]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

السيد صاحب الجسد الهائل

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2011-11-27 ، الوقت: 20:12:55
  • تقييم المقالة:

 

السيد صاحب الجسد الهائل قصة قصيرة  ( 1 ) شق صغير في جدار المطبخ الضيق يكاد لا يبين للعين الصحيحة – فما بالك بعين في جسد هائل العظام منحول اللحم هده التعب ، وأوصدت السنون أبوابها على آلامه تزيده ساعة بعد ساعة صراخا أصما – من ذلك الشق تسللت – بكل الحذر الممكن – نملة بنية هشة ؛ مازال الجسد الهرم بطئ الخطوة المتخبط في جدار المطبخ  يمثل لها جبلا متحركا لا نهاية لامتداده رغم التقوس الواضح في ظهره وساقيه المرتعشتين في بنطاله المنزلي المتهدل .... تسللت النملة تستكشف عالما مسكونا بفتات طعام مبعثر ، وكنوزا هائلة من أكواب سكر وأكياس صدئت بها القمامة ، تسبح كلها في  عالم من السكون كمقبرة قذرة . عالم فسيح لم تمهله النملة لحظات أخرى حتى فرت عائدة ، يكاد يحسبهاالمتابعقد اختارت لصاحب الجسد ميتة هادئة بعيدا عن صخب جيوشها الجرارة المنتظرة لها خلف جدار المطبخ ، لكن نملتنا لم تكن بكل هذه (الرومانسية) كما توقعنا ؛ إذ لم تمر سوى بضع دقائق حتى استطاعت تلك الجدر أن تشهد مولدا لعهد جديد من التشكيلات المتحركة لجيوش النمل الجرارة التي لا يشك المتابع لها في أن دولة لهم قد انهارت فاختارت المطبخ مقرا لإقامة دولة جديدة . اتسع الشق إذا وتعددت الأخاديد في الجدر في بضع ساعات حتى أصبحت وكأنها ترتدي ثوبا مثقوبا بني متحركا فقد اتخذت دولة النمل الحديثة من خشب المطبخ المتهالك مقرا جديدا للحكم ؛ في حين واصلت جماعات الاستكشاف  عملها صمتا وحذرا لليلة واحدة  استطاعت فيها أن تتأكد من أن هذا الهدوء وتلك السكينة مرجعها أن السيد صاحب الجسد الهائل – كما اتفقت جماعات النمل على تسميته – يحيا بمفرده في تلك المملكة شاسعة الاتساع ..... أما الأصوات المتنوعة التي يسمعونها فيخالون أنفسهم قد وقعوا في جب ممتلئ بالجبال المتحركة فهي صادرة عن جهاز التلفاز الذي لا يغلق أبدا ، وأن تلك المزية ليست الوحيدة وإنما الأكثر أهمية أن الشقة خالية تماما من أسلحة الدمار الشامل إذ أكدت أجهزة استشعارهم أنه لا وجود البتة لأي أثر لمبيد حشري كان قد دخلها من قبل ، أما ما ترك لديهم انطباعا هائلا من سرور ظل حلما طوال زمن الشتات هو جلوس السيد صاحب الجسد المنتفض لساعات طوال فوق الكرسي الفاصل بين صالته الفسيحة والمطبخ – مقر الحكم   ( 2 ) باطن قدم السيد صاحب الجسد الهائل عريضة العظام ، طويلة الأصابع ، الناحلة التي تكاد تلتصق بظاهرها .... ساكنة الآن فوق البلاطات كجذر معروق لنبات مائي هش وعلى الرغم من ذلك تبدو كأنها كانت – من زمن طال – دبابة مرسومة كقالب رائع وتناسق عجيب مكتظة بلحم طري ، خالية من ندوب الحادثات ، اللهم إلا بضع تجعيدات كانت تزيدها جمالا وتضفي بعنفوانها على صاحبها سيماء الرجولة ...... كانت . هي الآن تقعى كقنفذ هده الترحال , ومل الحديث المتكرر للبلاطات – منذ أن اختار السيد صاحب الجسد الهائل تلك الزاوية لجلسته التي تطول لساعات . ركنت إذا باطن قدم السيد إلى الصمت عن حديث الصولات والجولات ساعة بساعة معه وبه في مشوار حياتها المليئة بالأحداث فقد جرحت جرحا صغيرا لم يمهله مرض السكر - الذي يأكل في جسد السيد هائل العظام من زمن  -  أن يندمل . قبعت صامتة إذا فحير صمتها البلاطات أياما عدة انتظرنها علها تخرج عن صمتها الذي طال حتى اعتدن عليه فظللن في ترقب متألمات يخفين عنها قطرات جرحها الصغير النازف ببطء كبندول ساعة ينحت في عظامها الساعات ، ينظرن غطاءها الشاحب يملآ فراغات النحول بين بروز عظامها ، فيذكرن حديثها كم كانت طيعة لسيدها صاحب الجسد الهائل ، تفخر بأنها كانت كثور في عنفوان شبابه وقوته .... تنزلق معه من سلم إلى سلم إلى ممر إلى صالة عريضة إلى سلم إلى شارع صاعدة هابطة تحمله بما خف معه وما ثقل ، لتعود مجهدة تزور هذه الشقة لتعود سريعا محملة معه بأكياس العشاء والفاكهة أو حاملة لجسده المهدود مهرولا بالعلب الصغيرة التي يشتريها من الصيدلية ، من شارع إلى شارع إلى سلم ، تحمله إلى طبيب يجلس خلف مكتبه بابتسامة لا تليق بإجهاد السيد صاحب الجسد الهائل بملامحه المهمومة القلقة ؛ يفحص طفله المبسوط بين يديه كخرقة بالية ؛ عائدة به ومعه مزيدا من  علب الأدوية القميئة ؛ من شارع إلى سلم إلى سرير مهدودا كثور خائر في ساقية لا تهمد . هي الآن في صمتها المتأمل تود لو ترقص بخيلاء لولا قطرات الدم النازفة مازالت كبندول لدقيقة تلو الأخرى في عظامها ، إذ تشعر الآن أنها قد أبليت بلاء حسنا في مشوارها مع حذائه الخشن الذي لم يلن لها إلا مرات المطر حين كانت تدخله المياه من كل صوب فلا  تبالي وتمضي معه في فرح المطر كثور هائج في ساقية مستعصية لا تكل ولا تمل ، تود الآن لو عاودت رقصاتها المهتاجة في فرح المطر لولا الجرح الذي لا يندمل ، وشعورها بخطر داهم ؛ قاب قوسين أو أدنى منها ، تحمله معها تلك الكائنات البنية التي لم تهابها يوما قط ، تلك التي لا يستطيع نعل حذائها أبدا أن يحصي كم ألف قتل منها في غدوه ورواحه دون أن يهتز فيه فتيل خيط .       ( 3 ) طبقة من الرمل المبلل وصاع من الاسمنت الطري .... كابوس كل بلاطة تتأمل نفسها لحظة أن تخرج من رحم الجلوة إلى صف البلاطات الجاهزة ؛ إذ أنها اللحظة الأخيرة التي تتوسد فيها نعشها الأبدي . تود كل البلاطات أن تتأخر تلك اللحظة فلا تحرم من حرية أن تنتقل من يد عامل إلى يد تباع إلى صف فوق عربة تتنفس فيها نسائم الحركة في عمرها القصير ، ولعلم كل بلاطة أن هذا النعش هو مقرها الأخير فهي ما أن ترى الشمس في رحلتها حتى تدعو الله – خاشعة بكل حبة رمل فيها – أن تكون يد العامل دربة خبيرة فلا يكلفها عناء كابوس آخر هو لها الموت بعينه إذ تعلم أن لها عدوا لدودا متناهي الصغر ... هشا ، لكنه يملك القدرة على نخر عظام نعشها  الإسمنتي فيحيلها ترابا ، فاصلا بينها وبين جاراتها مانعا لها من متعة الملامسة ولذة التلاصق ، تاركا إياها مقلقلة ، تهتز تحت أي بطن قدم تدوسها فتقرصها بقايا الرمل الجافة تحتها ، تحيل عشقها للأقدام  إلى كابوس أشد قسوة من فقدانها شهية الوطء . .... بلاطة واحدة من بين تلك البلاطات المكونة للزاوية التي اختارها – السيد صاحب الجسد الغائص في البول – كانت في شغل شاغل عن محاولة الأخريات لفض صمت باطن القدم ، وحزنهن على نزيفها الذي لا ينقطع ، وحدها كانت تستشعر حدثا جللا على وشك الوقوع .... إذ تمكنت فرقة دربة من عدوها اللدود من  نخر صاع الإسمنت تحتها وسحب رماله إلى أعلى بمحاذاة عظام القدم النائمة فوقها صانعة جدارا فاصلا سرعان ما تشبع بالدم النازف فتكتل حولها كأنه عزم على بناء لحد لها ، لم يكن هذا ما يؤلم بلاطتنا حقا إذ ما أجهدها هو هبوط أحد جوانبها متحملا وحده ثقل القدم التائهة في النزيف ؛ ضاغطة إياها بين الثقل ونتوء إسمنتي قاس ظل راسخا يذيقها عذابات التأرجح موجات متوالية . بضع نقاط من الدم النازف من باطن القدم استطاعت أن تنزلق في الشق الذي خلفه النمل خففت عن بلاطتنا بعض أوجاعها عدة دقائق لكنها لم تسلمها تماما لبلاهة الفرح بتلك النشوة العابرة ؛ فظلت كمن ينتظر حكما بالإعدام ترقب دبيب النمل فوقها بادئا هذه المرة في نخر شق الجرح ؛ فودت لو استطاعت أن تهزم النتوء الإسمنتي القاسي لا لتمنع أوجاع تأرجحها هذه المرة ، وإنما لتغلق بابا عن طوابير النمل التي باتت تهاجم باطن قدم السيد – صاحب الجسد العائش غائبا – من كل صوب ، فأصبحت كجيش أسكرته نشوة الدم ، تخرج من جب الجرح في متاهة فتعيدها رائحة الدم لشهوة العطش باحثة عن صهوة جواد عظام قدم السيد – صاحب الجسد المتهدل واليد الساقطة جانب الكرسي بلا حركة – وعينه الغبية الكسول التي لا تكلف نفسها عناء النظر أسفل قدميها – فيما رأت البلاطة – ( 4 ) كرسي مقلوب في زاوية قصية في الصالة الفسيحة يكاد يواري هيكل السيد – هائل الجسد المنكفئ – اتخذته العناكب بداية لنسج خيوطها التي امتدت بطول الصالة وعرضها شباكا كستائر متراصة متوالية ومتداخلة .... كرات سوداء متشابهة ، لا يمكن الجزم بأيهما تكون : أهي كتل لحم باطن قدم السيد – المتهاوي –  أم أنها كتل النمل المتلاصقة وقد نالت منها شهوة الدم أو مسها الجسد الخائر بسم فانزلقت تكر بعيدا ؛ تتخذ من بعضها البعض سلالما تفر بها لأعلى بعيدا عن أبخرة العفن المتصاعدة من جسد السيد –  الخائر – فتعلق بشباك العناكب ؛ تبدو كنقاط مداد أسود فوق حروف متشابهة للغة بدائية مجهولة . سقف الصالة – الذي تنتهي عنده شباك العناكب – بدا كساحة حرب ضروس بين العناكب ؛ التي - فيما بدا  بعد أن  حولت الكرات السوداء إلى شواهد قبور عالقة ترقص في هواء الصالة اللزج رقصات وداع في واد للموت -  تناحرت ؛ فتساقطت شبكاتها غبارا خانقا يتسلل - الآن – عبر عقب الباب الواقف مشدوها يلعن تآكل مفاصله التي صدئت قبل أن تصر صريرا مبحوحا معلنة عن مجئ ابن السيد – صاحب الهيكل المنكفئ مازال – تحت كرسيه في حراسة صوت التلفاز .   أحمد الخالد   
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق