحِقَ بهِ أو تعلق من صِفاتٍ وأحوالٍ وشؤونٍ لن تُدرِكَها العُقولُ كذلِك ، فليسَ للإنسانِ حاسة تُؤهلهُ لإدراكِ ما لا يُدرَك فكل ما خطرَ ببالِك فالله سوى ذلك ،ومن تمامِ كمالِ الله وهو القيوم أنهُ مُستَغني عن المكانِ ولزومِ الجهاتِ (مَن أشارَ إليهِ فقد حدَّهُ ومَن حدَّهُ فقد عدَّه). والقرآنُ نفسهُ لم يقرر أنَّ اللهَ(جلسَ) على العرش بل :(الرحمن على العرشِ استوى)و(ثمَّ استوى إلى السماءِ)و(ربُّ العرشِ العظيم) فلم يُحدد وظيفة الجلوسِ عليهِ كما تلَفظَ الكاتبُ مستهزئً (لم تستَطع عقلية الإنسان القديم أن تتخيلَ ربّاً بلا عرش يجلسُ عليه وإلاّ جلسَ على التراب) ،ثُمَّ إنَّ فيهِ(معَ تكرار الإساءةِ لذاتِ الله) تبعيضٌ للهِ إلى أجزاء  فكلما ذُكِرَت القدم(مثلاً) قفزَتْ إلى  مُخيلةِ الكاتب(قدم الإنسان) وقدحتْ فكرةُ أنَّ اللهَ يضعها هكذا على كرسي كبير،والحقٌّ خِلافُ ذلك ف(الإنسان القديم ) الذي يهزأُ منهُ كاتبنا فهِمَ قبلَ أكثر من 1400 عام أنها ليستْ أجزاءٌ للرب ذوات وظائفَ كما نعرفها نحنُ وإلاّ للحِقها من النقصِ والعيبِ والخطأِ والعجزِ والإحاطةِ وسوى ذلك والخلطِ الذي وقعَ بهِ الكاتب عندما ألحقَ الأسماء المُختلف في تأويلها(وهي هنا الكرسي والعرش) بوظائِفها (الجلوس والراحة)،فإلحاقٌ كهذا تمَّ وفقَ حواسه هو (كإنسان) فشاركتْ أُذُناهُ حينما سمعتْ من مقدم البرنامجِ ما عدَّتْهُ تهريجاً وخرافةً فذُهِلتْ وَأبرَقتْ إلى عقلهِ الذي ترجمَ بدورِهِ ما سمِعَ ورسمَ صورتينِ مُقابلتينِ لهذينِ الإسمين وفقَ ما تعودتْ عيناهُ أن تُرسلهُ إليهِ وعلى ضوءِ ذلكَ ترسختْ في عقلهِ وظيفة كلِّ صورةٍ منهما،فأُذنهُ السامعة للأصواتِ وعينهُ المُشاهدة للمحسوساتِ(على ما ألِفَتا) ساهمتا مع العقلِ(على ما تعارفَ عنده) في الربطِ بينَ العرشِ والكرسي كإسمينِ وظيفتيهما الراحة والرفاهية . لقد ساهمَ الكاتبُ بخيالهِ(هوَ) ووعيهِ(هوَ) لامُقدم البرنامج حينما انساقَ وراءَ عَبثِ مُستقبلاتهِ المعرفيةِ ورَسَمَ صوراً متحركةٍ محسوسةٍ لِغيبياتٍ كانَ ينبغي أن يَدَعها لامُدرَكَةٍ ولا مُجَسَدةٍ أساساً والاكتفاء بالإيمانِ بها دونما خيال،ورَحمَ اللهُ علماؤنا حينما وضعوا قواعدَ رائعةٍ لنا(نحنُ ساكنو القريةِ العولميةِ) دونتها أقلامهم وهم يفترشونَ التراب الذي يزدريهِ اليومَ مَن يزدَريه وقالوا:إنَّ الإنسانَ كما يحتاجُ إلى حاسةِ البصرِ في الرؤيةِ فكذا يحتاجُ إلى أن يكونَ ما يراهُ مُقابِلاً لحاستهِ ! لأنه لايُحدُّ بأين ولا تراهُ عين ولا يُدرَكُ بالقياسِ ولا يُقاسُ بالناسِ ولا يحويهِ مكان ولا يصفهُ لسان.لكنهُ وإن( لم يُطلع العقولَ على تحديدِ صفتهِ فلم يحجبها عن واجبِ معرفتهِ)

إنَّ الدينَ ليسَ خُرافةٍ ولم يخترعهُ الإنسانُ بكَثرَةِ تجاربهِ فمَن هو لِيصنعَ لهُ ديناً وفقَ هواه، بل الدين هوَ مَنْ سما بنا من حالةٍ بدائيةٍ إلى قيمةٍ عاليةٍ بأنوارِ( الوحي ) الذي نَزَلَ إلينا فارتفعنا بهِ وأنارَ عقولنا من سديمِ سقوفِ الكفرِ المُظلمةِ التي كُنا مُحتَجزينَ تحتها لا نُريد مُغادرتها ،الوحي المُقدسِ الذي سَنَقِفُ عندهُ (لأنه تراثنا) ونحاكِمُ مَنْ يكفرُ بهِ ويُنكِرَهُ طويلاً...وطويلاً جداً

                                        

  • Salem Hassen Ali | 2011-12-01
    اتابع بشغف كتاباتك الجيدة محمد اشكرك...المعتزلة انكروا بعض الصفات لان تعددها يعني عندهم تعدد الموصوف اي الذات العلية وفي هذا شرك والمعطلة انكروا التجسيم ( من مراجع الباب الملل والنحل للشهرستاني والفرق بين الفرق للبغدادي ...) مقالاتك قراتها كلها اعجبتني الموسيقى ذكرتني بجبران له نص ممتازفي ذات الموضوع كتابه رمل وزبد وموسيقى نحن في انتظار جديدك اشكر طيف امراة التي ارشدتني اليك هي ايضا تتابعك
    • محمد الحداد | 2012-08-05
      أخي سالم حسن علي ..حقيقة أقف عاجزاً أمام ما غمرتني فيهِ بشلالِ إطرائكَ الذي أخشى أنني لا أستحقهُ على الحقيقة ..لكن ما يهمني هنا أخي العزيز هو  ما عكستهُ لي حروفك الغالية من نبلٍ دلَّ على كاتبها ...سُعدتُ بجميلِ ما وصفتَ بهِ أسلوبي في الكتابة وبأنه يذكركَ بجبران وهذهِ شهادة لا أستحقها فعلا لكنها تدلُّ على صفاء حواسكَ التي تعرفُ ما يطربها مما تبحث عنهُ روحكَ الراقية فتتذوقهُ أينما وجدته... والشكر اللامنقطع إلى الراقية طيف إمرأة على كلِّ ما قامت بهِ مما ذكرتهُ هنا ومما لا يعلمهُ إلا الله من كثيرٍ مما تفعلهُ خدمة للكلمة وأهلها ....شكراً لكما بقدرِ روعتكما ...    

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق