]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحلم الخائن

بواسطة: حمزة الرقب  |  بتاريخ: 2014-07-28 ، الوقت: 20:49:11
  • تقييم المقالة:
الحلم الخائن   كعادته، انهال عليها بالصيحات والويلات، صيحاته هذه زادَت ابنتَه رجولةً، ذهبَت على غير عادتها إلى ركن مِن البيت، شعرت أمها بغيرة، ذهبَت إليها، هزَّتْها بقَسوة، تفاقمَت رجولة الفتاة، رقَّ قلب الأم، سال نهرًا دافئًا على وجنتَيها، قابلتْه الفتاة بشواطئ عميقة.   أوطان وحنين، وكيس مِن طحين، أخت جريح، وأخوات جريحات، أبٌ قاسٍ، وأم استعمَرتها القسوة، كَفى كفى أشتهي أن أحلم، حتى ولو كنت مستيقظة، أريد أن أحلم ببيت أو أقلَّ، فيه شيء من الترتيب، سيِّده أبي لا الظروف، ربة البيت أمي لا الجرذان، أحلم برغيف خبز دافئ يأتينا طوعًا لا كرهًا، أريد، نعم أريد، سأقولها ولا أتردَّد، "وسامحني يا أبي" أريد أن أدعو صديقاتي لمرَّة واحدة؛ فقد مللتُ مِن الاعتذار عن زيارتهنَّ.   ماذا تريدين أيضًا؟ ماذا يا هند ماذا؟ آه أشتهي أن أنام؛ لكي أنام، فقد ضجرتُ مِن الهرب، فحياتنا كبطَّة عرجاء تنجو مِن قانصيها بأعجوبة.   أشتهي أن أكون أنثى لبرهة من الوقت، هند هند أين أنتِ؟ ها ماذا يريد مني؟ أتزعجه أحلامي؟ لا أذكر أني نسيتُ ضوء الغرفة مشتعلاً هذه المرة، هند، ها نعم، أين بقية الوقود؟ لا أعرف، سل أمي، ذهب إليها عاقدًا حاجبيه وعيونه تروي كلَّ الحكايات، وكالعادة انقضى المشهد بمساعدة أبناء الجار دون أن نَشكرهم؛ فكثيرًا كنا سببًا في انقضاء مشاهدهم.   لا أعلم لِمَ لمْ أشعر بالذنب حينها، فقد كنت سببًا في ألم أمي، لكن ما تعلمتُه مِن معاهد القسوة لديهم غمر كل ضمير.   نحن والقسوة صِنوان لا يتفرقان، كلما هممتُ بالتضجُّر من هاته الحالة، برَّر لي أرشيف حياتنا المُتجدِّد ما يفعله القاسون؛ حتى أضحيتُ قاسيةً.   خرج أبي من البيت ناويًا الترويح عن نفسه، ذلك البيت لا يهدأ، بُنيَ عماده على شجون الشرق الأوسط، بِنيته التحتيةُ تُشبه تمامًا وطني، جداره مشروخ يحاكي شروخ سوريا، أساسه مهزوز كعلاقات الدول العربية، سقفه هشٌّ، يُضاهي هشاشة عروبتنا.   أين ستذهب يا أبي؟ فكل البلدان لا تسعك، تعال يا أبي؛ فجلُّ البلاد مشغولة، منهم مَن شغله ربح برميل النفط، ومنهم مَن أنهكه الحصول على برميل النفط، تعالَ يا أبي؛ فبلاد الألم أوطاني، وكلُّ العار بأعرابي، تعالَ يا أبي؛ فلا مناص مِن بيتنا، فجلُّ بيوت مدينتنا مسارح تسرح فيها ويلات وهموم.   صاحت أمي بصوتها الجهير، وقد تسلَّل إليه هذه المرة بضع مِن الحنين، أظنُّه حنينًا مُصطَنعًا - وإن بعض الظن إثم - قالت لي: أحضري الأولاد لكي نتدفأ، حينها ارتسمَت على شفتيَّ ابتسامةٌ صفراء، دعوت الأولاد إلى أن يذهبوا إلى الدفء المزعوم، انتصرتُ على هواجس نفسي وحضرت، كالعادة جعلنا مِن المدفأة حرمًا مكيًّا، توسطتنا هي، وجعلنا حولها نطاقًا يحظر التجول حولها، كلما شعرتُ بقليل من الدفء أشعر بأني أخون أبي، على الرغم من أن مدفأتنا تبدو كنوَّاسة، يخرج منها الدفء على استحياء، يبدو أنها تشعر بالذنب أيضًا، في كل كرَّةٍ ينقضي الشتاء ونحن نُحاول عبَثًا أن نتدفأ.   كل ما في البيت يَبعث على الضجر، تلفازُنا لا يَعرض سوى أشلاءً ممزقة، نافذتنا تُطلُّ على حقل أجدب رغم وابل المطر، الظلام يُهيمن على البيت، غسالتنا تحتاج إلى غسيل، حجرة التبريد أشبه بكهف مهجور، ممراته كممرات جزيرة من الأشباح.   انتصف الليل، وأبي لم يزل هائمًا على وجهه، فاحَ القلق، لم أذكر أني رأيت أمي وإخوتي في مثل هذه الساعة مِن قبل؛ ففي مثل هاته الساعة أراهم يهرُبون ويغُطون في سباتهم الطويل لا العميق، في حين أغازل همومي في مثل هذه الأوقات.   تصاعدت أصواتهم، بدا واضحًا عبق القلق، خطوات أمي كسَير العشواء، لا أدري أين كانت تخفي هذا الحبِّ؟ ولا أدري حينها لماذا لمْ أشعر بالقلق؟ خامرني شعور بأن حاله خارج البيت، ليس بأسوأ مِن حاله داخل البيت.   أين أذهب؟ أجهدني الهرب، لكين كيف أعود، وكيف أبقى؟ أواه مما يَجول بخاطري الآن! يُنازعني حنيني إلى بيتي، ويُبقيني واقعي خارج السربِ، واعَذابي! أرهقتني هواجسي وحجم مسؤوليتي، حتى حطَّت بي إلى حافة الطريق الرفيق، ذاك الطريق الذي أنهكتُه بكثرة استجمامي لديه، وكعادتي رميتُ برأسي تجاه شجرتي الحزينة، التي لطالما أزعجتها بكثرة شخيري.   زار صاحبنا حلمٌ خائنٌ لواقعه، كل تفاصيل حلمه فاتنة، تُغريه حتى يبقى نائمًا، أضحى صاحبنا في حياته الجديدة، وجهُه صَبوح، روحه طَموح، أولاده يلهون بالأوقات، بناته مُتفائلات، صاحبته تاج السعيدات، لا يَتمنى أحدٌ منهم الممات.   جاء الصباح، وجاء معه شعاع حارق، ونَعيق غُرابٍ، تكفَّلا بإنهاء السعادة الخائنة، استيقظ الأب وذهنه رائع، وواقع قابع، تفل عن شماله ثلاثًا.   أهلاً يا أبي، طالتْ غيبتك، هزَّ برأسه هزة الخائب القانط، اجتمعت العائلة، قصَّ عليهم حلمهم، أجل؛ فقد كان حلم الجميع، هزوا رؤوسهم، خيمتْ خيبات الألم، نالت ابنته الخيبة العظمى، همست مِن وجهها الغريق: عاد أبي وتاب حلمه.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق