]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المحاماه وسيف الجهاله

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-08-10 ، الوقت: 22:35:49
  • تقييم المقالة:
أتحدث معكم عن المحاماة، تلك المهنة الرسالية التى جار عليها الزمن فظلمها أصحابها وأهلها قبل أن يظلمها غيرها، مع أن المحاماة هى مهنة أصحاب الفكر والثقافة والبلاغة والفصاحة والأدب، هى مهنة يندمج صاحبها مع من يدافع عنه وكأنه هو، قال إبراهيم الهلباوى عنها: «إن أسمى مراتب المحاماة وأعلى معانيها، هو أن يقفوا فى جانب مظلوم تحالفت عليه القوى، وأن يتحملوا معه شطراً مما يقاسيه»، لذلك كانت هذه المهنة تحمل جانباً رسالياً، ولا أظنكم تعلمون أن سيدنا هارون كان أول محامٍ عرفته البشرية، نعم كان هارون محامياً، وكان المتهم هو سيدنا موسى، عليه السلام! فحين كان سيدنا موسى يسير فى الطريق ذات يوم وجد اشتباكاً بين واحد من شيعته ورجل من عدوه (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) فكان أن هرب موسى من مصر، وظل سنوات وسنوات بعيداً عن بلده، غريباً فى بلاد أخرى، إلى أن قيَّض الله له أمراً فعاد إلى مصر، وحين مر بالوادى المقدس طوى، أوحى الله له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى)، ولكن عقبة وقفت أمام موسى، فقد تذكر ذنبه القديم حين قتل المصرى، فخاف أن يقتله فرعون لهذا الذنب، لذلك قال لرب العزة: (َقالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ، وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِى إِنِّى أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ)، فشد الله عضده بأخيه الفصيح، وبذلك تم توكيل هارون للدفاع عن أخيه موسى بسبب فصاحته وبلاغته وقدرته على البيان، فأصبح هارون محامياً لأخيه، ومن بعده أصبحت المحاماة مهنة النبلاء والعظماء. كانت المحاماة هى مهنة «سيسرون»، أفصح فصحاء روما، والمهاتما غاندى، وإبراهام لنكولن، وفرنسوا لاجارد، وبيرييه، وروبسبيير، ودانتون، وجاك فرجاس، وسعد زغلول، والهلباوى، ومرقص فهمى، وعبدالكريم رؤوف، ومصطفى النحاس، ومصطفى مرعى، ومكرم عبيد، وشوكت التونى، وأحمد الخواجة، وعلى منصور، ومحمد عبدالله، وإبراهيم حلمى، وعاطف الحسينى، هى مهنة الرؤساء والأدباء والشعراء والفنانين، هى الفن والعلم والموهبة والنجدة والمروءة، هى الشجاعة والإقدام، يقف فيها المحامى ضد الرأى العام أحياناً، وضد الحكومات والأنظمة أحياناً أخرى، وهو فى وقفاته وسكناته ولمحاته ولفتاته يدافع عما يعتقد أنه حق، وفى سبيل ما يعتقده قد يضحى بحياته إذا نقم عليه الناقمون وأصحاب المصالح. ما زلت أذكر ما حدث ظهر أحد أيام أواخر حقبة الثمانينات عندما انتهى المحامى الفذ العبقرى عاطف الحسينى من المرافعة فى محكمة جنايات شمال القاهرة أمام دائرة المستشار الأديب الفقيه العلامة جمال عبدالحليم، رحمهما الله، كانت المرافعة فى قضية خطيرة أثارت الرأى العام لأشهر طويلة، وكان عاطف الحسينى قد بزغ نجمه فى المحاماة منذ سنوات طويلة فى ظل وجود مجموعة من عمالقة المحاماة وقتها، إلا أن «الحسينى» فاقهم جميعاً، وأصبح أسطورة من أساطير المحاماة نادراً ما تتكرر، وبعد أن انتهى من مرافعته كان السكون قد خيَّم على القاعة، فالساحر اللبيب عاطف الحسينى قد أعمل سحر كلماته فى قلوب جميع الحاضرين، وبعد أن طوى «الحسينى» أوراقه رفعت المحكمة الجلسة للمداولة، وأخذ «الحسينى» طريقه خارج القاعة والاطمئنان يلفه والرضا بادياً على وجهه، وإذا بأحد الخصوم يهجم عليه وهو يحمل سكيناً فى يده ثم ينهال عليه بغتة ليمزق وجهه بحرفية واقتدار قاصداً تشويه وجهه، وقع المحامى الفذ على الأرض مثخناً بجراحه، وانكب عليه المعتدى يريد أن يسيطر على فكيه ليخرج لسانه ويقطعه، ولكن ضربة قوية من أحد المحامين الذين كانوا بصحبة «الحسينى» أوقعت المعتدى ومنعته من الاستمرار فى التعدى، وكأن عقاب المحامى هو قطع لسانه! وليتهم يعلمون أن لسان المحامى أكثر صلابة من سيف الجنرال، وبعد أشهر قليلة كان «الحسينى» يترافع أمام محكمة جنايات بنها، كان الحزن بادياً عليه، ويبدو أنه أصبح رفيقه بعد واقعة الاعتداء عليه من خصمه الشرير، وأثناء المرافعة انفعل «الحسينى» وهو يشرح أحد الأخطاء القانونية فى القضية، وعندما اشتد فى الانفعال سكت برهة، وأخذ يتحسس رأسه، ثم وقع على الأرض ليسكت قلبه عن النبض ويسكت هذا المحامى إلى الأبد. وإن أنسى فلا أنسى ذلك اليوم الذى ترافع فيه الأستاذ رجائى عطية فى غضون عام 2000 فى إحدى القضايا الجنائية ذات الطابع السياسى، وفى تلك الجلسة أبدع الأستاذ رجائى كما لم يبدع من قبل، وارتفع سحر بيانه بالحاضرين إلى الجوزاء، حتى إن أحداً منا لم يستطع أن يلتفت يميناً أو يساراً أو حتى يبلع ريقه مخافة أن تفوته شاردة أو واردة من إبداعات هذا المحامى الفنان الموهوب، وأخذ شيخ المحامين يكيل الأسئلة الفنية لأحد شهود الإثبات من رجال الشرطة حتى ظهر للجميع أن القضية خاوية على عروشها بلا دليل حقيقى يقيمها، وانتهت المرافعة وخرج الضابط يجرجر أدلته الخائبة التى كشفها المحامى العبقرى، وبعد أن ركب الأستاذ رجائى عطية سيارته وتحرك بها من أمام المحكمة خطوات حتى باغتته سيارة نصف نقل مريبة ومجهولة لتصدم سيارته وتقلبها! كادت حياة هذا المحامى المبدع أن تذهب إلى عالم آخر بسبب تفانيه فى المرافعة التى أغضبت بعضهم، إلا أن الله كان رحيماً به وبالمحاماة فنجَّاه، وها هو المحامى الكبير والوطنى الرائع الأستاذ زكريا إدريس، الذى كان عضواً بمجلس نقابة المحامين فى الجيل الذهبى، وكان «إدريس» قد تجاوز الثمانين من عمره بسنوات قليلة، ولكنه رغم سنه وقع ضحية لدفاعه ومرافعاته، فمنذ عام تقريباً نقم عليه أحد الخصوم فى قضية كان يترافع فيها فقام بخطفه ثم قتله دون شفقة ولا رحمة، ثم ألقى بجثته فى أحد الشوارع الجانبية بمدينة نصر. وحين أعملت الجهالة أفاعيلها فينا نقم من نقم على المحاماة ومن يمارسها، وغضب من غضب من مرافعة هنا أو دفاع هناك يبديه أحد أصحاب هذه المهنة الرسالية، ولكن الأعجب أن بعض المحامين الذين ينتمون لفصائل سياسية معينة كانوا من حملة سيف الجهالة!.  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق