]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاصفاد

بواسطة: أوس اللقيس  |  بتاريخ: 2014-07-07 ، الوقت: 22:18:52
  • تقييم المقالة:
سور مرتفع من الفولاذ يحيط بالأرجل المتعبة الطويلة الأظافر. وجدار من الوهم يحجب عنها الضوء والحركة. أصفاد من حديد تمسك بها، تخنقها، تحزها بخيوط من الدم والألم. تحدها من كل الزوايا،وتمنع عنها انسيابة المشي. أرض بنتوءات قاسية تنغرز أسفل الأرجل، تشققها وتطليها بالأحمر القاني. وفي كعب القدم، حيث الجلد الميت كان درعاً لحرارة الأرض والعري، تشقق كل شيئ وتفسخ. الأرجل المتعبة من مشاوير الحياة والمشي الرتيب كان التعب قد أنهكها بما فيه الكفاية من قبل. حين تشرق الشمس تحترق الأرجل وتتبخر. وحين يأتي الليل كفارس يبطش بكل شيء، يبهت الجلد لونه ويصفر ويصرخ رعباً. الدم بدوره يريد أن يخرج،أن يتنفس، وكل الجراح الموبوءة بدمها الفاسد لا تكفي لحريته . الأرجل المتعبة من الوقوف. الأرجل الحالمة بالغابة والوحول والبرك الآسنة تكاد أن تموت وحدة، تكاد تنسى لون الربيع في الخارج وملمس الرخام في غرف الفنادق الفخمة. في الخارج، هناك، حيث الأعياد تأخذ الأطفال نحو الفرح بشكل مؤقت، يبدو الطريق إليها مستحيل. والرمال السوداء بين الأصابع، ترجو الهواء أن يصير رياحاً عاتية علها تطير بدورها إلى حاوية مهملة في طرف مدينة من ذباب وغبار. الألم يزداد في أسفل الساقين، الأصفاد تصغر أو الأقدام تورمت كثيراً، لا فرق. القيد هنا لا ينكسر، بل هو كأنياب الكلب يزداد استعاراً وشراسة مع كل محاولة مضادة للثورة، القيد يزداد بطشاً ولؤماً وسحقاً للجلود وتمزيقاً للعروق الزرقاء. الإسمنت يزداد خشونة، ومع كل انبلاج لطبقة جديدة من الجلد الميت، الإسمنت الرمادي يشهر أسلحة أشد بأساً وفتكاً وقسوة. تغلفة الأقدم بالجلد ما عد ينفع، والأصابع بأظافرها الأطول كل يوم تحول الأرجل الوديعة إلى ساحرة شريرة تخيف الأطفال والنساء الحوامل. وحين تنام الأرجل هذه منتصبة كالشجر، تحلم بحطاب يشجها نصفين لتموت. أو بفأس كبيرة تقطع الأصفاد. أو بزلزال يمزق الإسمنت الناتىء من الأرض. حين تنام الأرجل المتعبة وتنتشي بحلم يحملها نحو واد من ورود وحوريات بحر، تعود الشمس لتوقظ الألم من جديد. كل خطوة جديدة تولد جراحات جديدة. لا بد أن المسيح خطا خطى كهذه، لا شك أن الأرجل هذه مصلوبة بدورها. لا شك أن مشاويرها الهانئة من قبل قد أزعجت الطبيعة بشيء، وهي تعاقب اليوم. الأصفاد تحكم قبضتها أكثر. الأرض من تحتها تصير أكثر فتكاً ودموية، الأرجل تنزف دماً وعظاماً وأملاً، لكن الوقوف هكذا مميت. مميت لدرجة الموت. مميت للموت. مميت للشمس. لكن السير نحو أرض الطفولة أو الجنة ليس مميتا بالضرورة هو الآخر.  

www.facebook.com/aousezz


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق