]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نهاية

بواسطة: نور الدين  |  بتاريخ: 2014-07-19 ، الوقت: 15:24:59
  • تقييم المقالة:


جلس على الكرسي يتأمل فنجاة القهوة ، ارتشف منه رشفة و أوقد سيجارته ، نفث الدخان على العالم متمنيا إبادة الجميع ، في نفسه جرح لن يندمل يوما ، مطرود من جنة النساء ، مغضوب عليه من رقة الأنثى و شغف الحب ، هيهات هيهات أن يعود الزمن إلى الوراء ، يوم كان فارسا مغوارا يغزو قلاع الحسن ، و تتلقفه الأحضان الدافئة ، أطفأ السيجارة غضبا عليها و على كل ما يحوم حوله ، لا يستحمل ضجيج قعقعة الكراسي و لا وقع الأحذية على أرض المقهى المرصفة ، لا يزال في ربيع العمر و لم يطفئ بعد شموع عقده الثالث ، لكن حب الحياة أعدم في دواخله ، فأضحى الموت له مأربا ملحا ، حاجة لا غنى عنها و إلا أصبح مجرما خطيرا ، بعد أن عجز مصابه عن تمزيق أربطة عقله ، فكم تمنى أن يستريح في رحاب الجنون و يكون مطية للهبل يقوده حيث السراب ، فيحس متعة و هو يكمش الأوراق و يجمعها في حجره و تحت أبطه ، فتتساقط و يعيد جمعها طوال اليوم ، كل مراده أن ينتشله القدر من ورطته ، و ينسى ، يحس أن النسيان خانه هذه المرة بل يستبد به الموقف كل حين ، كل لحظة ، يا للمصيبة ، أتكون ثقافة الذكورة هي من فعلت بنا الأفاعيل ، يتذكر أيام مراهقته ، وهو يطوف على حلقات الفرجة و الأدوية العشبية في السوق ، فالمهرج المحبوب هو من يزيح الأحزمة عن سراويل النكات و يظهر عورات الكلام ، و العشاب الرابح هو من يبيع خلطات تقوية الذكورة و يزيد من منسوب الرغبة ، تذكر أول مرة ناوش المومسات ، كانت الأولى امرأة ذبل جمالها وتضخم جسدها ، رغم ترهله كان لا يزال ناعما ، هي من أعطته شهادة الرجولة ، التي كان يبحث عنها ، عندما هم بالمغادرة قالت له : " انتبه إلى نفسك ، ستتعقبك النساء . كانت ككشافة تقرأ المستقبل ، كان قدره أن يصير ثور تعشير ، يطوف حول المباني العاشقة للحياة ، إلى أن ناله العقاب و قد غرس سكير سكينا أسفل سرته ، كان وبالا على كل ملكوته ، فأفلست فيه الرغبة و أصبح الخجل يعتري بصره ، تمنى لو لم تخلق النساء في الكون ، فأحيانا يرى فيهن شقاء أصابه بمقتل ، يتذكر الممرضة التي كانت تسعفه و تداوي جرحه الغائر ، كانت باكية العين و هي تكتشف أنه لن يعود إلى الحياة . 

شريط الذكريات لا ينقطع حبله في ذاكرته فيعيش نفس الدوامة ونفس الحقد و الأمل عينه يكبر في جوفه ويتعاظم أن مرحبا بموت مريح من حياة بلا نسمة من حياة بلا أنثى . يتذكر زوجته التي أمضت معه سنة قبل الجرح وسنة بعد الجرح ، يتألم وهو يقبل بمرارة تطليقها ، فلا علاقة بين بني البشر تقوم إلا على مصلحة عينية ، كانت تشفق عليه في البداية تبكي كل ليلة ، وبعدها عندما شبعت من طقوس الحداد ن بدات تتخلف عنه شيئا فشيئا حتى افترقا .

لا يزال فنجان القهوة أمامه يتنظر أن تمتد إليه شفتاه عندما مرت مسيرة نسائية ترفع شعار الإخصاء لمن ارتكب جريمة الاغتصاب ، يحس ترديدها سياطا مؤلمة مؤذية أكثر من الجلد و الرجم معا ، يقوم من مقامه يشتري قنينة وقود ، يكتب شعاره على لوحته ، نعم للإعدام لا لإخصاء الرجولة .  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق