]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تغريدات.. على المحك الديني

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-07-02 ، الوقت: 18:03:41
  • تقييم المقالة:

ما معنى هذا الذي يجري كله؟، لماذا تتجه كل الأمم والشعوب بنفسها وبأوطانها نحو الانعتاق والتقدم والتطور، بينما نحن العرب والمسلمين نتجه في الطريق العكسية؟! أليس من المعيب أن نطرح هذا السؤال.. مرة ومرات أخرى بعد مرور أكثر من مائة عام على أول مرة طرحه فيها (شكيب ارسلان) و(ابو الحسن الندوي)؟؟!!

 

على محك الخطابات والنماذج الدينية المعاصرة التي تقدم الاسلام.. هناك عشرات الألاف من التناقضات التي لا تخفى على كل ذي سمع وبصر وقلب.. ومع ذلك، نعيش وكأن عقولنا مجمدة في ثلاجات التغييب الارادي، وأسماعنا وأبصارنا مرفوعة مؤقتاً من الخدمة.. أو كأن هذا هو حالنا منذ عشرة قرون وأكثر.. 

 

(1)

 

نشرت مجلة (روز اليوسف) المصرية قبل عدة سنوات لا أذكر كم منها بالتحديد، تحقيقاً صحفياً حول الظاهرة والفتوى الشرعية: وموجز الخبر أنه في ذلك الوقت صدرت فتوى دينية من الأزهر، تحرم كتابة واستخدام النصوص القرآنية والنبوية، كشعارات ولافتات اعلانية أو ترويجية في المحلات والمعارض ووسائل النقل وغيرها، وتعتبر ذلك مما يتعرض بالأذى والانتقاص من قداسة القرآن وشرف الأحاديث النبوية.. وقد تبع اصدار تلك الفتوى التي أيدتها الكثير من الوجاهات الدينية السلفية والإخوانية حينذاك، نزول حملات ميدانية من المؤكد أنها فشلت في محاربة هذه الظاهرة..

 

اليوم، قنوات فضائية لا تعد ولا تحصى ذات طابع اعلاني وترويجي بحت، ولكن على الطريقة الاسلامية، حيث اصبح القرآن الكريم خلفية صوتية لتلك الاعلانات عن منتجات من هذا النوع:

 

(من خلاصة الأعشاب الطبيعية: لتطويل الأعضاء وقوة الانتصاب – لزيادة الرغبة الجنسية عند النساء – لتغذية الحيوانات المنوية، وزيادة نسبة التبويض – لعلاج السحر وفك الربط وجلب الحبيب ومنع العين وكفاية الناس من كل حاسد إذا حسد.. وكله بـ (الرقية الشرعية) والطب النبوي!!، واعلانات أخرى كثيرة يستمتع المرء منا بقراءتها والانجذاب اليها وهو يستمع في نفس الوقت الى تراتيل عطرة من الذكر الحكيم؟؟؟

 

قنوات كثيرة تطل على المشاهدين طوال الوقت ببرامج حوارية ووعظية وارشادية.. تحض على الحجاب والطهارة وتحرض الناس على اتباع الكتاب والسنة أو اتباع مدرسة آل البيت.. ومحاربة الفرق والطوائف الضالة.. وعندما تأمن هذه القنوات من أن المشاهدين قد ناموا وغطوا في سبات عميق.. تبقي شاشتها مفتوحة بتلاوات رقيقة من القرآن العظيم!!    

 

ولكن، هل سمع أحد أو قرأ بيان أو فتوى أو ما شابه صدر في هذا الشأن، مثلاً من الأزهر أو هيئة علماء الإخوان المسلمين في قاهرة (المعز لدين الله)، أو ربما من دار الافتاء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مستعمرة الحرمين، أو من أي من أهل العصمة في حوزات قم المطهرة أو في ثكنات صعدة المحررة، أو على الأقل تعليق أو اشارة صدرت من رابطة علماء المسلمين في دوحة الجزيرة، أو أي بشارة اعجازية يمكن أن تكون قد صدرت من رئاسة جامعة الايمان أو مجلس شورى الاصلاح في صنعاء، بأن تلك النيازك المجهرية ستسقط حجارة من سجيل على رؤوس كل أولئك الذين ينالون من قداسة الوحي والكلام الالهي؟؟ هل سمع أحد؟ هل قرأ أحد؟ هل نما الى علم أحد؟ هل تنبأ أحد بشيء من هذا ربما أنه سيحدث في المستقبل؟؟!!

 

 

 

(2)

 

في خطبة الجمعة الفائتة، تحدث الخطيب عن سعة المغفرة الالهية، وكيف أن الله رحيم بعباده.. الى درجة لو أدركها الناس لما شعر أحدهم باليأس أو القنوط، للحظة واحدة في حياته.. الله رحيم، الله غفور، الله عفو يحب العفو.. ولأن العظة لا تكتمل بدون القصة، فقد استشهد الخطيب بقصة شهيرة في كتب المرويات الصحاح والحسنة والمعلولة والضعيفة والموضوعة: قصة ذلك الرجل الذي قتل ظلماً وعدواناً مائة رجل.. وأراد أن يتوب.. طبعاً، دراما القصة تنتهي بحدوث كرامة الهية دلت على قبول الله توبة ذلك الرجل، وأن الله قد غفر له وأدخله الجنة.. قصة جميلة ومؤثرة..

 

بعد سماع تلك القصة، وأثناء خطبة الخطيب.. همس صديقي (عصام) في أذني، وقال لي:

 

-       هه، ضيعوا القرآن.. ؟؟!! أين هذه القصة من آية صريحة يقول الله فيها: (أنه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).. وآيات القصاص، وأحكام القتل الحرابة...       

 

حينها طمأنت صديقي وقلت له: كل الآيات والأحكام هذه التي ذكرتها كانت مقررة على بني اسرائيل.. ماش هي علينا؟!!!!!

 

 

 

(3)

 

مقطع فيديو صغير، متوفر لمن أراد أن يشاهده على الـ (You Tube)، يعلن فيه أحد علماء الشيعة – من غير سلالة آل البيت بحسب عمامته البيضاء- وهو يخطب في أكثر من مائة ألف حاج، حجوا الى (كربلاء) وليس الى أعالي نهر (الكونج) في الهند، قائلاً:

 

جهز حاجتك، كل واحد منكم يجهز حاجته، هسع.. هاي الشيكلاتة، شيكلاتة آل البيت، آني.. مو بس آني مجربها، كل الناس في هالعالم تعرفها.. كل الأحرار في هالعالم يعرفونها ويعرفون ان كطعة زغيرة من هاي الشيكلاتة.. والذي رفع السماء بغير عمد.. تشفي عشيرة بأكملها.. ايه، تشفي قبيلة بأكملها، اذا ما استجاب الله تعالى لنا ببركة النبي وآله.. ويش هي قيمة الحياة؟؟.. أقول لكم: هاي مو أي شيكلاتة.. هاي شيكلاتة آل البيت.. عنا الحين طن وربع من هاي الشيكلاتة المباركة.. الأخ حسين راح يوزعها عليكم بطريقة فنية.. وكل واحد منكم راح يحصل عليها.. رجال ونساء.. حضر حاجتك وأطلبها من الـ الله، ببركة شيكلاتة آل البيت..)؟؟؟!!!

 

الجواب يأتيه من الحجاج: اللهم صل على محمد وآل محمد.. هذا، مع خالص التحية لصديقي (طلال قاسم).. الذي اصبح يقول لي منذ أن شاهد هذا الفيديو: هاي حقااااائق!!!

 

 

 

(4)

 

جاء في الصحيحين (البخاري ومسلم)، أن النبي (ص) قال في وصف الجنة: « فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ »..

 

ترى، أين يمكن أن يوضع هذا الحديث في مقابل العشرات وربما المئات من الآيات القرآنية، التي يصف فيها خالق الجنة جنته ويخبرنا عنها ويرغبنا في طلبها والسعي الى نوالها، وكل آية تتضمن صورة وخبر وعالم واسع من الصور التي تخطر على قلب كل بشر يقرأ تلك الآيات: (تجري من تحتها الأنهار.. فيها فاكهة.. ولحم طير مما يشتهون.. فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة..)؟!

 

ولكن هذا الحديث يخبرنا بأن ما هي عليه الجنة بعيد الى حد الاستحالة على أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا أن تدركه.. لنستنتج منه أن كل تلك الآيات التي وصف الله فيها الجنة.. لا تعني لنا شيء؟؟؟ واستنتاجات أخرى أسوأ من ذلك ولا داعي لذكرها.. المهم انك اذا صدقت القرآن، فهذا يعني أن الحديث غير مصدق عندك، أما إذا صدقت الحديث.. فأنت تجحد بكل تلك الآيات.. أما الحل الوسط فهو أن تجعل ذلك كله في ذمة علماء الشريعة.. (قلدهم الله)، ولك الخيرة في كل الأحوال!!

 

 

 

(5)

 

قناة (صفا) الفضائية.. قناة المناظرات والمعارك الكلامية حول العقيدة والفقه والشريعة والفرقة الناجية.. ومع ذلك فالقناة لا تستحي ولا يساورها قليل من خجل أو حياء.. أو احترام لعقول مشاهديها، عندما يتحدث مذيعوها وضيوفها السنيون الأكابر، عن وسطية الاسلام وكيف أن الله حذر أمة الاسلام من الاختلاف، وان الدين الحق لا يدعوا الى عصبية أو طائفية أو مذهبية..

 

ثم أن الواحد منا يمضي في أسفار طويلة الأمد في بطون الكتب والمؤلفات وهو يبحث عن الحقيقة التي تتلاشى ببزوغ نورها، كل أسباب تفرق الأمة وانقسامها وصراعاتها الطائفية والمذهبية، وأسباب كل ذلك السيل الجارف من الخطابات العدائية والاقصائية المتطرفة، ليجد في النهاية أن الحقيقة ظاهرة وبينة ولا تحتاج الى عناء بحث أو جهد اكتشاف، وأن المشكلة بسيطة جداً.. وهي أن من نسميهم علماء الدين وفقهاء الشريعة وقادة الطوائف وأئمة المذهب على مر العصور، قد تركوا كل النصوص القرآنية التي تحض على الوحدة والتوحد والتراحم والتسامح والحرية.. الخ، وكل ذلك فقط ليقيموا الدنيا ويقعدوها بسبب حديث واحد عن الفرقة الناجية!!!

 

 

 

(6)

 

ظاهرة التأصيل وأسلمة المفاهيم والمصطلحات، ظاهرة غريبة وتحتاج الى توقف طويل عندها، على الأقل من الناحية النفسية، أقول من الناحية النفسية لأني ما عدت أشك بأن ما يسمى (فكر اسلامي) ليس الا تشخيص واقعي لأعراض كم هائل من العقد النفسية التي بات يعاني منها رجال الدين الاسلامي: النقص والدونية، الوهم وجنون الاعتقاد، التطرف وعدم التورع عن اصدار أوامر مباشرة وغير مباشرة بالقتل وسفك الدماء، بل أن هناك من يصدر تراخيص شرعية للقتلة والسفاحين ليمارسوا أعمالهم الاجرامية التي تتنافى مع كل العقائد والملل التي عرفتها البشرية..

 

أعتقد أنه ما كان لي أن استغرب عندما وجدت كتاب بعنوان: (علم النفس الاسلامي)، بقدر ما كان يجب علي أن أخوض تجربة التأصيل وأشارك في عملية الأسلمة، ففي المجال العلمي الصرف يمكن أن أجد ما يدل على (النسبية الاسلامية)، (الكوانتم الاسلامي) (الجزيء الاسلامي)، وربما سأجد الكثير مما أؤصل له في عالم الفنون، مثل (البوب الاسلامي)، (الفالس والباليه الاسلامي).. وربما أيضاً في مجال المنتجات الغذائية، مثل (نيدو الاسلامي) و(الويز الاسلامي).. وهكذا، فالمسألة تبدو بسيطة.. ولا تحتاج الى أكثر من اضافة كلمة (اسلامي) الى أي عبارة أو اسم.. لتكتمل عملية التأصيل.. ونظراً لضيق الوقت اقترح على الأخوة جمهور العلماء أن يختزلوا الأمر كله بتأصيل الظاهرة الكونية كلها من وجهة نظر اسلامية، فنتحدث عن (المجرة الاسلامية) و(الكون الاسلامي).. ؟؟؟!!!

 

ختاماً.. ما معنى هذا كله؟! 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق