]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دفـــــــاعا عن شهريار

بواسطة: Elayachy  |  بتاريخ: 2011-11-27 ، الوقت: 21:27:51
  • تقييم المقالة:

مسافر .. دونما حراك ..
يا شمس .. من أين لي خطاك ..
                            أدونيس 





  

 

    وكان أن جـــاء زمن مقفر .. نفقت فيه .. و اصفــرت فيه الأعين .. و اشتهيت الحجر ..
وكـــان أن جـــاء زمن قحط .. ابتلعت فيه الرمــــــال سحنة وجهي و آثــار مداد في قلمي .. سمعت نداءا .. فحملت جلــــدي على كتفي ، و سريت محمــــولا على عطشــي، أبحث عن شيء ، عن أحد أســر له محنتــــي و أستأمنه .. شظــــايا أمل ظــل يسكن أفقــــي.

   واذ أشرقت ذات صبـــاح تمــــوزي دافــئ .. وجدتني علـــى رصيــف أرض سقطت سهـــــوا لحظة صفــــو كهنــــوتي ، وسط هذا المحـيط الجبـــار.. هادئــة دونـــما حراك .. أسميتـــها “تمــوز”.
   وصلتـــها بعـــد أن ولت عنـــها رطــوبة الأمـــاسي الخريفيــــة الحقــــود .. جبت تلالــــــها.. متمـــاسكا..فأدركت حجم الانفصام الذي تعــانيه “تمــوز” ، كان المكان هلاميـــا ، ضجرا رغم جماله .. عبقـــا ببقايــا الضحــــالة و الأسى .. الوحدة كانت تجوب دون تعب أشجـــارها و جبالـها .. و تسكن كهـــوف أعاليها ، دون أن تملــك محو آثار شبابهــا و بقايا جمال مـدبر لاح أثره في تجاعيد وجههــا..

   مشيـــت حتى كلـــت قدماي .. و لاح في الأفـــق بيت انتصب كالســـراب .. وحيدا شريدا .. وسـط كل هذا الشتــات .. يممت نحوه غير مصـــدق أنه كــل ما ألــقي على “تمـوز” العجوز..

    كـــان مقهى بحجــم المكان … في العمـــق لاحت طاولـــة وحيدة و زبـــون وحـــيد يشبهني أنـا.. القادم من تلافيـــف الزمـــن الصعب، أسرعــت الخطـــى لألـــقي همـــي علـــى الكرســي الوحيد و الطاولة الوحيـــدة .. و أطلقت تنهيدة راحـــة طويلة،طويـــلة .. بحجم كل تلك المســــافات .. ثـــم التفت الـــى رفيقـــي.. لأول وهلة لــم أعرفهــــا.. بكل ذلك الضجر المطل من العينين، كمـن ينتـظر ما لا يُنْـــَتظَر .. كل ذلك الصمت المُـــصِـمِّ الذي يسكن الوجــه و الخدين المحترقين ..

تــأملت، جبت الشــعر و الوجه و الجبيـــن ..

*-* إِسْتَرِحْ أولا..
واصل الصمت و استرخ ..

   كــــان الصوت يخدرنـــــــي، ينيمـني،أغمضت عيني .. لــم أدر كــم مضى من الزمن، لكن أظن أني فتحتهما بعد لحظـــات لأدرك أن الشمس لا تـــزال في كبــد السمـــاء .. مذ وصـــلت و هـــي معلقـــة كاللعنـــة في كبد السماء.

   الآن أحـــس بشدة أني أعرف جليستـــي .. حدقــت اليهـــا مستحضــرا “تمــوز” .. و كـل هذا المكـــان ..
كيـــف لكــل هذا الجمـــال أن يسكـــن وحيـــدا “تمـوز” العجـوز ؟
مـا أدري كيف خرجــت، فجــأة، الكلمـات الثلاث كالقذيفة من فمـــي :

-*- أنـتِ .. هنــا، شهرزاد ؟!

*-* نعم .. أجابت .. هنا، شهريــــار !

                                                                
*..........*
                                                            مَـحْـذُوف للاختصار.
                                                                 *..........*

*-* ما زلـت أسيرا .. اذن
أمــا عني فقد نسيت كل تلك الأسماء..
حــررت نفسي من القبيلة
غــيرت عنــواني ، هـاتفي و تاريخ ميلادي
مارست طفولتـــي ، و ذبت فـي الزحام ..
ما ظننتك في الحقيقة
– بعد تركـك – تعــرفني ..


-*- كيف أخـطئك ..
تغيـرين الاسم و العنوان
تغيرين حتـى أحمـر الشفاه،
كـحل العيــون أو ظلال الجـفـون..
تغيـرين حتى طــريقة البــكاء
أو طريقة الجنــون ،
ســأتذكرك ، للأسف،
فـلا تبـالي ..


*-* وصلنـــا نقطة الصفر اذن
اليوم .. أحب أن نـكسر هذا الطوق ..
نتواطـأ من جديد
لممـارسة فعل التخــدير الجمــاعي بالحكــاية
و الغنــاء بصوت مبحوح ..
و الذبح حتـــى النهــاية..


-*- ظننتك استنــزفت كل قصصـــك
و أنت تحــاولين تقزيـــم المسافات
الطويـلة بيني و بينك


*-* و ان يكن ما أسهـل اختلاقــها
فالزمن العربي ملــيء بالحكـايا
عنترة و الزير، داحس و الغبراء،
حـزيران ، ذي قـار و نصر سينــاء
سيصدقـونها ..
هم يبتلعـــون كالأسبرين
كل الكذب و كل الحكــايا.


-*- لمن تحكـين على هاته الأرض المــومس العـجـوز..
أصمتــي قليلا .. و ابقي بعيــدا
دعينـي أمتطي سيجارتـــي
أفكــر بأصابعي ،
و لو ان الدخـان كحـداثتك
لا طعــم له و لا لــون..
منــذ متى تدخنيـــن ؟
عمـــاذا تبحثــين ؟
قتــــل خلايـا الرجعـية ..
أم ادعــاء الحداثــــــة ؟


*-* حكيــما .. أصبحت شهريا،
اصــلاحيا ..
قد كانت بربـريتك تُسَلًـيـنيِ أكثر ..
و انتظاري الطويـــل كان سرابـــا مرهقــا،
أَعِـــدُكَ الحـضارة و الخلـــود،
و النجــوم و الكوثــر،
و البقــاء في الذاكــرة زمنــا أطـول ..
عَسَــاكَ يومــا تعــود ..


-*- ما بحثـت عنـك ..
فـآلاف الليالي التي حَـكَـتْـكِ ..
مــزقتني و تـركت ..
رَتْــــقاً عتيقا في جنبــي الأيـسر..
سيدتـــي .. ما كل الطرق تؤدي اليك ..
و الحضارة ماانطلقــت منك،
كي تنتهي اليك .
أنـا.. ما سافرت مقتصـــا آثار قدميك التعســـات ..
ما سـألت عن المحطــات التي عبرتـها ..
و حكــاياك ِاجْتَـثَـثْـُتهَا ، أحرقتـها،
وَهَــبْتُهاَ الـريحَ قُـرْبَانَ الخـلاص .


*-* يبدو أنك آت من زمــن صعب ،
بينــي و بينك أبحـر سبعـــة،
و أزمنـــة سبعة ..
و هلــوساتك..
و هاته اللعنة التي سكنت ..
منذ دهر كبـد السمــاء..


  كــان قد مضى زمن على جلستنـــا في ذلك الركــن ..لا يبـدو أن الزمـان مقبــل علــى الانتــهاء .. و الشمس لا زالت تستقــر في كبـــد السمـاء ، كـــان الجــو مسكــونـا بالسريالية و غيــر قلــيل من الجفــاء .. لا حـــــراك … لكن ..
أُحِسُّنــِــــي ما زلت مسـافرا في مكـاني ، كأن الأرض تحتــي تميــد بـي ..

  فنــاجين القــهوة لا طــعم لهــا .. منفضتـي تَكَـحََّلَتْ بالرمـاد .. و كـل تلـك النقـاشات البيزنطــية لـم أع لهـا بعد من نهــاية أو معنـــى ..

  كنـــا كمن يهلـــوس علــى صفيـــح ســـاخن .. يـردد آخـر الأمنيـــات .. لــم تكن تلــك وجهـــتي و لا آخـــر المحطـــات ، “تمـوز” المسكــينة على شفــا بركـــان.. و البقــاء فيــها كان نـوعــا من القصــاص و الانتحــار.

  ما زال الـــزمن ضحـــلا ، و شهـرزاد .. ما تلـك بشهرزاد .. و ان كـانت تَعـِدُنِي التمـــدن و الحـضـارة و الحـداثة .. لـــم تــكن من قبـــل تضع كــل تلـــك الأصبـــاغ ، فـي زمن لـم نكــن نعـــرف فيـــه السجـــائر و الجــينز..
عن أي حضــارة تتحــدث و أي حـــكاية ..!
ألــم يكن التفكــــير العشـــائري أرحــم !؟..
أليست رائحـــة التـــراب و سيــف مســـرور أشرف ممـــا تعدنـــي .. و من فضـائها الُمَؤثـَّثِ بالانحنــــاءات و النبيــــذ و العـــفن ..

  صـــعــب ، صعـب فعـل الاستئصـــال ..لكـــن يـجب أن أتحــرك و أقتلعنـــي من قلــب هذا الكرسي الملعــــون .. و هِـــيَ أظنهــا تحلــم بشهــريــار ينســى نفســه كي يـؤسسها.. و أنا لا وقــت لدي في زمن ربطتـــني فيه الذاكـــرة الجمـــاعية بالجـواري و دمــاء النٍٍســـاء..
و أنــــا الذي قـايضت أيـــامي بالحــب ، و انســـانيتي بالسيـــف و سخيـــف الحكـــايا .. مــا كانـت تلــك ساديـــة مني .. بــل .. ماســوشية ..ذبحــت نفسي ألــف مرة و مــرة و مـــا ذبحــت النســـاء ..
  كــــــــــــان نوعـا من التطهيـــر ، أراه الآن متطــرفا بعض الشـــيء في زمن حقـــوق الانســـان .


سيدتـــــــــــــــي ،
الآن أرحـل من جديــــد ..
بعيدا عـن الجـدب و القحـط ،
هــاتي السجـائر ..سأختفـي،
لست أجـد هـاهنا مـا أريـد،
مارســـــي فصاحتك وحــدك..
فشهريـار صديقتــــــــي ..
كـكـل البكاء..ككل الحكايا..
أيضــــا لــه نهـايــــــة.

  و مــن جديــد.. حمـلت أشلائــي على كتفـــي .. القيت نظرة أخيــرة على الأفــق الحـزين ورائـي .. و مشيت محمـــولا علـــى قلقـــي، أحــدث “تمـوز” عنــي .. و عن عودتي بعد ألف عـــام و عـام من الغــياب ، و عــن شهـرزاد و ما وعـدتـني ..

  تـراهــا ستنتـظــر يــومــا آخـر .. و شهـريـار آخــر .. في زمــن آخر.. عللـى كـل لا أبالـي ، كان ذلـك وهمــا و الحــب كــان سخـــفا .. و زمــن الجدب مـازال ورائـــي، ثـم إن المســــفات بـدأت تتقـــزم تحـــت قدمــــي ..

  وداعــــا شهـــرزاد .. وداعــــا تمـــوز .. مـــازلت أحتفــظ ببقـــايا أمــل في أحـد جيــوب ستـرتــي.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------

– عندمــــا لا تعرف المينـــاء الذي تتـــجه إلــيه سفيــنة حـيـاتـك ، فكـل الريـح سـواء.


http://schyzophrene.wordpress.com/


... المقالة التالية »
  • Laayoune Gdim Izik | 2011-12-02
    أنـــــــــــــــــــــــــــــــــت عاشق حتى الثمالة و شهرزاد كشهرزادي مجرد حلم
  • Larabas Nour | 2011-12-01
    شهريار بريء اذن ...
  • طيف امرأه | 2011-11-28
    تلك الحقول بدت يابسة بظلال تموز.
    القوا بها عودا واحدا لتتحول رمادا.
    كلما توغلنا داغل أدغال الرماد.
    تتحكم بنا سرمديات عجاف.
    لا لون لها ولا أثير.
    ويبدو من وراءها أراء كثيره.
    مباديء كالرايات خفاقة.
    ما ان تصل الوغى ,,,تتساقط كما عود كبريت أشعل.
    ألس ذاك شهريار الحالي؟!
    وشهرزاد متغيرة بكل ما فيها من تقاليد عجفاء؟!
    ليتنا ندرك ما نقصد من معاني.
    حينها لوضحت بنا أثر الحياة.
    ::::::::::::::::::::
    هي كلمات احببت ان اشارككم بها ,, ولن تكون كمثل حرفكم الشامخ.
    قرأتها ,, وبحق كنت مبهوره.
    أكملتها وانا لا ادري ما ارد من حرف , لقد جرفت كل الاحرف قبالة حرفك ,,ففزت أنت.
    حرف جميل وقصة بدا لي فيها معان خاصة , ضاعت مع كل جديد غير مرغوب به.
    والحق يقال ,, أثرت الفكر بألف سؤال وسؤال.
    دمتم اخي Med Ould Babba وبارك الله بكم.
    قلما للخير يسكب حروفا حسامية النصل قريبة للهدف.
    سلمتم بكل خير.
    طيف بتقدير
  • Ahmed Rguibi | 2011-11-27
    bon courage ..a3jabani annass .. likoulin shahrazadouh ..
  • Elayachy | 2011-11-27
    شـــــــــــــــــــكرا لقراءتي و مشاركتي آراءكــم.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق