]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التشيع قضية وطن !!

بواسطة: أحمد المغازى كمال  |  بتاريخ: 2014-07-28 ، الوقت: 16:26:36
  • تقييم المقالة:
انتهت الدولة الفاطمية وانقضت الحقبة الشيعية من التاريخ المصرى، ولكن هل انتهى التشيع فى مصر؟ يؤكد الكثير من المؤرخين أن غالبية المصريين لم تعتنق المذهب الإسماعيلى خلال الحقبة الفاطمية، ولم يعتنقه سوى العناصر التى تعاونت مع الفاطميين ممثلة فى الأقليات الأجنبية التى جاءت فى صحبة الفاطميين، ويؤكد «ابن الأثير» أن المصريين لم يكترثوا بإسقاط التشيع فى مصر على يد «صلاح الدين»، ويقول إنه «لم ينتطح عنزان» حين قرر «صلاح الدين» رفع الخليفة الفاطمى من خطبة الجمعة والدعاء للخليفة العباسى. هذا القول المتكرر من جانب العديد من المؤرخين جرى مجرى الحقيقة الثابتة، رغم أن فيه نظراً، فقد دامت الدولة الفاطمية فى مصر لما يقرب من قرنين من الزمان، ومن السذاجة أن نتصور أن من السهل على أجيال ولدت ونشأت فى ظل جو ومناخ التشيع أن تعاند وتخرج عن معطيات الثقافة السائدة، ويستغرب المحلل أكثر وهو يرى أن التأثيرات الثقافية للدولة الفاطمية ما زالت باقية فى الطقوس والعادات والتقاليد المصرية حتى يوم الناس هذا، وهى تكاد تكون -وخصوصاً الطقوس الرمضانية- عابرة للأجيال. قد يقول قائل إن تواصل واستمرارية الطقوس الفاطمية أمر واستمرار بعض الأفكار الشيعية لدى بعض المصريين أمر آخر، فقد احتفظ المصريون بـ«التفطم» إذا صح التعبير، لكنهم لم يقبلوا بفكرة التشيع طيلة قرنين من الزمان، ومن تشيع منهم حينذاك خلع عن نفسه الرداء الإسماعيلى بمجرد نجاح «صلاح الدين» فى إسقاط الدولة الفاطمية. هذا الكلام مردود عليه من أكثر من زاوية؛ منها ما سبق أن ذكرته لك من أن الذاكرة المصرية احتفظت بطقس الاحتفال بعيد الغدير، وهو أبرز الأعياد الشيعية حتى عهد قريب، دون أن يدرك الكثيرون مغزى الاحتفال به، لكن العقل الجمعى ظل يحتفظ به. وقد يكون من المفيد فى هذا السياق أن نراجع بعض المعلومات التى وردت فى الدراسة التى أعدها «صالح الوردانى» تحت عنوان: «الشيعة فى مصر»، ويشير فيها الكاتب إلى أن مصر احتفظت ببعض الأفكار والممارسات المرتبطة بالتشيع بعد إنهاء الحقبة الشيعية، وما زالت هذه الأفكار والممارسات تظهر فى حياة المصريين فى بعض الأحيان، من بينها: الحركة الصوفية التى عكست فى بداية ظهورها بعد انهيار الدولة الفاطمية تطبيقاً لمبدأ «التقية»، فقد تذرع المصريون بالتصوف من أجل الهروب من بطش «صلاح الدين» بالشيعة، فأظهروا «التسنن» رغم أنهم يضمرون التشيع، وبمرور الوقت تحول التسنن من مجرد ادعاء إلى حقيقة على يد الأبناء والأحفاد. وهناك تجمع الأشراف فى مصر الذين يرون أنهم ينتسبون إلى ذرية على بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويطلق على نقابة الأشراف «نقابة الطالبيين»، ومن نسل الأشراف جاء الزعيم أحمد عرابى الذى قاد الثورة العرابية فى مصر. وهناك الاحتفالات التى عرفتها مصر فى الحقبة الشيعية، مثل الاحتفال بذكرى عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، ورأس السنة الهجرية. ومن اللافت أن عادة الإساءة إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وعائشة أم المؤمنين، رضى الله عنها، ما زالت قائمة فى مصر حتى اليوم؛ يقول أحدهم أو إحداهن: «نعم يا عمر!»، أو يقول: «مش حسيبك إلا لما تقول أنا عيشة»! وهى مقابل لسب سنى للشيعة ظهر فى العصر الأيوبى تحمله عبارة «يا ابن الرفضى»، إذ يطلق على الشيعة «الروافض». ورغم كل المؤشرات السابقة، فإنه من الصعوبة بمكان أن نقول إن المذهب الشيعى له وجود حقيقى بمصر، ولا بد من التفرقة فى هذا السياق بين أمرين؛ أولهما: محبة المصريين لأهل البيت، وهى ممارسة وتقليد يرتبط بالمسلمين كافة، ربما كان الأمر أكثر توهجاً لدى المصريين بحكم تاريخ أهل البيت ووجودهم إلى جوارهم عبر فترة زمنية طويلة، لكن ذلك لا يعنى بحال تبنى مجموعة الثوابت الفقهية التى يمتاز بها المذهب الشيعى، مثل الاعتقاد فى الأئمة وعصمتهم، وتبنى موقف سلبى من الشيخين أبى بكر وعمر، ويبدو الأمر عكس ذلك تماماً؛ فالمصريون المحبون لأهل البيت يرون فى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، نموذجاً للحاكم العادل، وما أكثر ما يستدعون حكايات عدله؛ الصحيح منها والملفق، عندما يراجعون سيرة الحكام المعاصرين فيهم! أما تمسك المصريين ببعض الطقوس الموروثة عن العصر الفاطمى التى يظهر فيها النفس الشيعى، فيظهر كجزء من تركيبة الشخصية المصرية المحبة للحياة، وكثيراً ما تعبر عن هذه المحبة بالاحتفاء والولع بطقوس البهجة! فى تقديرى أن الأمر الأخطر فى تأثر المصريين بالتشيع يرتبط بالفكر السياسى لأصحاب هذا المذهب، الذى تسربت العديد من أفكاره إلى الوجدان والعقل السياسى لبعض جماعات الإسلام السياسى فى مصر وخارج مصر.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق