]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإسلام الجاهلي وصنم الفقيه قراءة في أوهام الخطاب الديني المعاصر (2)

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2014-07-02 ، الوقت: 17:57:05
  • تقييم المقالة:

"اقرأ"؟!

أول أمر الهي في دين الله قامت به وعليه نبوة ورسالة محمد (ص)، خطاب أمر وتكليف من الله مباشرة يخاطب به عقل كل مسلم ومسلمة على حد سواء، لا يحتاج الى قواميس أو معاجم لغوية ولا الى تفاسير وشروحات يدعى بأنها نبوية ولا الى روايات وأسانيد وعنعنات بخارية أو ترمذية، لكي تُفهم معانيه وتُدرك مقاصده، ومن ثم فكتاب الله يضج بالآيات الجلية والواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض، مما يجعجع به فقهاء التقليد وأئمة الجمود في معرض الحديث عن احتفاء الإسلام بالقراءة والتفكر والتدبر والتعقل واكتساب العلم.. الخ، دون أن يكون لهذا الاحتفاء الكلامي ذرة منه تماثله على متن الواقع في سلوك الخاصة منهم أو العامة من المسلمين.

"المؤمن كيس فطن" و"المؤمن لا يكون امعة ان أحسن الناس أحسن وان أساء الناس أساء"، هذا مثلٌ مما وصل الينا من أقوال النبي (ص)، فهل مثل هكذا أقوال تخفى معانيها ويُغم ادراك مقاصدها على عقول العامة فلا تصل اليها الا عقول جهابذة الفقه والشريعة، واذا كان الله عز وجل قد أقام شرعه على مبدأ ان الأصل في كل شيء هو الحل والإباحة الا ما حرمه الله في كتابه الذي يخاطبنا فيه سائلاً ايانا سؤال الحجة البينة والقاطعة: (فبأي حديث بعد هذا تؤمنون)، فلماذا اذن تحرص طواحين الفقه وأوعية العنعنات على أن تعمم فقه الحلال والحرام على كل شيء تافه ومهم، بتلك الصورة الفجة والطريقة التي تثير السخرية والاشمئزاز؟ لماذا يتكلمون عن دولة اسلامية واقتصاد اسلامي وطب اسلامي وفن اسلامي وزي اسلامي وجنس اسلامي....الخ، وليس لأي من هذا الذي يدعون أصل صريح في كتاب الله؟، ولماذا ينسبون الى الله ورسوله والى الاسلام ما ينسبون ادعاءً وتلفيقاً وتخريفاً وتحريفاً؟! لماذا يأخذون ببعض الكتاب ويهملون بعضه حسب أهوائهم ونزعاتهم في سلوك انتقائي عارٍ ومفضوح يتحمل الاسلام تبعاته نقصاً وانتقاصاً وهم يمتنعون عن قبول النقد وينهون عنه باسم الدين؟ لماذا يبدون كل ذلك الحرص على ألا تبين للناس دنيا الا من خلال الدين، ولا يبين للناس دين الا من خلال الحلال والحرام والكفر والاسلام، ويتشدقون افتراءً وجهالة بقولهم أن القرآن جاء بكل شيء.. دون أن يعوا أو يتحوطوا حذراً مما يمكن أن يكون عليه معنى (كل شيء) في افهام الناس عامة وخاصة، مسلمين وغير مسلمين؟ هل ثمة آيات في القرآن تخبرنا عن الطائرات والصواريخ والأسلحة النووية والأحزمة الناسفة والقنابل البشرية؟ وهل ثمة آيات أو أحاديث تخبرنا عن البنوك وشركات التأمين والسياسات النقدية والنظم الإدارية.. وتقدم لنا حلولاً اسلامية لمشاكل التضخم والعجز وارتفاع سعر الصرف وانخفاض معدل الدخل، والزيادة السكانية.. الخ؟ وهل جاء الاسلام بوصفات لطهو الدجاج وصنع الهامبرجر وعصد العصيد..؟!! وأين اذن هي حقيقة (كل شيء) التي بها يتخرصون؟!!

 

والأدهى والأمر أن يؤصل علماء الفقه والشريعة لوهم جديد يسمونه "الطب النبوي" كأن النبوة شهادة الهية مُنحت لـ محمد (ص) في الطب والصيدلة، ويثرثرون عن وهم الاعجاز العلمي والاعجاز العددي في القرآن والسنة، حيث يخفون حقيقة عجزهم عن انتشال هذه الأمة من براثن الركود والتخلف والانقسام، وراء أوهامهم بالمعجزات الإلهية التي ينسبونها الى محمد (ص) الذي قال الله على لسانه: (وهل كنت الا رسولاً بشرا)، يخفون عوراتهم العقلية وعاهاتهم النفسية وراء حجاب النص الديني، لتصبح لهم سلطة على الناس وقوامة وكهنوت ليس لها في دين الاسلام ما يقرها، بقدر ما أن كل ما فيه يرفضها ويطردها ويلعنها، وبدلاً من أن يكون النص خادماً للإنسان، ومحكوماً بسلطة العقل الانساني، اصبح الانسان خادماً للنص ومحكوماً بسلطة الفقه النقلي والشريعة التلقينية.. وبدلاً من أن يصبح الدين دافعاً للتقدم والنهوض، اصبح موظفاً لخدمة أهواء ونزعات المسترجلين على الناس باسم الدين نفسه، وأداة لتبرير التطرف والقتل وسفك الدماء وقتل الأبرياء وترويع الآمنين، وغطاءً للسحر والدجل والشعوذة في عصر السفن الفضائية والأقمار الصناعية، من خلال البحث عن معادلات تفاضلية وخرائط جغرافية وشفرات جينية وطلاسم سحرية في آيات القرآن، لا يعلمها الا الله والراسخون في العلم كما يؤلون، متناسين بل ومغيبين تماماً حقيقة كون جوهر القرآن هو (البيان والتبيان).. ووظيفته (الهدي والتبيين) فعن أي قرآن سحري يتشدقون؟ وبماذا ولماذا عساهم بمثل ذلك يهرفون؟! هذه فقط مقدمات وددت من خلالها أن نقترب على مهل من حقيقة الفوضى الكارثية التي اصبحت تعيش تحت وطأتها الأمة والشعوب الاسلامية، الفوضى الكارثية التي أحدثها الخطاب الفقهي الذي خرج عن جادة الاسلام القويم منذ قرون وارتدى رداءه وانتحل اسمه وشخصيته، حتى اصبحنا على دين غير دين الله الا من القشور دون اللباب، خادعين ومخدوعين، بإسلام جاهلي.. وجهالة أسميناها مجازاً فقهاً، وأصناماً عبدناها وقدسناها نسمي جماعتها فقهاء وأئمة وأولياء وسادة وآل بيت، ومشايخ جهل ونفاق.. هذا ونحن لانزال على السطح، فكيف عساها تكون الصورة لو أوغلنا في العمق أكثر وأكثر؟ انها وللأسف لن تكون غير تلك الصورة التي نقول فيها وعليها: هلك المتنطعين وأهلكونا؟!!      

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق