]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ابن السبيل

بواسطة: نور الدين  |  بتاريخ: 2014-07-19 ، الوقت: 15:14:11
  • تقييم المقالة:


يحاول التأقلم مع عالم الشباب و يتحاشى الانغماس في عصبة الراشدين ، كلما اتجه جهة الربيع وجد لغتهم عسيرة على الهضم ، فلسانه تتعثر طلاقته حينما تتبرج ألفاظه، لم يتعود على الهزل المفرط حد التفاهة ، يحتاج لإعادة ترويض ، و كلما سافرت به الأقدام إلى مجالس الخريف وجد هناك صرامة والتزاما يخنق روحه ، رغم أن لسانه يستحلي السير في سكتهم الخالية من المنعرجات ، في قرارة نفسه نضج اليقين ، أن وداعا يا عقالا كاد يئد في نفسه بحبوحة المرح ، و آه لو وجد لأبي الحكمة سبيلا ، هذا الذي علم الناس التعقل و سطر لهم المقاسات لخنقه بيديه المتشنجتين و لغرز فيه إبرا تقطر سموم عقده المتناسلة منذ أن فكر في إقامة جدران الجد حول نفسه ، و كبح ابتسامة ملمحه ، وتسطير معالم الوقار على وجهه ، و شطب زلات لسانه من لغط الكذب الأبيض و لغو المزاح البريء ، كادت تلك الأيام أن تهوي به في براثن اليأس و العجز ، و تفر منه عفويته ، فما إن يقدم على بيته حتى تتوقف حركة الصبيان ، ويتغير لحن القنوات مبتعدة عن الهديل والصهيل ، معتكفة في رحاب الدرس و معترك الصراع و قلة الحيلة .
ما إن تحرر من جلباب النضج حتى تراءت له نفسه كمن يسير نحو نفق الجريمة ، يحس أن كل النظرات تتلصص على دقائق حركاته ، بل يقرأ علامات الاستغراب على محيّا كل معارفه ، لكأنهم استلطفوا أن يبقى على صبغته ، فيعاملونه بحذر كشيخ هرم توجعه براءة الفعل و تعوزه رحابة الصدر ، بل كذلك المعتوه الذي يتّقون فورته و ينتظرون فراقه ، كل الناس ميالون إلى الرتابة ، يحبون أن يبقى الأشخاص على نفس الطبيعة بل يخاصمون من يتلوّن بألوان الحياة فقط لغيرة تتملكهم . كان شوقه يزداد كل يوم إلى تلك المستملحات التي تغسل ثوب كآبته ، و حنينه يتعاظم إلى قهقهة ينفّس بها عن غلظة تثقل صفاء ذهنه و تسود أيامه . 
تذكر حياة ما قبل التعقل ، وطيشه اللامحدود ، ورفاقه الذين يغترفون من كؤوس الحرية ما لذّ و طاب ، ومن شطحات الشغب والمغامرة ما يسكت جوعهم و يزيد ، انقشعت أخيرا عن عينيه غمة تحول بينه و بين الترف و وجد خبيئته المنشودة ، و ظل يرتع في مروج الهوى ، ينفق من أمواله و وقته بلا حساب ، حتى أنعش بدنه و و وسع من آفاق أحلامه ، فانهمر عليه غيث الطمأنينة ، وتيسرت كل مصاعبه ، لكنه شهوته بدأت تتعاظم ، ويبدو أمامها كعبد لا حول له و لا قوة ، ما عاد يستطيع أن يؤجل لها طلبا ، ولا أن يعصي لها أمرا ، فاحتار من شقاء بدا يغزو حصون راحته ، و تسيب يبعثر مسيرته ، فوجد نفسه كمن انتقل من أقصى الأرض إلى أقصاها ، فبوصلته ما استطاعت أن تعثر له عن قبلة فقدها ، و ميزانه ما استطاع أن يزن بين كفتيه ، تألّم ألما شديدا ، فكما شد الرحال يوم فكر في إلغاء تعقله ها موعد رحلته الجديدة يدنو ، لعل خيرا هناك ينتظره .    


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق