]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الترجمة والتناص مقاربة علائقية

بواسطة: الباحث والشاعر: حسن حماني  |  بتاريخ: 2014-07-03 ، الوقت: 12:54:08
  • تقييم المقالة:
الترجمة والتناص مقاربة علائقية

حسن حماني  

الكلية المتعددة التخصصات ـ الرشيدية

 

تمهيد

      لقد شهدت القرون السابقة وفرة في الدراسات النقدية التي عنيت ببحث الطرائق المعتمدة في الترجمة. لكنها دراسات كانت تغلب عليها التقييمات الانطباعية لما ينبغي أن تكون عليه الترجمة الجيدة. وظلت الدراسات الترجمية على حالها تلك، إلى منتصف القرن العشرين، حيث ظهرت أولى الدراسات اللسانية والأدابية التي اهتمت بالترجمة. وهي دراسات لم يعد أصحابها يعتبرون الترجمة مجرد فن، بل أصبحوا يعتبرونها، كذلك، بمثابة علم من العلوم، ويسعون، من ثم، إلى منهجية سيرورة عملية الترجمة.

  المحور الأول: مفاهيم وتعاريف

      تشكل الترجمة برجا تستطيع من خلاله الأمم أن تفهم بعضها بعضا وهي فعل حضاري يعكس تلاقحا ثقافيا بين نمطين من المستويات الفكرية للنشاط الإنساني، ويعكس أيضا رغبة أكيدة للإستفادة من التجارب الإنسانية ومحاولة نقلها إلى اللغة الأم للمجتمع من دون المساس بروح النص، وفي الوقت نفسه مراعاة خصوصية اللغة المنقول إليها النص.

    وتعد الترجمة أيضا عملية نقل المدلولات من لغة إلى أخرى، إنها عملية عبور للمفاهيم والأفكار بوساطة الدوال الخاصة باللغة المنقول إليها، ويكشف هذا الفعل عن عوامل تحفيزية تنبع من عدم استقلالية الثقافات، والتي تقوم على التفاعل وتبادل التأثير لإثراء التجربة الإنسانية. إلا أن هذا النجاح في فهم الآخرين ليس نجاحا تاما، وهو ما يواجه الإنسان حينما يترجم نصا أدبيا من لغة إلى لغة أخرى، واللغة هنا لا تعني معاني المفردات وطبائعها النحوية بل تعني أمرين أساسيين هما حضور الثقافة والحضارة التي تنتمي إليها لغة النص في النص ذاته، حيث لايمكن بتر اللغة عن الثقافة، كما أنها تعني كذلك البعد الإبداعي الفردي الذي يميز النص الأدبي كاستخدام مستويات إبداعية من الإيقاع والمجاز والتناص على سبيل المثال، وسأركز في هذا المقال على إحدى أهم مشاكل الترجمة الأدبية وهي مشكلة التناص [1].

    أشار الدكتور الزعبي في كتابه "التناص نظريا وتطبيقيا " إلى أن موضوع التناص ليس جديدا تماما في الدراسات النقدية المعاصرة، وأن جذوره تعود في الدراسات الشرقية والغربية إلى تسميات ومصطلحات أخرى، كالاقتباس والتضمين والإستشهاد والقرينة والتشبيه والمجاز والمعنى، وما شابه ذلك في النقد العربي القديم، فهي مصطلحات أو مسائل تدخل ضمن مفهوم التناص في صورته الحديثة[2]،لكنه يؤثر على مسألة هامدة تتمثل في التفاوت الحاصل في رسم حدود المصطلح وتحديد موضوعاته.

    إن "كل نص هو تناص"[3]، لأن النص الجديد يقوم بفهم وتمثل وتحويل النصوص التي سبقته، لذا فهو لا يستطيع الخلاص من الوقوع في شرك جدلية القراءة-الكتابة التي تعتبر مرجعية الإنتاج النصي، وتحدد علاقة النص الجديد مع النصوص الأخرى التي تفاعل معها، ولا يمكننا الكشف عن طبيعة هذه العلاقة إلا عن بواسطة التناص.

     يرى تودوروف أن من بين اللوائح التي يمكن وضعها لدى دراستنا نصا من النصوص هو حضور أو غياب الإحالة على نص سابق، فهذا النوع من لوائح الكلام يساعدنا على ضبط القراءة ويجنبنا مغبة إهمال العمليات المعقدة التي تكمن وراء نسيج النص[4]،"فالإحالة هي عبارة عن تقنية متجسدة في بنية النص الجديد يتفاوت حضورها أو غيابها حسب الآلية الإجرائية التي يستخدمها الكاتب. يؤكد ريكور أن النص ليس بلا إحالة، وستكون مهمة القراءة بصفتها تفسيرا متمثلة بإحداث الإحالة بالضبط"[5].

    يشكل التناص ارتباط نص ما بنص آخر وفقدان قدرة المرء على فهم النص والتواصل معه دون إدراك هذا الارتباط، أي أنه يشير إلى مجموع العوامل التي تربط نص ما بمعرفة نص آخر ( أو نصوص أخرى ) سابقة عليه، والنص في عملية التناص لا ينقل فقط من نصوص أخرى سبقته، وإنما يستثمر الإيحاءات التي تعود إلى النصوص السابقة في تشكيل هويته، وهكذا فإن السابق يغدو جزءا عضويا من لحمة النص اللاحق، ولايمكننا سلخ النص الجديد من ايحاءاته إلى نصوص سبقته،  وهنا ينبغي التفريق بين تناص النص والتناص في النص[6].       

ويطرح الدكتور صبري حافظ العديد من القضايا التي تطرحها علاقة النصوص بعضها ببعض، وعلاقتها بالعالم وبالمؤلف الذي يكتبها من جهة أخرى، كما يطرح موضوع العناصر الداخلة في عملية تلقينا لأي نص وفهمنا له، وهو موضوع يشير إلى أغلوطة استقلالية النص الأدبي التي تتبناها بعض المدارس النقدية، والتي انطوت بدورها على تصور إمكانية أن يصبح النص عالما متكاملا في ذاته مغلقا عليها في الوقت نفسه، وهي إمكانية معدومة إذا ما أدخلنا المجال التناصي في الاعتبار وإذا ما اعتبرناه حواريا في الوقت نفسه[7].

     يشير "تناص النص" إلى ارتباط النص بأكمله بمجموعة نصوص أخرى، بحيث تشكل مؤتلفة ما يطلق عليه نوع النص، أو ما يسمى في اللغة العربية بالفن، ففن الخطبة مثلا يعني أن ثمة جامعا يربط بين مجموعة النصوص المختلفة التي نسمي مفردها خطبة، وهكذا فإن كل خطبة ترتبط ارتباطا وثيقا بالخطب الأخرى بإتباعها لأعراف أسلوبية تجعل منها خطبة، وليست قصيدة أو رسالة في الفلسفة ، بل إن كل فن ينقسم بدوره الى أنواع مختلفة، فالخطبة مثلا قد تنقسم إلى خطبة سياسية، وخطب احتفالية، وخطب دينية كخطبة صلاة الجمعة[8]، فالتناص مصطلح نظري أدبي يحمل ملامح باراديكمية، وسميائية وما بعد بنيوية جديدة وعلى الرغم من توظيفاته المتعددة إلا أن الغموض وعدم الوضوح متواجد في هذه التوظيفات، ويرجع إلى عوامل عدة من بينها ما يلي:

1 حيث نجد هناك بعض التعديلات التي دخلت على مفهوم التناص في تاريخ الأدب.

2 إن التناص بوصفه ظاهرة أدبية سميائية قد شهد تغييرات في الشكل والوظيفة عبر التاريخ، وكان الموقف منها والوعي بها متغيرا من عصر إلى عصر، ومن شعرية إلى شعرية.

        وبهذا فالتناص إذن ظاهرة لغوية وفنية وأدبية وسيميائية متأصلة يمكن تقصيها في أدب وثقافة العصور القديمة، لكن توظيفه بوصفه مصطلحا نظريا أدبيا وتصنيفيا معياريا نقديا ونظريا وشعريا جاء في العشرينيات من القرن الماضي تحت تسميات مختلفة، الحوار التفاعل، الاتصال...

المحور الثاني: الترجمة والتناص أية علافة؟

       تجدر الإشارة إلى أن التطور التكنولوجي والعلمي، والإزدهار المعرفي دفع كثيرا من العلوم والدراسات المعاصرة إلى البحث في الترجمة ليس فقط، على أساس أنها عملية تحويلية أو عملية لغوية تتلخص أهم نواحيها الإجرائية في كيفية إحلال مادة نص بلغة ما بدلا من مادة نص بلغة أخرى[9]، على أساس التطابق، بل صار البحث في نشاط الترجمة يناقش عشرات الأبعاد والجوانب النظرية والتطبيقية، بتفريعاتها وقضاياها وعلاقتها المختلفة والمتشابكة إلى حد التعقيد. وسريعا ما تفاعلت كثير هذه الدراسات وما قدمته من نظريات في الترجمة مع العلوم المختلفة، وتداخلت مناهجها مع غيرها من هذه المعارف والعلوم مثل علم اللغة والدراسات النقدية وغيرها[10].      

   إن الإلمام بفلسفة التناص يقلل من أهمية دراسة نظريات الترجمة بقصد تحسين أداء المترجم، هذه الدراسة تبحث في موضوع التناص من خلال دراسة التلميح الإيحائي في النص الأدبي بغرض تبيان النسيج التشابكي بين النصوص المختلفة، حيث يعتقد أصحاب نظريات التناص أنه لا يوجد نص لم يقل أو يكتب من قبل، وأنه من الممكن تتبع كافة أجزاء النص قيد الدراسة وإسنادها إلى مصادرها التي وردت تلك الأجزاء بها من قبل[11].  من هنا فإن المترجم الذي يمارس ترجمة الشعر مثلا عدة سنين يكون قد تعرف على أنماط وتراكيب شعرية تكررت لديه أثناء ترجمته لتلك النصوص المختلفة، وبهذا فالباحث يعتقد أن الإلمام بنظريات الترجمة لا تكون له قيمة كبيرة في تحسين كفاءة المترجم وأن الممارسة هي طريق الإبداع في الترجمة [12]، وبهذا ألاحظ أن الترجمة الدقيقة تتطلب من المترجم استحضار مفهوم التناص في ترجمته للنص الأصلي إلى نص أخر، لأن المترجم يكون بمثابة متلقي للنص، في عملية التناص ويركز على استحضار لمخزونه الثقافي عند قراءة النص، وهذا ما أدخل المترجم كفاعل في هذه العملية لأن (الأنا تقترب من النص وهي في الواقع مجموعة متعددة من النصوص الأخرى ذات شفرات لانهائية أو بالأحرى مفقودة الأصول قد ضاعت مصادرها، وهذا يعني أن المترجم إذا لم يكن له رصيد ثقافي، ومعرفي حول النص الذي يود ترجمته، وكذلك معرفة عميقة ومتقنة  باللغتين  لايمكنه أن يترجم هذا النص ترجمة دقيقة. ويكون التناص في هذا المستوى عقبة  تبرز أثناء محاولة الترجمة فكيف للمترجم أن يترجم نصا ينتمي إلى فن يوجد في ثقافة ولغة معينة إلى ثقافة ولغة أخرى دون أن يوجد هذا الفن في الثقافة المترجم إليها وليس جزءا من منظومتها الأدبية والثقافية، لنأخذ النص الديني التالي على سبيل المثال:

بسم الله الرحمان الرحيم

قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد"  "

    إن هذا النص نص ديني يعتمد على أساليب لغوية وبلاغية يعرفها القارئ المسلم، وهذا النص يسستعصي على الترجمة إلى اللغات الأخرى. وإن ترجم يبقى في الجانب السطحي الذي لايمكننا أن ندرك فحواه، وذلك يرجع إلى  خلو الأجانب من معرفة مسبقة بكلام الله، من قبل مفهوم الله، ومفهوم الصمد، ومعرفة الدين الإسلامي، مما يدفع إلى تدخل التناص لفهم المعنى ويكون المترجم في هذه الحالة على وعي تام بهذه الإحالة التناصية ويدرك أهمية استثمار النص الذي يترجمه إليها، وهذا ما يؤدي إلى خيانة النص، لأنه تطلب تدخل نصوص أخرى أفادتنا لفهمه، وفي الوقت نفسه نجد هذا المترجم قد أضاف أشياء إلى النص الأصلي وهذا أمر لا يقبله النص الديني لأنه يوقعه في الزيادة والنقصان.

      إن كل نص يرتبط بسياق معرفي خاص به يصبح أمر نقله إلى لغة أخرى محفوفا بالمخاطر، فالتقرب من نص لأحد الباحثين يمكن أن يطرح صعوبة إذا كان هذا الباحث نموذجا للتلاقح الثقافي الإنساني، ولذلك يحتاج قارئ هذا النص إلى حمولة معرفية حتى يتمكن من مفاتيح النص وعلى أن يتزود بأدوات إجرائية أكثر نضجا ورقيا.

      فالإختلاف مظهر جمالي يجسد مبدأ الانزياح أو العدول الذي تعتمد عليه اللغة لإبداع نصوص تكشف عن المتباين والمختلف في صورة منسجمة ومتناغمة. ويتم ذلك بمراوغة اللغة بالتنقل المتناوب بين الاستعمال  المعياري والاستعمال الوصفي  كلما دعت إلى ذلك الحاجة بوساطة الانحراف بدلالة الكلمة عن معناها الأصلي إلى معنى مشابه أو قريب أو مضاد. ذلك أن الخطاب يقوم على بنية المراوغة والخداع لتخطي سلطة المعيار، وإذا كان فوكو قد تقصى الاختلافات في الكلام ليكشف مبدأ أساسا مفاده " أن المنطوق هو غير ما يدور في الذهن وأن الخطاب هو نتاج العلاقة الجدلية بين الرغبة والقوة، أو بين التحرر والسلطة، فالسلطة كونها صاحبة القدرة والقوة، هي التي تسمح بما يقال وبما يعبر عنه، وبما لا يعبر عنه، لمن يحق الإفصاح ولمن لايحق، إلا أن الرغبة تتوارى وراء المجاز، فالمجاز هو الذي يكشف إذن النظام المعرفي لإحدى الحقب التاريخية [13]، ثم تأتي الترجمة لتنقل هذه النصوص المتباينة إلى لغة ثقافتها متباينة، فالمتباين يقابله المتباين الآخر بحمولته المعرفية يقول جاك ديريدا : عندما نقول بأن ما هو شمولي أو ما هو كلي هو عديم المعنى، فلأن الإدراك عاجز عن الإحاطة به وتصوره حيث الحقل المعرفي ليس سوى المساحة التي تخاض فيها الألاعب، وفي اللعب تعوض المكونات بعضها بعضا حتى وإن إنحصر الحيز عن مجموع مغلق[14]، وزاد الجدل بصورة جلية حول علاقة الترجمة بالتناص، وكذلك حول الرسالة الفنية والجمالية التي يجب أن يقدمها هذا النوع من الترجمة ومدى مطابقتها للنص الأصلي[15].

     إن طبيعة الترجمة الأدبية في كثير من مراحلها التحضرية التنفيذية أقرب ما تكون إلى طبيعة النقد الأدبي، فهي أولا اختيار مقصود ومدروس لنص أدبي له نفوذه الجمالي والموضوعي، وهو بالطبع أسبق وجودا في عالم الأدب عن ترجمته، ومن ثم تصبح الترجمة قراءة واعية ومنهجية لهذا النص لأنها تحدد موضوعها وأبعاده كما تحدد طريقة معالجته[16].والترجمة ثانيا في إحدى مراحلها تفسير لهذا النص، مثلها في ذلك مثل النقد  الأدبي، مما يستوجب على المترجم أن يتأمل النص ويدرسه دراسة منهجية من حيث المبنى والمعنى ويقبله على كافة المستويات ومختلف الزوايا قبل الشروع في ترجمته، كما أن الترجمة، ثالثا تتطلب كثيرا من أعمال المراجعة والتمحيص للتأكيد من صحتها ودقتها في ذلك شأن أي دراسة نقدية[17]،وإذا  كانت الترجمة الأدبية إعادة إنتاج للنص الأدبي ليطرح مرة ثانية على المتلقي فإنها، رابعا تعتمد على عمليات كالتحليل والتركيب في إعادة إنتاج النص، وهي العمليات نفسها المستخدمة في مجال النقد الأدبي مع تشابه في بعض الأدوات.

وتعتمد الترجمة على جانب غير هين من المهارات الفردية والتذوق الشخصي مع استنادها على درجة من الوعي الذهني والقدرات المعرفية لكي يتكمن المترجم من النفاذ لروح النص وجوهره، وليس الوقوف على البناء الخارجي فقط[18]، فالمتلقي العادي للنص غير معني بأمانة الترجمة ودقتها ومدى مكافأتها للأصل وما إلى ذلك من الأمور التي تعني المختصين فقط، بل هو معي بأن يكون النص الأدبي المترجم نصا سليم اللغة جميل الأسلوب وأن يجد القارئ متعة أدبية في تلقيه إلا أن العلاقة بين التناص والترجمة لا يجوز أن تنحصر في الجوانب التي تهم المتلقي العادي وأن يقتصر عليها، بل لا بد له من أن ينطلق من حقيقة أن العمل الأدبي المترجم هو عمل ذو أصل أجنبي وهو مطالب بأن يكون متناظرا مع ذلك الأصل من حيث النص والمعنى والأسلوب، وهذه مسألة لا يستطيع المترجم أن يوفها حقها ما لم يكن محيطا باللغة الأجنبية وأدبها وثقافتها[19].

    إن تحقيق التناظر في الترجمة الأدبية على الصعيد الأسلوبي هو أمر يصعب تصوره، وذلك لما بين اللغات والآداب من اختلافات كبيرة في التقاليد الأسلوبية والجمالية إلا أنه من الممكن إيراد بعض المعايير التي مالم تتوافر في الترجمة الأدبية، لا يمكن القول إن حدا مناسبا من التناظر الأسلوبي والجمالي بين الترجمة والأصل قد تحقق، وبالطبع فإن مشكلات هذا النوع من التناظر تختلف باختلاف الجنس الأدبي للعمل الأدبي[20]، ولعل غرضنا هنا هوالتأثير في المتلقي بتحويل النص من لغته الأصل إلى اللغة الثانية، ومن تم يتم"...إحداث تأثير في المتلقي مساو لما يحدثه النص الأصلي في قارئه أو سامعه..."(محمد1986 ص 160 )عبثا إضافيا على كاهل المترجم ومصدرا آخر للخوف الذي يتملكه من الإقدام على ترجمة الشعر، فإذا أراد أن يتبع هذه المقولة بكل حذافيرها فإنه يتعين عليه أن يعرف أولا ما أحدث النص الأصلي من تأثير في متلقيه ومن ثم ما هي الوسائل التي سيعتمدها في الترجمة لإعادة تقديم النص في اللغة المنقول إليها بشكل يثير في متلقي الترجمة التأثير نفسه أو حتى تأثيرا مشابها ولا بد من الاعتراف هنا أن مسألة تحديد التأثير في المتلقي الأصلي ضرب من المستحيل لأسباب مختلفة أولها أن إختلاف الأشخاص يعني حكما اختلافا بدرجة التأثير[21] ، هذا في إطار اللغة الواحدة، وثانيها أن اختلاف اللغات، بكل ما يتمخض عن هذا الاختلاف من اختلافات في المجتمعات، وطرائق تفكيرها، وجوانبها البيئية والحضارية والفكرية والفنية والتاريخية والسياسية، يجعل من مسألة التأثير المساوي أمرا صعبا جدا، إن لم نقل مستحيلا في كثير من الأحيان[22]، لأن الخصائص اللغوية والبيئية والحضارية تفرض وجودها على هذه الوسائل مما يجعلها مختلفة من حيث درجة التطابق بين اللغة وأخرى.

   ويلاحظ أن التناظر الأسلوبي والجمالي في ترجمة النصوص الشعرية الوجدانية تتعلق بصورة رئيسة بمسائل الأوزان الشعرية والطاقة الإيحائية والتعبيرية للمفردات والتعابير والتراكيب، وبالمجازات والصور البيانية والفنية 14. ولعل قصيدة شيكسبير خير نموذج على ذلك يقول فيها[23] :

Shall is compare thee to a Summer’s day ?  

Thou art more lovely and more temperate             

   إنها دليل على الاختلافات البيئية وما تسببه من إشكاليات في الترجمة، إذ اختلف الكثيرون في ترجمة هذين البيتين. فمنهم من اقترح تغيير فصل الصيف إلى فصل الربيع وذلك لما لفصل الصيف في ذهن المتلقي العربي، ولاسيما في منطقة الخليج العربي من توافق مع مشاعر سلبية تفرزها درجات الحرارة المرتفعة التي تفسد جمال الصورة المعدة أصلا للمتلقي الإنجليزي الذي ينعم عادة بصيف لطيف محبب بعد شتاء طويل قارس. ومنهم من احتفظ بالصورة نفسها دون الاكتراث بالاختلافات البيئية مثل الشاعرة فطينة النائب التي ترجمتها:

من ذا يقارن حسنك المغري بصيف قد تجلى

وفنون سحرك قد بدت في ناظري أسمى وأغلى؟

      وإذا سلمنا بالمقولة التي طرحها نايدا وتابر فيما يتعلق باللون الأخضر في اللغة الإنجليزية والذي يتوافق بالنسبة للمتلقي الإنجليزي مع ظلال معان سلبية مرتبطة بالشحوب بسبب المرض أو الخوف وعدم النضج، فإننا يجب أن نعترف بأن ظلال المعاني الانفعالية لا تحمل في معظم الأحيان طبيعة واحدة في جميع اللغات، فاللون الأخضر في اللغة العربيبة يتوافق في معظم الحالات مع تضمينات انفعالية إيجابية ذات صلة بالربيع، والحياة، وصغر السن، واليد الخضراء ولست أعلم أنه ورد مترادفا مع معان سلبية إلا في حال عدم النضج[24].

 

 

 

خاتمة

 

      تسلط هذه الدراسة الضوء على ظاهرة التناص وعلاقتها بنظرية الترجمة، وكما تتصدى لمشاكل الترجمة الناجمة عن تلك الظاهرة. وفي هذا الصدد غالبا ما تبدو الترجمة الحرفية حلا ناقصا لا يمكن الاعتماد عليها لأنها تقف عاجزة أمام أنظمة رموز تتباين بتباين الثقافات واللغات وتتطلب مناورة تؤدي بالنتيجة إلى صب رموز النص المصدر في قوالب لغوية وثقافية لاتشذ عن المألوف في اللغة المنقول إليها، الأمر الذي من شأنه تيسير عملية التواصل وتمكين متلقي النص الهدف من فهم المقصود من وراء التناص الذي يعد عملية ذهنية رفيعة المستوى.

 

 

 

 

 

 

 

  [1]

[2]    

  [3]  

   [4]

 

 

 

 

5

[6]

[7]

[8]

.[9]

[10]

 [11]                                                 

  [12]

[13]

.[14]

[15]

[16]

[17]

[18]

[19]

[20]

.    [21]

[22]

[23]

[24]


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق