]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هابرماس ورؤيته التواصلية

بواسطة: الباحث والشاعر: حسن حماني  |  بتاريخ: 2014-07-01 ، الوقت: 10:53:31
  • تقييم المقالة:

هابرماس ورؤيته التواصلية  حسن حماني الكلية المتعددة التخصصات ـ الرشيدية

المحور الأول: مدرسة فرانكفورت وبناء نظرية اجتماعية نقدية   ترتبط النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت أوثق ارتباط بمعهد فرانكفورت للبحث الاجتماعي الذي أسسته في سنة 1923 نخبة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاد والنفس والنقد الأدبي والجمالي، والمنحدرين من أصول يهودية. وقد حددوا وضعه وهدفه منذ البداية، بحيث يكون معهدا حرا غير مقيد بالنظم الجامعية والأكاديمية، يتفرع لبحث مشكلات الاشتراكية والماركسية والعنصرية وحركة العمال، مع توظيف المنهج الاجتماعي بشكل شمولي . وتولى الإشراف على ذلك المعهد في البداية أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة فيينا "كارل غرونبرع" أحد أبرز زعماء المدرسة الماركسية النمساوية إلى جانب "ماكس ألدر" و"أتو باور"، وكانت مهمة المعهد تنحصر في تعبيد الطريق أمام البحث والدراسة للمساهمة في "الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية "، وكان من أبرز أعضائه" هنريك غروسمان" 1881 ـ1950 و"كارل أوغست"، و"يتفوغيل" 1896 ـ 1896، المهتم بتحليل المجتمعات الأسيوية..... . بناء على ذلك أرست المدرسة منظورا جديدا يقوم على فلسفة اجتماعية ترى ذاتها باعتبارها نظرية نقدية، فعوض أن تنخرط في المجتمع وتسلم بنظمه، لم تتردد عن نقده والبقاء خارجه، لتقوم بوظيفتها الشمولية في النقد. ويقوم منظورها للنشاط الفلسفي على ضرورة إنتاج فكر تحرري غير أسطوري، يرتبط بشكل وثيق بالعلوم الإنسانية التي تحاول إصلاح ذات المجتمع على ضوء الغايات العقلانية المرتبطة بالفعل التاريخي على أن يتحقق ذلك وفق تعاون بين الفلسفة والعلوم التجريبية، التي تشتغل على الحاضر بوصفه قطب الرحى الذي لا غنى عنه للعلوم الإنسانية . وعليه فمدرسة فرانكفورت حاولت الانطلاق من المجتمع لتبني نظريتها النقدية.  وقد بلغت هذه المدرسة ذروة تأثيرها على الحياة الفلسفية والعقلية وعلى تفكير الرأي العام، (المثقف في أوربا وألمانيا الغربية في النصف الثاني من عقد السبعينيات)، عندما تبنت حركة الطلاب المعروفة، بعض أفكار النظرية النقدية وأدرجتها في "إيديولوجيتها" اليسارية الجديدة الرافضة لأشكال السلطة والتسلط. وقد تأثر رواد هذه الحركة الثورية بأفكار النظرية "ماركوز" على وجه الخصوص، ومن أهم الجذور التاريخية والعقلية التي تغذت عليها النظرية النقدية ونمت في تربتها : 1 ـ تراث الفلسفة المثالية الألمانية، وفي مقدمته تراث" جيورج فيلميلم" وفريدريش هيكل"(1770 ـ 1831). 2 ـ كتابات الشباب المبكر "لكارل ماكس "( 1818 ـ 1883) وخاصة المخطوطات الاقتصادية الفلسفية لعام 1844، التي تحتل فيها فكرة اغتراب الإنسان في ظل المجتمع علاقات الإنتاج الرأسمالي مكانة كبيرة. 3 ـ الفلسفات الألمانية الاجتماعية، ولاسيما عند "ماكس فيبر"، مما أثر على بحوثهم في علم اجتماع المعرفة والأدب والفن. 4 ـ فلسفة التحليل النفسي وفلسفة الحضارة عند "فرويد" (1856 ـ1939)، وخصوصا بعد تطويرها وفق منظور اجتماعي عند "فيلهيلم رايش" و"اريك فروم" و"ماركوز". وإذا كان الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت عرف ضعفا واندثارا مع بداية الثمانينيات، حيث بقيت أفكارهم بغير أثر عملي ملموس، وانفضت عنهم حركة الطلاب المتمردين، وأحكمت الدولة الرأسمالية اللبرالية قبضتها البيروقراطية على زمام الأمور لترسيخ الأوضاع القائمة، وراحت تطارد جميع اليسار، وعلى رأسه رواد المدرسة ظلت حية مشعشعة مع الجيل الثاني الذي مازال ممثلوه متمسكين بخيوط متينة نسجها الرواد، عاكفين على مواصلة تراثها النقدي الثوري وبلورة نظرتها النقدية، متشبتين بالأمل في واقع إنساني جديد يسوده العقل والاستنارة، والتفاهم والتضامن بين البشر، ويختفي منه القمع والقهر والظلم، وتزيف الوعي .... . وإذا كان مصير رواد المدرسة شبيها إلى حد كبير بمصير الحركة التعبيرية في الفن والأدب، فإن استمرار جهود المنظرين النقديين( وعلى رأسهم "يوركن هابرماس" و"أوسكار")، وتزايد الاهتمام بهم في دوائر البحث الفلسفي والاجتماعي، فإن ذلك قوى من أمل الباحثين في هذا المجال ، في أن يساعد هذا الأمر على تعلم التفكير الجدلي النقدي (العلمي والثوري)، لنغير من طريقة تواصلنا، ومناقشة قضايانا الاجتماعية. ويلاحظ أن معايشة"هابرماس" لمجهودات التحديث في ألمانيا والسعي إلى بناء مجال عمومي يسترشد بالعقلانية، دفعته إلى صياغة "نظرية في الحداثة"، ومن أجل ذلك اضطر إلى استنطاق نصوص فلسفية عديدة حاملة لمختلف دلالات الحداثة ابتداء من "كانط" إلى "ديريدا"، بل تنقل وتجول في أكثر من مجال علمي، ولا سيما في العلوم الإنسانية واللسانيات، لتشييد نظرية لما سماه بالعقل التواصلي وتحرير الفكر المعاصر من الخطاب المتمركز حول الذات. ويبدو أن "هابرماس" لم يترك شيئا خارج إدراكه، وذلك بهضم مقاربات مختلفة من قبيل التحليل النفسي "الفرويدي" وعلم نفس المعرفة والإبستومولوجيا التكوينية لمدرسة "بياجه" في مختلف امتداداتها، واللسانيات "الشومسكية".....ولسانيات التلفظ ونظرية التواصل... ، فالنظرية التواصلية لـ"هابرماس" تسعى إلى ضبط علاقة الفرد بالآخر وإخضاع العلاقات الاقتصادية والسياسية داخل المجتمع لأخلاقيات المناقشة، حيث يعد الحوار القائم على المساواة، ومن دون ضغط، البداية الأولى لحمل المجتمع بطبقاته كافة على جمعنته. فالتنشئة الاجتماعية تشكل عقدا اجتماعيا يقبله ويحتكم إليه الجميع، وهذا كله وراء تأثير سلطة الخطاب البرهاني، باعتبار أن لا أحدا يمتلك الحقيقة المطلقة أو معرفة جوهر الأشياء، لذلك فهو ينتقد، وبقوة، فكرة الذات على أساس أنها ملكة الوعي والإرادة ويستعيض عنها بفكرة التذاوت القائمة على ما يقابلها في تفاعل أنا / أنت، والتي تصبح من خلال الحوار والنقاش العقلاني المنطلق لتأسيس حقائق متوافق حولها، بعدما عجز الوعي الذاتي عن امتلاك حقيقة واحدة مطلقة ، فالتواصل الناجح تواصل فعال يقود إلى التفاهم، وتحقيق الانسجام، ويهدف إلى تحقيق الإجماع حيث يفرض وجود ذات صادقة ذات مصداقية وأخلاقيات، تمكن من تحقيق الترابط الاجتماعي. وقد أشار " ديريدا" في هذا السياق إلى نقد "نظرية المعنى الهوسرلية"، الصادر عام 1967 في وقت متزامن مع مؤلف عن علم الكتابة ، وكان بوسع "ديريدا" أن يختار موضوعا أنسب من القسم المخصص لـ" التعبير والمعنى" في الجزء الثاني من "أبحاث منطقية " ، من هنا يرتبط التواصل مع "ديريدا" بنقد الوعي الذاتي وتبني الوعي الجماعي، ولعل هذا المعنى هو ما دافع عنه هابرماس. إذن أين تتجلى الرؤية التواصلية لهابرماس ؟ وما هي أبرز معالمها؟ المحور الثاني: هابرماس ومنظوره التواصلي لا يجوز لهابرماس أن يبحث عن العقلانية في تصور ميتافيزيقي خالص، ولا سيما بعد أن فهم الفكر الغربي منذ "كانط" (1724 ـ 1804) باعتبار أن العقل ملكة منظمة وموزعة بين نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي ثم نقد ملكة الحكم، وما يهمنا هنا اختلاف الخبرة في كل هذه الأنساق النقدية، وتوجه الفعل الأخلاقي وفق معايير شمولية وعامة، فإذا كانت الفلسفة الأخلاقية لـ "كانط" تنطلق من أن شعور الإنسان بواجبه صادر من أخلاقية فطر عليها، وأن الأخلاق مطلقة، فإن هابرماس حاول إيجاد بديل لذلك، وما يهمنا عنده، أبرز أفول فلسفة التواصل النقدية، وذلك أن معيارية القوانين لا تستند إلى أي وازع أخلاقي، وإنما يجب أن تكون عقلانية للإرادة الإنسانية في مجتمع يتميز بالصعوبة والتعقيد وسيطرة الأنساق . وعليه فالتواصل عند هابرماس يفرض أخلاقيات عقلية ينبغي توفيرها في طرفي الحوار أو المناقشة، ليصل كلا الطرفين إلى نتيجة من خلال حديثهما، وبهذا يمكن أن يتحقق التواصل. ويميز هابرماس في التواصل: بين فعلين: الفعل الغائي الاستراتيجي والفعل التواصلي، حيث يعود إلى ماضي الفلسفة، ومن جهة أخرى إلى تاريخ علم الاجتماع، وإن كان ينتصر للنظرية الاجتماعية على حساب فلسفة الوعي، ومبرره في ذلك أن النظريات الفلسفية الأخرى للفعل تناولت الفعل الاجتماعي من وجهة الفاعل، في حين أن النظرية السوسيولوجية تعتمد على المتحاورين، إذ ترتكز على تجميع المعارف التي يشكلها المتحاورين، تجميعا ضروريا وكافيا للتأويلات التي يعطونها للوضعية، وبهذه الغاية يتقبلون التواصل بواسطة اللغة أو بالأحرى، بوسيلة أخرى لتبادل المعلومات ، ويشير حسن مصدق إلى أن هابرماس قد استند على مسلمة التحول اللغوي في دراسة أوجه العلاقة بين المتكلم واللغة، وتخلل ذلك دراسة مقاصد المتكلم، وأدائه اللغوي والإيعازي( الفعل الداخل في القول والفعل الحاصل بالقول ، هذا يعني أنه لا بد من فعلين في القول أو في التواصل، أحدهما داخلي منفعي والآخر خارجي لتحقيق التواصل. ويرى هابرماس من الناحية التاريخية أن التحول من الفعل الاستراتيجي إلى الفعل التواصلي حدث في حقل السوسيولوجيا، وهو من إبداع علماء الاجتماع، وهذا كان مبررا كافيا لهابرماس إذ قال: " إن تحول البراديغم الذي انتقل من الفعل الغائي إلى الفعل التواصلي بدأ مع ميد ودوركهايمر، فماكس..."  وقد انتقد هابرماس النظريات الفلسفية والاجتماعية السابقة التي لم تهتم بتطوير الفعل الاجتماعي، إذ بقيت سجينة التصور الفلسفي الأرسطي لمفهوم الفعل الغائي، في حين أن المقاربات الأخرى التي لفت لها الاهتمام، فهي لم تنجح في تطوير مفهوم الفعل، بحيث يكون التوافق مؤسسا بين الفعل الغائي والفعل التواصلي على اللغة التي بدورها تربط بين الأفعال، فالتفسير الذي لا يرتكز على دور اللغة في المجتمع لفهم الأفعال الاجتماعية، هو ما دفع هابرماس إلى التركيز على اللغة في نظريته، خاصة فيما يعرف عنده بالمنعطف اللغوي ، هذا يعني أن النظريات الأخرى لم تهتم باللغة في فهم الأفعال، لأنها مبنية على المنفعة والغائية.وقد ركز هابرماس اهتمامه على الفعل التواصلي، لأنه مبني على الحقيقة والأخلاق العقلية، وقد ربطه بالعالم المعيش ، يعني المجتمع الذي يغيش فيه الفرد بعاداته. وبهذا فهابرماس انتقد النظرية الفلسفية للفعل الذاتي، على أساس أنها لا تنظر إلى الفعل الاجتماعي كفعل تواصلي، لأن هدفها ليس التواصل بل تحقيق أغراض أخرى مختلفة تهم الفرد في حياته بمعزل عن الآخر، وهذا الأمر الذي جعل يوركن هابرماس يلح على الاهتمام بالفعل التواصلي لأنه فعل أساس يحقق التفاهم والاتفاق، وبه نبني مجتمعا مصغرا يمكن أن يتطور بدوره إلى مجتمع قائم على الانسجام. وعليه فالتصور الخاطئ الذي يقضي باعتبار الفعل الاجتماعي وسيلة للتعبير عن حالات الوعي، تساوق مع النظرية الماركسية التي تشير إلى الفعل الاجتماعي، كانعكاس لوضع اجتماعي واقتصادي وسياسي، أي نظرية اللغة باعتبارها تعبيرا عن الواقع، وتجسيدا له، ولدت تصورا اجتماعيا يقول بالتمثيلية للممارسات الاجتماعية، كأن يعتبر سلوك وخطاب أي فرد تعبيرا عن المصالح المشتركة والوعي الجماعي، وغالبا ما تتم معاينة الفئة أو الجماعة كروح واحدة، لها تمظهرات متشابهة، فالجماعات ومصالحها لا توجد ولا تتشكل قبل تشكيل الفعل الاجتماعي . ومعنى ذلك أن التواصل حسب هابرماس يرفض فلسفة الذات مقابل فعل تواصلي يعكس رؤية جديدة على حسب الرؤية التي كانت تتسم بها ذات الفرد في المجتمع، باعتبارها كانت ذاتا احتكارية مركزية وانغلاقية, أي أنها لا حاجة لها إلى الآخر، وإنما حاجتها تتجلى في خدمة مصلحتها. ومن وظائف الفعل التواصلي: وظيفة التفاهم : وتعد من أبرز وظائف التواصل فتحقيقه في العملية التواصلية بين الأفراد يحتاج إلى شروط ضرورية من اللازم أن تلزم الأطراف المشاركة، ومنها ما يلي: ـ تصنيف الأفعال اللغوية الهادفة للتفاهم (تعبيرية، تمثيلية، تنظيمية،...). ـ إضافة إلى الصدق في القضايا، وصحة ووضوح قوله .  وقد شكلت هذه الشروط التي تحدث عنها "فرانك مانفريد" في كتابه انشغال التداولية الكلية المرتكزة على اللغة في بعدها التداولي لفهم الوظيفة التواصلية، حيث أجد أن العديد ممن اشتغل على هذه الشروط مثل "مارتيني" و"كرايس"، وأبرزها هابرماس بوضوح في الجدية والوضوح الصحة والصدق والحقيقة، وكلها مصطلحات اجتماعية. ويؤكد هابرماس على دور التفاهم في خلق مجتمع تواصلي، فالوظيفة الأساس للتفاهم تتمثل في تنشيط الاتفاق المعياري المحترم بين أطراف الجماعة، ولا يكتفي بربط الفعل التواصلي باللغة فحسب، بل بالعالم المعيش، وما يشمله من خصائص وخصوصيات، من ثقافة ومجتمع وشخوص. ويلاحظ أن هابرماس يميز في صلب هذه النظرية بين الاتفاق والتفاهم. فالاتفاق يتميز بكون الشخص من الممكن أن يتفق لكن دون أن يتفاهم، وفي هذا السياق يفترض هابرماس سؤالا عريضا ولعله يشكل أساس نظريته، هو كما يلي: ما الفعل التواصلي، وما وظائفه؟ ولماذا ربطه هابرماس بالعالم المعيش؟. إن الفعل التواصلي حسب هابرماس يحدد من خلال علاقة العالم المعيش بالفاعل سواء أكان الفعل تواصليا أو استراتيجيا غائيا، ويمكن التمثيل له بالعلاقة الأفقية والعمودية:  عالم  مستمع متكلم فاعل من خلال ما سبق يتضح أن التفاهم المنشود والمجسد للفعل التواصلي بين الفاعلين يميز بين الفعل اللغوي والأفعال الأخرى، كالأذاتية، أو الغائية المساهمة في تحقق النجاح الذاتي، قال "هابرماس" أسمي:"فعلا أذاتيا موجها نحو النجاح عندما أعتبره على شكل قواعد تقنية للفعل وأقيم درجة فاعليته بمدى التداخل في سياق حالة الأشياء والأحداث، كما أسمي فعلا استراتيجيا للفعل الموجه نحو النجاح عندما أعتبره على شكل قواعد اختيار عقلاني، أقيم درجة فاعليته بالتأثير الممارس على قرارات الشريك العقلاني.... ، أي أن الفعل الاستراتيجي فعل هادف إلى النجاح النفعي في الحياة، وفرض السلطة على الآخر. وتجدر الإشارة إلى أن تحديد هابرماس للفعل التواصلي يستلزم اعتبار الفاعلين المتكلمين والمستمعين، الذين يحيلون على بعض الأشياء المنتمية إلى العالم الموضوعي الاجتماعي أو الذاتي متناقلين فيما بينهم دعاوي الصلاحية، حيث من الممكن أن تكون مقبولة أو محل نزاع . وعليه فالاتفاق يتعلق بأسباب خارجية، في حين أن التفاهم يقوم على الاتفاق، فإذا تفاهمنا فنحن ضمنيا قد اتفقنا، فهو لا يستند لأساس خارجي، أساسه القناعة، فالتفاهم يقوم على اتفاق بشروط التصديق مستندا إلى قناعات وموافقة المشاركين في التواصل على صلاحية تلفظ ما . من هنا فالاتفاق فعل خارجي، لكن التفاهم مرتبط بالقناعة الشخصية الداخلية. ويضيف محمد الأشهب إلى ذلك أن التفاهم يعني موافقة المشاركين في التواصل على صلاحية تلفظ ما، في حين أن الاتفاق يعني الاعتراف الذاتي بدعاوي الصلاحية، المعلنة من خلال كلام المتكلم، فهذا الفهم للتفاهم لا يقف عند حدود الاتفاق حول صلاحية الألفاظ فقط، بل الهدف منه الاتفاق فيما بعد حول المعايير الاجتماعية والأخلاقية التي تحكم المجتمع، لأن اللغة ليست مجرد أداة لنقل المعلومات فحسب، بل وسيلة لها ارتباط بالفعل، فالاستعمال الهابرماسي للغة يقترب إلى حد ما من ذلك الاستعمال بخصوص اللغة العلمية، التي تكون فيها المنطلقات بارزة، وهذا ما ييسر عملية التفاهم . وعليه فالغة لها دور مركزي في المجال التواصلي عند هابرماس. وقد وقف هابرماس في شرحه للتفاهم على إعداد للإرادة، في إطار طائفة تواصلية تنصاع لضرورات التعاون، وكان بالإمكان من وجهة نظر هايدكر وديريدا أن تنسب الآفاق التي خلق عبرها معنى فهم العالم، ليس إلى الوجود الإنساني الذي يفرض ذاته بشكل بطولي أو لحدث تاريخي، حيث يعيد البنى بدون معرفة العاملين، بل إلى عوالم معاشة، بنيت على التواصل وتعيد إنتاج ذاتها عبر الوسيط الملموس للفاعلين موجهة نحو التفاهم . إن التفاهم عند هابرماس مدخل للحديث عن الإجماع كغاية قصوى، لأن هدفه الأساس خلق تواصل حقيقي بين الإنسان والمجتمع، وهذا الأمر لم يكتب له التحقق إلا إذا لجأنا إلى الإجماع القائم على الشروط الآتية: العدالة، الحرية والتعبير عند الفرد، ليبرز حضوره باعتباره عنصرا من عناصر المجتمع، يفرض حتميات، وكما تفرض عليه إكراهات في إطار علاقته بالآخر. ومن خلال تأكيده على ضرورة الاتفاق والتفاهم، أراه يطمح إلى تحقيق نظرية للإجماع، تهدف إلى تحقيق إجماع مشترك بين المتخاطبين بصدد قضايا معينة، تكون محط نقاش وتداول، لأنه في غياب أي إجماع بين الأطراف الفاعلة في العملية التواصلية، يعني فشل الفعل الذي يمكن أن يترتب عن ذلك، لأن هابرماس ربط بين اللغة والفعل ، ولهذا فبناء الفعل التواصلي ينطلق من بناء علاقة اجتماعية قائمة على الاحترام وتبادل الآراء والمواقف. يقول هابرماس إن السلوك التواصلي يخضع لدعاوي قبلية كلية، بغية خلق الظروف المواتية للوصول إلى الإجماع من خلال سيرورة تبادل الحجج، دون جعل أحد طرفي الحوار وسيلة للوصول إلى أهداف شخصية خاصة، فالحجة داخل التواصل الاجتماعي تهدف إلى التأثير على اعتقاد المتلقي وعلى سلوكه، إذ يجوز لنا أن نقبل أو نرفض بحسب اختياراتنا وأرائنا ومصالحنا، كما يمكن أن نبدي لاحقا موقفا إيجابيا من حجة كنا نتحفظ منها من قبل ، يعني أن الإجماع بين المتكلم والمخاطب يقوم على الحوار والمناقشة، وكذا تبادل الرأي، إلا أن ذلك يحتاج إلى البراهين التي تثبت صحة قول ما ليقتنع به الآخر، ويتم بذلك الإجماع حول فكرة واحدة. وبهذا فإن هابرماس يبين أنه لاشيء يحصر الإقناع والبرهان والانتصار في مجالات البلاغة والعلم والحرب، إذ أن هناك تداخلا بين هذه المستويات المختلفة، ما دامت تنتمي إلى الجنس التواصلي الحجاجي الواحد، وكما يفترض أن يكون للإنسان دور أساس في نسج علاقات مختلفة مع أفراد المجتمع. وقد أشار فلاسفة الحداثة بألمانيا والفلاسفة الأنجلو ـ ساكسونين شمولا، إلى أن تكون العلاقات الرابطة بين الأنا والآخر مبنية على التفاعل أو الحوار أو التنازع لكنها تبقى، كما أشار إلى ذلك فرانك، مرتبطة بالهدف الأسمى والنهائي المتعلق بقصد التفاهم وتحصيل الإجماع ، فعلى الرغم من الجدل والنقاش يجب أن ننتهي إلى الإجماع. لا يجب أن تغيّب فكرة الإجماع التي ينادي بها هابرماس عن فكرنا وذهننا فكرة التنازع والخلاف، لأنه إذا كان الإجماع غاية نصبو إليها، باعتبارنا متحاورين، فالنزاع يعتبر في مقابل ذلك منطلق، وفي إطار هذا الارتباط بين الإجماع والتنازع يشترط هابرماس فكرة الهدف شرطا أساسا، لأن الإجماع يسعى إلى إجماع عقلاني يقوم على شروط حجاجية مبنية على أسس صادقة، لأن الحوار في هذا الاتجاه يهدف إلى تحقيق التفاهم، وهكذا يتم تجاوز التنازع الحاصل بين أطراف الحوار، إذ يرى من خلال نظريته هاته، أن الوصول إلى الاتفاق ليس شيئا إلزاميا، والهدف من الدخول في قضية المحاججة، أو المحاجة بالنسبة لهابرماس هو الوصول إلى وضعية مثالية للتواصل، وبها نحقق مجتمعا متوازنا ، قائما على نسق من المبادئ والمعايير المحددة لأسس الحوار والتفاهم الإنساني الحر . أي أن الوعي الفردي لا يمكن أن يتمثل إلا ضمن المجال الاجتماعي، في إطار التداخل مع باقي أعضاء المجتمع، ولعل هذا مؤسس على مفهوم الحقيقة عند هابرماس، فالحقيقة عنده مبدأ مساهم في عملية الإجماع، أي يجب أن يرتبط التواصل بحقيقة معينة، وغيابها يؤدي إلى انعدام التواصل. يربط هابرماس الحقيقة بالعقل البشري رافضا الطرح الميتافيزيقي وطرح العلوم الحقة أيضا، فالحقيقة في نظره لا تتأسس أنطولوجيا، وليست هبة التجربة، وإنما تتأسس على العقل وتهدف إلى الإجماع، لأن العقل مرجعية أخيرة للمفكرين والمتكلمين من البشر في الواقع اليومي كما هو الحال في العلم، عقل ليس بمفهوم المثالية الألمانية، لا يعيش خارج التاريخ، بل كما بين ذلك هابرماس في كتابه "الفكر ما بعد الميتافيزيقي:" أن الوعي الترنسندنتالي يجب أن يحقق نفسه في الواقع، وبذلك يتحول إلى كائن تاريخي من لحم ودم. ومع هابرماس ستعيش الفلسفة تحولا براديغميا، أي أن الفلسفة كنظرية عقلانية، عليها أن تحصن مفهومها المركزي المتمثل في العقل البشري ، ذلك العنصر البسيط الذي تقوم عليه الذات، ويساعدنا على التفكير بالطريقة السليمة. ترى نظرية الحقيقة كإجماع أن الحقيقة والصحة ادعاءات صحة تنتمي إلى مجال الخطاب دون أن تنكر الاختلافات المنطقية بين الخطابات النظرية والتطبيقية، في حين أن نظرية الحقيقة الميتافيزيقية توضح صحة القضايا التطبيقية بالطريقة نفسها الموظفة في فهم القضايا النظرية، وكذلك أجد أن نظرية الإجماع تفرق بين الأنظمة المكونة من تجارب ومعلومات وأفعال، وبين الخطابات التي لا بد من البرهنة على صحة ادعاءاتها. وكما تفرق بين ادعاءات الصحة العبر ـ ذاتية واليقنيات الذاتية ، وعليه فنظرية الإجماع تقوم على الحقيقة العبر ـ ذاتية الرابطة لعلاقة الإنسان بالآخر. وينتقل هابرماس للحديث عن ظروف الكلام المثالية، والتي لا يمكن أن يتحقق بدونها التواصل، وهي المساواة في الفرص، والحرية في التعبير عن المواقف الحياتية لأن هضم حقوق بعضهم، من شأنه أن يقف عائقا أمام التواصل، وعليه أمام الحقيقة أيضا، لأن الحقيقة تقوم على البرهان والاستدلال، وليس على التنازع والقهر، والاستبداد، وهكذا نكون أما حقيقة عبر ـ ذاتية ترتكز على العقل. ويهدف العقل التواصلي إلى أن يصل العقل الكامن فيه إلى التداخل والترابط المؤدي إلى التفاهم وتداخل الحقائق، فالقول والفعل مرتبطان، وليس القول هنا بمعنى التصوير والتمثيل أو البيان لكنه يعكس حقيقة الفعل، وعليه فالتواصل يشير إلى ما يفعله المتكلم بقوله، والغرض القصدي من ذلك هو التفاهم بين الذوات. من هنا يرفض هابرماس أن يبقى العقل حبيس فلسفة الوعي القائمة منذ ديكارت على ثنائية الذات والموضوع، والخير والشر ...إلخ، فهو يشير إلى أن فحص اللغة والكلام لن يقتصر على دراسة الجمل من الناحية الصوتية والتركيبية أو الدلالية فقط، بل يجب أن ينتقل إلى مستوى رابع جديد يعنى بتداولية الأفعال اللغوية، أي الانتقال من دراسة الكفاية اللغوية إلى الكفاية التواصلية ، وعليه لا بد من بناء واقع تواصلي ملموس، بشرط أن يكون واقعا هادفا من خلال الممارسات التداولية. وتعد الشروط التداولية مكونا أساسا للتواصل السليم ومنها: الصدق والمصداقية، والصلاحية المعيارية ، والصدق المتحدث عنه يلزم صدق القضايا ومصداقية وعدم تزيف عبارات المتكلم، أي يجب على المتكلم ألا يكون في حديثه تعقيد حيث لا يفهم كلامه، ولا ثرثار فيطنب في التعبير عن نواياه ومقاصده، في حين أن الصلاحية المعيرية تفرض استخداما للعبارات والكلمات مطابق للسياق المتعارف عليه في لغة مجتمع المتكلم، وقد يضاف إلى المستوى الثالث، مستوى المعقولية، لأن الغرض الأساس عند هابرماس هو الوصول إلى تواصل عقلاني مبني على شروط الحوارية والمحاجة مستفيدا من اجتهادات التداوليات الكلية المنشودة عند مجموعة من الباحثين، وهذا ما منح الفكر المعاصر الوسائل الضرورية لاكتشاف العقل المجسد في الفعل التواصلي. ويتضح من خلال ماسبق أن الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه الفلسفة صياغة نظرية للحداثة ولعقلانية جديدة، مرتبطة بسياق اجتماعي مموضعة في التاريخ، ومعقلنة للفعل والسلوك الإنساني والمعرفة والكلام، حيث قال هابرماس: " المهم في الأمر هو أن الانتقال من السندس إلى الضامن لا يتم تحليليا، أو بواسطة الاستنباط يتعذر علينا إملاء الانتقال إجباريا من زاوية منطقية، تتوفر على حافز عقلاني" ، لكن يجب الارتباط والتمسك بكل شيء عقلاني، ويضف هابرماس قائلا بأنه لم لم يتم إنجاز الاستدلالات العقلية بطريقة تحليلية، لذلك تم إراد حكم وسيط في صلب الاستدلال غير المباشر للوصول إلى صدق القضايا، ويكون محددا انطلاقا من التماسك الخطابي بدعاوي الصلاحية، وهذا ما تصبو إليه نظرية الإجماع بشكل شمولي ، لأن الصدق المنطقي يرتبط بالعقل الإنساني، ويسهل عملية التواصل بين الطرفين. من هنا فالعقل رغم صفته الإجرائية الخالصة، المتخلصة من كل رهان ديني أو ميتافيزيقي، فهو ينخرط دفعة واحدة ضمن سيرورة الحياة الاجتماعية لخدمة الفهم المتبادل، إذ يؤدي دور "آلية" ترمي إلى تنسيق العمل. فالأعمال التواصلية عامة تشكل نسيجا يتغذى من موارد العالم المعيش، وتشكل نتيجة لهذا "الوسيط " المعتمد في إنتاج أشكال الحياة ، مما يوحي إلى أن هابرماس متشبت بفكرة مفادها بلوغ عقلانية جديدة يسميها العقلانية التواصلية في مقابل الأذاتية المرفوضة عنده للأسباب المذكورة، حيث تكون عقلانية تواصلية تضع على رأس إواليتها إعادة ربط صلة الفرد بالآخر الشريك دون ضغوط أو إكراه بغية تشكيل لحمة النسيج الاجتماعي وفق أنموذج إيستتقا المناقشة ، والمؤدية إلى تأسيس معايير مؤسسة بطريقة قبلية تسهل عملية الحوار والنقاش. وقد توصل هابرماس إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكنه تأسس نمط تواصلي جديد، يعبر عن مجتمع جديد دون أن يبلغ النقد الأداة اللغوية التواصلية الأولى، سواء تعلق الأمر بالتواصل الذاتي أو العبر ـ ذاتي باعتباره الركيزة الأساس لعملية التشارك الاجتماعي ، بل لا بد من اللغة التي تعد أساس المناقشة بين طرفي الحوار، وعماد النشاط التواصلي أيضا، أي الوسيلة الأساس المشكلة لبرنامج هابرماس التواصلي.

المزيد على دنيا الوطن .. http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2014/06/28/334319.html#ixzz36Cl6NwMG


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق