]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أبناءُ بـطـوطـة.

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-06-23 ، الوقت: 09:49:48
  • تقييم المقالة:

 

(الكلمة التي ألقاها الخضر الورياشي في فندق ليونور السياحي بمنطقة بني شيكر، أثناء الرحلة الثقافية، التي نظمتها جمعية رابطة الأدباء الشباب)

 

 

 

 

تقترنُ الرحلة بالبحث والاكتشاف.. وكلُّ راحل، أو رحَّالةٍ، عمَّا يبحث، ويريدُ أن يكتشفَ...

فهناك من يبحث عن المال، وهناك من يبحث عن العلم..وهناك من يبحث عن الدنيا، وهناك من يبحث عن الآخرة..وهناك من يبحث عن نفسه، وهناك من يبحث عن الآخرين

وفي كل رحلةٍ جديدٌ، ومثيرٌ، ومفيدٌ، ومُمْتع... ولذا قالوا بأنَّ في السفر سبعةَ فوائد؛ ذلك أنَّ الرحلة لا تكون رحلةً إلاَّ بالسفر، وأحياناً يكون في السفرـ وبالتالي الرحلة ـ أكثر من سبعة فوائد، أو قد تكون فيه أكثر من خسارة... وأكبر خسارة يُمْنى بها الإنسانُ في رحلة حياته هي خسارة النفس يوم القيامة، واستقرارهُ في الجحيم، في الدار الآخرة...

والإنسانُ منذ أن يولد إلى أن يموتَ وهو في رحلات مستمرةٍ؛ بدءاً من الرَّحِم، إلى فوق الأرض، إلى أماكن مختلفة، إلى تحت الأرض حين يتوفاه الله، إلى الدار الآخرة، إلى الأبد...

وهناك رحلة العمر؛ حيث ينتقل الإنسانُ من طورٍ إلى طورٍ...

وهناك رحلة التعلم؛ حيث يتدرَّجُ في درجات العلم....

وهناك رحلة الاجتماع؛ حيث يقطع أشواطَ الحياة من العزوبة والفردية إلى الزواج وتكوين الأسرة...

ورحلاتٌ أخرى، تكون بعضها بمحض الرغبة والإرادة، وتكون بعضها بالإكراه والغلبة...

وقد قرأنا أن اللهَ حينَ أمرَ آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض لم ينزلهما في مكان واحدٍ، بل جعل آدم في مكان وحواء في مكان ناءٍ، كي يبحث أحدهما عن الثاني، ويرحلاَ من أجل اللقاء...

وأنبياءٌ كثيرون، إن لم نقلْ كلَّهم، عرفوا الرحلة، وخرجوا من ديارهم إلى ديارٍ بعيدةٍ، هروباً من الظلم والعذاب، وتلمُّساً للأنصار والأتباع... ولذا قيلَ: ـ لا كرامة لنبيٍّ في وطنه...

وما صدقَ على الأنبياء يصدقُ على سواهم من المفكرين، والمصلحين، والأدباء، والشعراء، بل وحتى الفنانين والرياضيين... ألا ترونَ أن كثيراً من النجوم نبَغوا بين أقوام غير قومهم، ولمَعوا في أوطان غير وطنهم؟!

وفي الحياة الحديثة رأينا ناساً من أهلنا وجيراننا رحلوا من أوطانهم، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش، إلى أوطان أخرى، سعياً وراء سبلٍ أضمن للعيش الكريم، والرزق الوفير...

ناهيكم عن الذين يرحلون من أجل استكمال دراسات خاصة، أو إنجاز مهام محددة، أو العلاج، أو حتى الفرار لأسباب مختلفة...

وأجملُ الرحلات ما كانت في ربوع الأرض؛ حيثُ يستمتعُ الإنسانُ بحُضنِ الطبيعة، ودِفْءِ الشمس، وحنان البحر، وهدوء الجبال، وعزْفِ الرياح، ورقْصِ الغابات، وأُنْسِ الطير والفراشات... فكلما كان الإنسانُ قريباً من هذه العناصر إلاَّ وتفتَّحت نفسُه للخير والجمال، وشعر أنه كائنٌ خفيفٌ من الهموم والأوجاع... أو قد يشرقُ عَقلُه بأفكار، أو قبسٍ من نور الله ووحْيِه؛ والنبي محمد ـ ص ـ أتاه الوحيُ وهو في غار حراء.. والنبي موسى رأى النار المقدسة في الوادي.. والنبي داوود ردَّدتِ الطيور أناشيدَهَ وهو في الجبال.. والنبي سليمان لم يشعر الناس بعظمة مُلْكِه إلاَّ وهو يسخِّرُ الرياح.. والنبي نوح لم يرتحْ من سخرية قومه إلا وهو فوق أمواج البحر... !!

ورجالٌ كثيرون لو لم يرحلوا ما ذكرهم الذاكرون، ولا دخلوا التاريخَ، وهكذا تكون الحركة في الجغرافيا سبباً في غنى التاريخ، وغنى الإنسان قبل ذلك؛ فهو يتزوَّدُ بالمعرفة من خلال ما تلتقط حواسُّه من مشاهد، ومعالم، وآثار، وعادات، وسلوكيات، وخبراتٍ؛ (فابن بطوطة قبل أن يجوبَ البلاد ويطوف بالأمصار شرقاً وغرباً ليس هو نفس الرجل الذي آبَ إلى وطنه، وجلس في مقعد العلم والقضاء يُمْلي خبرته وتجاربه، ويقال مثل ذلك عن ابن خلدون وابن جبير والبيروني وابن حوقل والمقدسي والإدريسي، وغيرهم.) (1)... والإمام الشافعي قال في أبيات مشهورةٍ:

سافرْ تجد عِوضاً عمَّن تفارقُه

وانصبْ فإنَّ لذيذَ العيش في النَّصب

إني رأيتُ وقوف الماءِ يفسده

إنْ سالَ طابَ وإن لمْ يجْرِ لم يطبِ

والشمس لو وقفت في الفلك دائمةً

لملَّها الناسُ من عجم ومن عرب

فيا أيها الناس لنكن مثل الشمس، ومثل الماء، لا نقف، بل نمشي في الدنيا، ونسيرُ في الآفاق، ونرحل. وإنْ لم نستطع أن نرحل بأقدامنا، فعلى الأقل نرحلُ بأرواحنا؛ فالأرواح لا تعرفُ القيودَ والأغلال...

ولا يدورُ بِخلَدِكم أنَّ الرحلةَ تتمُّ خارج البلاد المحلية فقط، بل تتمُّ كذلك داخل البلاد؛ فأحيانا يُفَضَّلُ أن يقوم الإنسانُ برحلات في بلاده، ويسافر فيها، كي يعرفها، ويستمتع، ويستفيد بما حباها الله من مناظر جميلةٍ، وآثار بديعةٍ.. (وكان القديس أوغسطين ينصحُ تلامذته بقوله: بل اجلسوا.. اجلسوا.. وما هذه الأنهار والجبال والوديان والنجوم والفتيات.. بلادُكم أوْلى بكم.. بل نفوسكم أعمق.. فانظروا فيها..) (2).

فانظروا معي إلى هذا المكان الذي رحلنا إليه اليوم بعيْنِ المحبَّةِ، كما نظرَ رسول الله إلى جبل أُحُد، وقال عنه: إنه جبلٌ يحبنا ونحبَّهُ...

وكل رحلةٍ أنتم طيبون وأنتن طيبات...

ــــــــــــــــــــ

    فؤاد قنديل: أدب الرحلة في التراث العربي. أنيس منصور: أعجب الرحلات في التاريخ.

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق