]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

السيدة صاحبة النفس اللاهث

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2011-11-28 ، الوقت: 09:58:20
  • تقييم المقالة:

 

السيدة صاحبة النفس اللاهث قصة قصيرة   ( 1 )  " ولما رمى الولد - مفقوء العينين – بأذنيه على قارعة الطريق لم يسمع سوى صفير                                                 الصمت تكسره صرخته المكتومة بأنين                                             الرعب الخارج من صدره المنتفض " --------------------------------------------

.....  طيبون هم هؤلاء الرجال الذين يجرون ثقل خطواتهم وهم يتمتمون بأذكار الفجر قبيل الصلاة ، فهم يختارون صندوق النفايات المنسي عند نهاية الممر الترابي المظلم للتخلص من نفايات بيوتهم ... هكذا كان يردد – الولد مفقوء العينين – لنفسه دائما حين يفرغ الممر من أصوات خطواتهم المضغوطة في التراب ؛ فيفرك يديه ويصفق صفقة فرح برزقه الطازج الذي يوفرونه له دون عناء الغوص في متاهات أزقة وحواري قريتهم .

على الرغم من أن – الولد صاحب العين المفقوءة – تأخر الليلة عن موعده المعتاد إلا أنه كان يثق في أنهم مروا وأنهم تركوا نفاياتهم كما كل ليلة ، كما يثق تماما في قدرة أصابعه على تشمم رائحة كسرات الخبز الممكنة أو نتف اللحم المتاحة وسط أكوام النفايات النافقة بها الأكياس أو تلك التي مازالت داخلها ، حين تتثعبن يده ؛ فتلقي يمينا ويسارا بما يسد طريقها إلى رائحة الهدف ، تتفادى زجاجا مهشما ، أو سكاكين أخشاب مشرعة أطرافها أو نصل حديد صدأ ، وتتجنب مخالب قط أو أنياب كلب لم يخف منها ؛ فلم يقفز هربا ، كأنه يعرف أنهما في هم الجوع سواء ، فقط يتأهب خشية طمع اليد فيما اكتسب ...

يثق الولد – صاحب العين المفقوءة – إذن في تعرف يده على رائحة ما يصلح ليلقمه الفم الذي تغاضى ، فاعتاد ، فنسي لغة التعرف على الطعوم ؛ فاكتفى على نفسه بصنعة المضغ أو المناولة حين يتحسس لهفة المعدة الخاوية لتمنع عن جدارها سياط

 

هدير ماء جوعها الكاوي الذي – على قسوته الليلة – لم ينسه أن تأخره عن موعده سيكلفه صبر التأكد من خلو ساحة الصندوق له ؛ لذا فقد أصاغ السمع وخطى بعكازي الأذن حتى بداية الممر من ناحية القرية فلم يجد أثرا لبشر ، وعلى الرغم من ثقته من فراغ جهة المسجد – حيث عاد المصلون – إلا أنه مسحها بأذنيه أيضا فلم يسمع سوى قبلات الندى على جبين تراب الممر ، فاطمأن .....

تشمم الولد إذن موضع الصندوق حتى تحسس برودة الحافة ، ثم أسقط نصفه الأعلى في فراغ الصندوق ... سكون عجيب سيطر على الصندوق - هذه المرة – إذ لم يسمع أثرا لأي حركة داخله ؛ فلم يضرب بيده يمينا ويسارا من أعلى لأسفل كالعادة ؛ ولما التقط أنفه رائحة لحم مختلف تسمر نصفه الأعلى المعلق على حافة الصندوق وسكنت أصابعه المستكشفة عن الحركة .... رجفة تسللت إلى يده التي لم يقابلها سد ولا مانع على غير العادة في طريقها للقاع .... حدة في رائحة اللحم زادت فأكدت أنه لحما ليس بفاسد ، وليس بحي ؛ وأجبرت المعدة على التقلص خوفا لحظة أن ضغط بطنه أكثر في حافة الصندوق ليزيد ذراعه طولا .... لزوجة غريبة على يده الدربة لامست أصابعه رفعت يده مرعوبة فارتطمت بعنق زجاجة مشقوق الجانب سكن باطن الكف ... جرح عميق أعاد يده مسكونة بعنق الزجاجة إلى قاع الصندوق ؛ فلامست كتلة لحم ميت سابحة في دم طازج ... فضول مصحوب بعناد غبي أصاب الولد – مفقوء العينين – وسحب يده من فم الزجاجة المشقوق وأعادها تتحسس كتلة اللحم مرة ثانية ... فزع سحب ثقل اليد من فوق كتلة اللحم وأعاد اعتدال الجسد المنتفض ... حذر بدهي رمى بأذني الولد على قارعة الطريق فلم يسمع سوى أنين مكتوم يخرج من صدره المتخبط بجسد الصندوق البارد .... دوار في الرأس أسقط الولد – مفقوء العينين – هامدا بجوار صندوق النفايات .

     

 

    ( 2 )                                                   " لم يتمن صندوق النفايات أمنية قدر ما تمنى لو أن له                              يدين يرفع بهما حمل السيدة – صاحبة النفس اللاهث –                                   أو قدمين يضرب بهما جسد الولد – مفقوء العينين –                                   الممدد عاجزا عن الحركة مازال " ------------------------------------------------------------------

ظل صندوق النفايات – المتروك وحيدا مهملا عند الطرف الشرقي للممر الترابي المظلم دائما بين سور منخفض لمدرسة مهجورة وسور عال لموقف سيارات مدينة الملاهي الموازية لعمق القرية شمالا حتى الطريق الدولي السريع – ظل هذا الصندوق مدركا تماما أنه ليس إلا صندوق للنفايات صنعه بنو البشر على تلك الهيئة ليتخلصوا فيه من نفاياتهم إن هم مروا عليه ثقالا بها ؛ وليحتموا بالمناديل  المعطرة من رائحته إن هم مروا خفافا منها ، كما ظل يدرك أنهم لا يتذمرون إن هو حجب عنهم إلا ليخبئوا عيونهم عنه إن هم نظروه ، ولا يعتبره البعض ملجأ وملاذا إلا بحثا عن كسرة خبز أو بعض منافع لهم مثلهم في ذلك مثل الولد الساذج – مفقوء العينين – الممدد بجواره هامدا لا نفع فيه .

-        هم بشر وأنت صندوق نفايات ليس إلا !!

     هكذا كان يردد لنفسه دائما قبل أن تأتي السيدة – صاحبة النفس اللاهث – لتختلف عن بني البشر ( فيما ذهب ظنه ) حين ترددت عليه منذ سبعة أشهر ، فقد كانت ( على ما يذكر ) تأتي إليه كل ليلة تقريبا ؛ تقف بجواره ، تتحسس جسده البارد ، تلف بخطوات بطيئة حوله ، تستند عليه ، لا تغمض عينيها إذ تلقي بوجهها في باطنه بل تنظر بثبات عميق تتأمله كأنها تنظر إلى نفسها في مرآة حينا ، وتغيب شاخصة كأنها لا ترى سيئا حينا آخر ؛ لا تكتم نفسا كبني البشر وإنما تتنفس بعمق ؛ تأخذ شهيقا طويلا وتخرجه زفيرا بطيئا ، كأنها تشم عطر أنوثتها ، تتنهد بهدوء حالم يثير دهشة الصندوق وحيرته حينا وحينا تتنهد تنهدا مكتوما مغتاظا يثير تعاطفه معها وحزنه وجزعه عليها بعض

 

الليالي وقلقه منها ليال آخر ، خاصة أنها لم تلق به شيئا في أي ليلة من ليال الأشهر السبع ؛ ولم يكن لها ملاذا ولا ملجأ بحثا عن كسرة خبز أو قطعة لحم أبدا .

  فقط كانت تأتي :

                    تدور حوله دورة واحدة ثم تمسك بحافته الباردة ، تنظره فتضطرب أنفاسها وتلهث ؛ تدق أصابعها لحنا متوترا حزينا على حافته فيعلو صدرها العجاف المعانق للحافة ويهبط كأنها تتخفف من حمل ثقيل بإرضاع الحافة همها ؛ لكن السيدة   – صاحبة النظرة العميقة لباطن الصندوق – لم تتخفف من ثقل حملها طوال الأشهر السبع الأخيرة ( فيما بدا للصندوق الحائر ) إذ ظل يستقبلها وكما كل ليلة يود لو أن له عينين يتابع بهما خطواتها القادمة إليه ليعرف ماذا تفعل لتثير فزع القطط وتخبط أرجل الكلاب  فرارا كأن جبلا يكاد أن يسقط فوقها ، ويود لو أن له أذنين يميز بهما ألحان توترها التي باتت تميز خطواتها إليه والتي تزداد حدة ليلة بعد ليلة كأنها كلما أرضعت حافته همها علقت منه بأوجاع جديدة تزيد صدرها اشتعالا وأصابعها توترا وتضيف لنظرتها الثابتة إلى عمقه ماء كاويا يكتوي به قاعه فيتآكل صدأ ويتأكد حدسا من قرب وقوع حدث جلل .....

    ثقل في الهواء المصاحب لخطوات السيدة في الليلة الأخيرة استطاع أن يؤكد حدس صندوق النفايات – المترقب لوقوع فجيعة – إذ اقتربت بخطواتها ثابتة هادئة فلم تثر قطة أو كلبا هذه المرة ؛ تحمل ( للمرة الأولى منذ سبعة أشهر ) لفة صغيرة بيد وتضمها إلى صدرها بيدها الأخرى ، لذا فلم تلمس جسد الصندوق الصديق ، ولم تعزف لحن توترها عليه ، صدرها هادئ لا اضطراب في أنفاسه فلم تلقمه حافة الصندوق ، عينها باردة النظرة فلم تخترق حجب النفايات إلى القاع المتآكل ؛ بحذر قطة نظرت إلى عمق الصندوق ، ضمت حملها الصغير بيسارها إلى صدرها ، وبتؤدة نملة فتشت متاهة النفايات بيمينها ، أوقفت زجاجات فارغة منتصبة فوق القاع وأخرجت خرقة مبتلة أو قطعة لحم ودستها في اللفة المضمومة إلى صدرها ؛ وببطء حية رفعت يديها بحملها الصغير لأعلى ( لأقصى علو ممكن ) ثم بقوة نمرة قذفت به إلى باطن الصندوق فاغر الفاه ؛ وببرود دبة شبعت سحبت خطواتها بطيئة ثقيلة تاركة الصندوق جائعا إلى صدرها للمرة الأولى منذ سبعة أشهر ؛ لاعنا فمه الفاغر ببلاهة دائما ، ويديه المثبتتين في جنبيه لا يدفع بهما ضرا ، ومخالبه الأربعة التي ترسخه في الأرض ليظل ملتقى لقاذورات البشر ليس إلا .....

أحمد الخالد  

 

         

 

       

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • لطيفة خالد | 2011-11-29
    طيبون من ينقلون الواقع بصور رائعة ويحبكون القصة بطريقة مميزة طيبون هم هؤلاء الرجال الذين يتقنون صياغة الكلمات والعبر.
  • طيف امرأه | 2011-11-28
    منذ بداية الحكاية وانا متابعة لها
    الحبكة , الاسلوب , وطريقة التصوير , والتشويق
    وكلما توغلت وجدتتي عاجزة عن التوقوف أريد معرفة ما وراء تلك العين
    قصة محبوكة بدقة ,, ومعانيها غير اعتياديه
    فيها ما وراء الخبر , وحديث غير مختصر
    شكرا لك اخي احمد سأنابه مزيد حكاياك فهي ملفتة للنظر
    جزيل امتناني لروعة فكركم
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق