]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نَحنُ.. والبَحرُ..وإسرائيل

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-11-28 ، الوقت: 12:16:02
  • تقييم المقالة:

دَرجنا باكِراً، ومنذُ نُعومةِ الأظفار وَبراءةِ الأطفالِ وَحَشد التَجمُعات الصَباحيةِ في باحاتِ المَدارِسِ على كُرهِ "إسرائيلَ" رُغمَ حالتِنا الأوليّة الخامّةِ التي لا تَتَقَبّلُ مَفاهيمَ الكَراهيّة او تحتَمل مُفرَداتِ البُغض، واعتَدنا الهِتافِ بِسُقوطِ "الصَهيونيّة" دونَ أن يَعني ذَلِك بالضرورةِ إلمامَنا بِماهيّةِ هذا "السُقوط" او شَكلِه، فَضلاً عَنْ إحاطَتِنا بِطَبيعة "الصهيونيّة" نَفسَها، تارِكينَ حَبلَ تَصوراتِنا بِهذا الشأن– حينَها – عَلى غارِبِ تَنشِئَتِنا السياسيّة، وّهذهِ الأخيرة بَلَغَتْ حَداً مِنَ السّذاجةِ والسَطحيّة ما يُثيرُ القَرَفَ والسُخرية.

 ومُنذُ صُعِقنا مَذهولينَ بِسِعَةِ العالمِ المَعرِفي خارِج أسوار بيوتاتِنا الدافِئة الحنونة، وَبَعيداً عَنْ رِبقة القَسر الثَقافي الموَجّه وِفقَ تَعبِئَةٍ جَماهيريّةٍ ركّزتْ بِشَكلٍ مبالَغٍ فيهِ على معارِكِ المَصيرِ التي لا يَنجلي إوارُ أحَدِها حَتى تَندلِع غَيرُها وِفقَ مُتواليةٍ صارَ مِنَ اليسيرِ التَكَهُنُ بِمساراتِها وَنتائِجِها، اكتَشَفنا حَجماً رَهيباً مِنَ التَحامُلِ الموجّهِ صوبَ هذه الدولَةِ التي كانَ مُجرّدُ اعتبارِها في عِدادِ "الدول" خيانَةٌ عُظمى وجَريمَةٌ لا تُغتَفَر، فَقادَتُنا الضَروراتُ المُلهَمينَ وَعساكِرُ القوميين المُتحَمّسين وتُجّارُ الحقائِب الثوريّة ومُزيفو العُملاتِ والشِعارات كانوا يُصِرّونَ – بِرَغمِ ما ألحَقَتهُ بِنا إسرائيلُ مِن نَكبَةٍ وألآف النَكَساتِ - على وَصفِها بالدويلة، أو قَدْ يَتمادونَ في الاستِخفافِ بِخَصمِهمُ فَينعَتوهُ بالكيان، وأنَّ الإسرائيليينَ مَحضُ عِصاباتٍ وَشُذّاذُ آفاقٍ وَمُرابينَ جَشِعينَ وشراذِمُ فَرّتْ بِجُلودِها مِنْ مَحارِق النازيّةِ لِتَتَجَمّعَ على أرضِنا السَليبة .

 مُنذُ قِراءاتِنا الأولى المُختَلَسَةِ إلى أدبياتِ الكِبارِ الزاخِرَةِ بالأدلَجَةِ والقولَبَةِ وَسوائِلِ الغَسولِ الدَماغي المُرَكّزة، عَرفنا مَدى الثَمالةِ التي أغرقَتنا فيها لافِتاتُ التحرير العَريضة وَكيفَ وُلِدَ وَشَبَّ وَعاشَ وَهَرِمَ ثُمَّ ماتَ جيلٌ  - بَل – أجيالٌ مِن الشَبابَ العَربي وَهوَ يَقتاتُ عَلى هذا القيء الفِكري – كالمُجتَرّات – وأنَّ كُلَّ شيءٍ لَم يَكُنْ مِنْ أجل المَعرَكة، بَلْ لَمْ يَكُنْ ثَمّةَ مَعرَكةٍ أصلاً، وإنْ نَشِبَتْ فالهَزيمَةُ قَدَرُنا لا مُحالة.

 تَهريجٌ وتقافُزٌ والاعيبُ حُواةٍ وَذرٌّ للرَمادِ في العيُون الدامِعة وَضَحِكٌ هِستيريٌّ سوداويٌّ على الذُقون الساذِجة، قَمعٌ للحُرّياتِ باسم الدواعي الأمنية وتكميمٌ للأفواه بِحُجّة المَصلَحة القوميّة وَسَرِقةٌ للبِلادِ والعِبادِ بِذريعة التَقَشُّفِ والترشيدِ وتوجيهِ الموارِدِ لِصالِحِ الجُهدِ العَسكَري الذي استمرَّ هَزيلاً مُضحِكاً مُتعثّراً بأسلِحَةٍ عَتيقة لَفظها القاموسُ الحربي وَذخائِرَ فاسِدة كَلَّفتْ صَفقاتُها المشبوهَةُ المِليارات وَفيالِق ضُبّاطٍ سُكارى مُترهلين مُتشمعي الأكبادِ يَخشون كتائِبَ التطهير السياسي أكثرَ مِن خشيَتِهم من جيش الدولة العِبريّة وَجُندٌ صِغارٌ رَعاديدُ مَذعورونَ دَحَرتهُمُ الأيامُ تُعشعِشُ خُرافاتُ القُرى النائية في عُقولِهم انتَزَعتهُم السُلطَةُ مِنْ أرحامِ مَزارِعِهم مُختَطِفَةٍ مَعاوِلَ حَرثٍ تداوَلتها أجيالٌ مِنَ الفَلاحينَ كأيّ إرثٍ ثَمين واعطَتهُم بَزّاتٍ خَشِنَةً وبَنادِقَ صَدِئة وَزَجّتْ بِهِم في أتونٍ حربٍ لَمْ تفتأ أنْ تَناسَلتْ على فِراشِ الميادينِ لِتستَحيلَ حروباً قوَّضتْ كُلَّ أحلام الحَصادِ المؤجل.

 وهُناكَ، على الجانِبِ الآخرِ مِنَ الجَبهَةِ تَقومُ إسرائيل، عَدوُّ الله والأنبياءِ وعَدوّي وَعَدوكَ وعَدوُّ آبائي واجدادي وعدوُّ أبنائي الذينَ وُلِدوا والذينَ لَمْ يولَدوا بَعدُ وَعدوُّ الأحياءِ والأمواتِ والمَرضى والأصحاء والأذكياءُ والبُلهاء ( وَلستُ أدري هَل استبقيتُ أحداً لَمْ أُناصِبُه العِداء لإسرائيل؟ ).

 هُناكَ، تَنتَصِبُ رايَةُ داودَ الزَرقاءُ وَمِنْ خَلفِها واحَةُ ديمقراطيّةٍ شابّةٍ وارِفة وَسَطَ تَجاعيد القَفر العَربي المُستَبِدْ، "مُتصهينونَ" يَتنَسمونَ عبيرَ الحُريّة المُعاصِرة على أفخَرِ معاييرِها، فالتَعدّدُيّة الحِزبيّة مُقدّسة، خِلافاً لِنُسَخِ الحِزبِ الحاكِمِ الأوحد المؤبّدِ عِندنا، والانتخاباتُ دائِبَةٌ بِلا تأجيل، مُصانة بِلا تَزييف ولا تأويل، والحُرّياتُ لَن نَحلَمَ نَحنُ اليَعارِبُ العالِقونَ في مأزق التاريخِ حَتّى بأضغاثِها، فلا اغتيالٌ ولا تَسميمٌ ولا أقبيةُ تَعذيبٍ أو دهاليزُ اختِفاءٍ قَسري، ولا مقابِرُ جماعيّةٌ للمُعارِضينَ او أحواضُ أسيد للمُنشَقين، البَرلَمانُ ناشِطٌ مُلتَهِب، يُسقِطُ وَزارَةً ويُبارِكُ أخرى، يُشرعِنُ ولا يتفرعَن، نوّابُهُ ليسوا اُجَراء – كنوابِنا الهزليينَ الصِوريينَ – عِند دولَةِ رَئيسِ الوِزراء.

 الرَخاءُ مُنعَقِدٌ بأيدي الخُبراءِ الأكفّاءِ مِنَ "المُتصهينينَ" اللامِعينَ، وللهِ دَرُّ "تكنوقراطنا"، الرَفاهيّةُ مُتاحَةٌ عَلى قَدَرِ المبذولِ، تَماماً كَما تُتاحُ مُثلثاتُ الفقر والجَهل والمَرَضِ في بِلادنا على أوسَعِ مقدارٍ مَجاني، توازُناتُ الحَقّ والواجِبِ دَقيقَةٌ واضِحة، الفَسادُ مُدانٌ مُطارَدٌ مَطلوبٌ للعَدالةِ والتحقيق وإنْ تَورّطَ فيهِ عَليّةُ القوم، كَما تُطارَدُ النَزاهَةُ والأيدي البيضاءُ في جُمهورياتِنا المؤمِنَةِ على أيدي جلاوِزةِ  المافيات الحُكوميّة.

 كيانُ بَني صَهيونَ "دويلَةٌ" جاذِبةٌ للمُهاجِرينَ "المُتصهينينَ" الحالِمينَ بِبحبوحَةِ عيشٍ يَسترجِعونَ في ظِلّها الظَليل كَرامَةً مَهدورَةً أو حُلُماً مُضاعاً، فيما تَحوَلتْ أوطانُنا إلى "كياناتٍ" طارِدَةٍ لأبنائها المُكتَظينَ عَلى أرصِفةِ اللُجوءِ الإنساني والسياسي وَعِندَ بِلاط السِفارات الغربيّةِ البارِد، يُلوِحونَ بِجوازاتِ سَفَرٍ مُهتَرِئة يَستعطِفونَ قَراصِنةِ التهريب البَشري الى أوروبا اللبنِ والعَسلِ والأعينِ الخضراءِ والزرقاءِ دونما اكتِراثٍ بالأهوالِ والمخاطِرِ طالما أنّ المَركِبَ جاهِز والتعريفَةَ واضِحة والوِجهَةُ رؤومة والعودَةَ اُكذوبة وَفِرقَةُ الموتِ تَنتَظِرُنا عندَ بواباتِ الوطن القَديم، وهكذا، وَبَدلَ أنْ نُلقي بإسرائيل في البحر الأبيض المُتوسِط، طَفت جُثَثُ أولادِنا قُبالَةَ شواطئ القارَة الشائِخة، بعدَ أنْ بَصَقتهُم مَمالِكُ الحُزنِ والإرهابِ المُسمّاة بِلاداً عَربيّة.

علينا الخَجَلُ قبل ذِكرِ فظائِعِ "شتيرن" و"الهاجاناه" ومجازِرِ " دير ياسين" و"قانا" طالما أننا نَحتَكِرُ النُسخَة الأصليّة مِنْ هذا النَمط البربَري الدنيء، بَل إننا مدعوون للتأمُلِ في ملائِكيّة "مائير" و"شامير" و"شارون" بِمُجردِ مقارَنَتِهم بشيطَنة "بَشّار" و"غوّار" و" صُرصار" وكائِناتُ الجَحيم السائِبة الهارِبةُ مِنْ جَهنم.

وَخِتاماً يَختَلِجُ التساؤلُ المُرْ: مَنْ الأحَقُّ بِرميِ غَريمِهِ في البَحر؟ نَحن، أمْ بَنو "صَهيونَ"؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق