]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة سيدنا شعيب عليه السلام

بواسطة: Hosni Al-khatib  |  بتاريخ: 2014-07-14 ، الوقت: 12:22:21
  • تقييم المقالة:

قصة سيدنا شعيب عليه السلام

أرسل سيدنا شعيب عليه السلام إلى قوم مدين وقد كانوا يعبدون الأيكة وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم،فدعاهم إلى عبادة الله وأن يتعاملوا بالعدل،ولكن قومه أبو وإستكبروا وإستمروا في عنادهم وتوعدوه بالرجم والطرد،كما وطالبوه بأن ينزل عليهم كسفا من السماء،فجاءت الصيحة وقضت عليهم جميعا.

لقد برز في قصة سيدنا شعيب عليه السلام أن الدين ليس قضية توحيد وألوهية فقط،بل إنه كذلك أسلوب لحياة الناس،فقد أرسل الله تعالى شعيبا إلى أهل مدين،حيث قال تعالى : {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه} وهي نفس الدعوة التي يدعوها كل نبي،فهي لا تختلف من نبي إلى آخر ولا تتبدل ولا تتردد،فهذا أساس العقيدة وبغير هذه الأساس يستحيل أن ينهض بناء،وهكذا بدأ سيدنا شعيب في توضيح الأمور التي جاءت بها دعوته،حيث قال تعالى : {وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} فبعد قضية التوحيد مباشرة،ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية ومنها قضية الأمانة والعدالة،فقد كان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس حقهم،وهذه رذيلة تمس نظافة القلب واليد،كما تمس كمال المروءة والشرف،وقد كان أهل مدين يعتبرون بخس الناس أشيائهم،نوعا من أنواع المهارة في البيع والشراء ودهاء في الأخذ والعطاء.

وعندما جاء سيدنا شعيب عليه السلام أفهمهم أن هذه دناءة وسرقة،كما أفهمهم أنه يخاف عليهم بسببها من عذاب يوم محيط،وهنا نلاحظ أن الله تعالى بعث سيدنا شعيب في حياة الناس،إلى الحد الذي يرقب فيه عملية البيع والشراء،حيث قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ولم يزل شعيب ماضيا في دعوته ويكرر نصحه لهم بصورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية،وذلك بأنه يوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط وبالعدل والحق،بالإضافة إلى أنه حذّرهم من أن يبخسوا الناس أشيائهم،حيث قال تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ} وكلمة الشيء تطلق على الأشياء المادية والمعنوية،أي أنها ليست مقصورة على البيع والشراء فقط،بل تدخل فيها الأعمال أو التصرفات الشخصية،ويعني هنا النص،تحريم الظلم سواء كان ظلما في وزن الفاكهة أو الخضراوات أو ظلما في تقييم مجهود الناس وأعمالهم.،ذلك أن ظلم الناس يشيع في جو الحياة مشاعر من الألم واليأس واللامبالاة،وتكون النتيجة أن ينهزم الناس من الداخل وتنهار علاقات العمل والقيم،ويشيع الإضطراب في الحياة،ولذلك يستكمل النص تحذيره من الإفساد في الأرض،حيث يقول تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} والعثو هو تعمد الإفساد والقصد إليه،أي لا تفسدوا في الأرض متعمدين قاصدين فما عند الله خير لكم.

بعدها يخلّي سيدنا شعيب عليه السلام بين قومه وبين الله الذي دعاهم إليه،فينحي نفسه ويفهمهم أنه لا يملك لهم شيئا،فهو ليس موكلا عليهم ولا حفيظا عليهم ولا حارسا لهم،إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربه،حيث يقول تعالى: {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} وبهذا الأسلوب يشعر سيدنا شعيب قومه بأن الأمر جد وخطير وثقيل،فهو يبين لقومه عاقبة إفسادهم وتركهم أمام العاقبة وحدهم،لكن قومه ردوا عليه،حيث قال تعالى : {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} وقد كان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة،وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها،كما كانوا من أسوأ الناس معاملة،فيبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما،ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص،ومع هذا كله فقد كان حوارهم مع سيدنا شعيب،حيث قال تعالى : {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} وبهذا التهكم الخفيف والسخرية المندهشة وإستهوال الأمر يسألون سيدنا شعيب كيف تجرأت صلاته وجنت وأمرته بأن يأمرهم بأن يتركوا ما كان يعبد آباؤوهم،حيث كان آباؤوهم يعبدون الأشجار والنباتات،بينما صلاة شعيب تأمرهم أن يعبدوا الله وحده،فأي جرأة هذه من شعيب ؟ أو فلنقل أي جرأة هذه من صلاة شعيب ؟

وبهذا المنطق الساخر الهازئ وجّه قوم شعيب خطابهم إلى نبيهم ثم عادوا يتساءلون بدهشة ساخرة،حيث قال تعالى: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء} فلسان حالهم يقول: تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل في إرادتنا وطريقة تصرفنا في أموالنا،فما هي علاقة الإيمان والصلاة بالمعاملات المادية ؟ وبهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب قمة في الذكاء،طرحوا أمامه قضية الإيمان وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم وإقتصادهم،وكانت هذه محاولة للتفريق بين الحياة الإقتصادية والإيمان، فقد أنكروا أن يتدخل الدين في حياتهم اليومية وسلوكهم وإقتصادهم وطريقة إنفاقهم لأموالهم بحرية،إذ إن حرية إنفاق المال أو إهلاكه أو التصرف فيه شيء لا علاقة له بالدين،فهذه حرية الإنسان الشخصية وهذا ماله الخاص،فما الذي أقحم الدين على هذا وذاك ؟ وهذا كان هو فهم قوم شعيب للإيمان الذي جاء به سيدنا شعيب،وهو لا يختلف كثيرا أو قليلا عن فهم عديد من الأقوام في زماننا الذي نعيش فيه،فما هو دخل الإيمان بسلوك الإنسان الشخصي وحياته الإقتصادية وأسلوب الإنتاج وطرق التوزيع وتصرف الناس في أموالهم.

وبعد ذلك يعود قوم سيدنا شعيب مرة أخرى إلى السخرية منه والإستهزاء بدعوته،حيث يقول تعالى : {إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أي لو كنت حليما رشيدا لما قلت ما تقول،فأدرك هنا شعيب أن قومه يسخرون منه لإستبعادهم تدخل الدين في الحياة اليومية،ولذلك تلطف معهم تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه وتجاوز سخريتهم،فلا يباليها ولا يتوقف عندها ولا يناقشها حتى يصل إلى الجد،فأفهمهم أنه على بينة من ربه وإنه نبي يعلم وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه،فهو لا ينهاهم عن شيء ليحقق لنفسه نفعا منه،كما إنه لا ينصحهم بالأمانة ليخلوا له السوق فيستفيد هو من التلاعب،وإنه لا يفعل شيئا من ذلك،إنما هو نبي مرسل وهدفه الإصلاح،حيث قال تعالى : {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} وهذا هو التلخيص المعجز لكل دعوات الأنبياء،فإنّ كل ما يريده هو الإصلاح،وهذه هي دعوات الأنبياء في مضمونها الحقيقي وعمقها البعيد،فإنهم مصلحون أساسا،مصلحون للعقول والقلوب والحياة العامة والحياة الخاصة.

وبعد أن بين سيدنا شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته وما يجب عليهم الإلتزام به،ورأى منهم الإستكبار،حاول إيقاظ مشاعرهم بتذكيرهم بمصير من قبلهم من الأمم وكيف دمرهم الله بأمر منه،فذكرهم بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط،وأراهم أن سبيل النجاة هو العودة لله تائبين مستغفرين،فالمولى غفور رحيم،لكن قوم شعيب أعرضوا عنه،حيث قال تعالى: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} فإعتبره قومه ضعيف بمقياسهم،ضعيف لأن الفقراء والمساكين هم فقط من إتبعه،أما علية القوم فإستكبروا وأصروا على طغيانهم،وهذا مقياس بشري خاطئ،فالقوة بيد الله،والله مع أنبيائه،ومع ذلك إستمر الكفرة في تهديهم،حيث يقول تعالى : {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي لولا أهلك وقومك ومن يتبعك لحفرنا لك حفرة وقتلناك ضربا بالحجارة.

ونرى هنا أنه عندما أقام شعيب عليه السلام الحجة على قومه،غيروا أسلوبهم،فتحولوا من السخرية إلى التهديد،وأظهروا حقيقة كرههم له،لكن سيدنا شعيب تلطف معهم وتجاوز عن إساءتهم إليه وسألهم سؤالا كان هدفه إيقاظ عقولهم،حيث قال تعالى : {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ}وهنا تظهر سذاجة هؤولاء،فهم يسيئون تقدير حقيقة القوى التي تتحكم في الوجود،حيث إن الله هو وحده العزيز،فكان من المفروض أن يدركوا ذلك،كما ويجب ألا يقيم أي إنسان وزن في الوجود لغير الله ولا يخشى في الوجود غير الله ولا يعمل حسابا في الوجود لقوة غير الله،فإن الله هو القاهر فوق عباده.

وهنا يبدو أن قوم سيدنا شعيب ضاقوا ذرعا به،فإجتمع رؤساء قومه ودخلوا مرحلة جديدة من التهديد،فهددوه أولا بالقتل ثم هددوه بالطرد من قريتهم،وبعدها خيروه بين التشريد والعودة إلى ديانتهم وملتهم التي تعبد فيها الأشجار والجمادات،ولكنه أفهمهم أن مسألة عودته إلى ملتهم مسألة لا يمكن حتى التفكير بها فكيف بهم يسألونه تنفيذها،فلقد نجاه الله من ملتهم،فكيف يعود إليها ؟ وإنه هو الذي يدعوهم إلى ملة التوحيد،فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر ؟ ثم أين تكافؤ الفرص ؟ حيث أنه يدعوهم برفق ولين وحب وهم يهددونه بالقوة.

وهكذا إستمر الصراع بين قوم شعيب ونبيهم،حيث حمل الدعوة ضده الرؤساء والكبراء والحكام،وبدا واضحا أن لا أمل فيهم،فلقد أعرضوا عن الله وأداروا ظهورهم لله وهجروا الله وكذبوا نبيه وإتهموه بأنه مسحور وكاذب،فنفض شعيب يديه منهم،ليعمل كل واحد منهم مايريده ولينتظروا جميعا أمر الله.

وهنا إنتقل الصراع إلى تحد من لون جديد،فراح قوم سيدنا شعيب يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفا من السماء إن كان من الصادقين،كما راحوا يسألونه عن عذاب الله،فأين هو ؟ وكيف هو ؟ ولماذا تأخر ؟ فسخروا منه،ولكن سيدنا شعيب إنتظر أمر الله حتى أوحى الله إليه أن يخرج المؤمنين ويخرج معهم من القرية،فخرج شعيب وجاء أمره تعالى،حيث قال تعالى : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ،كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} فهي صيحة واحدة،صوت جاءهم من غمامة أظلتهم،ولعلهم فرحوا بما تصوروا أنها تحمله من المطر ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب عظيم ليوم عظيم،فأدركتهم صيحة جبارة جعلت كل واحد فيهم يجثم على وجهه في مكانه الذي كان فيه في داره،حيث صعقت الصيحة كل مخلوق حي فلم يستطع أن يتحرك أو يجري أو يختبئ أو ينقذ نفسه،فجثم في مكانه مصروعا بصيحة،وهكذا نزل العذاب على قوم سيدنا شعيب،وأخيرا يجدر بالذكر أن ضريح هذا النبي موجود في منطقة حطين القريبة من طبرية (فلسطين).
   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق