]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

كلاكيت رئاسي ثاني مرة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-06-21 ، الوقت: 13:25:30
  • تقييم المقالة:

كلاكيت رئاسي ثاني مرة

 

محمد الحداد/العراق

كان فوز السيسي بكرسي رئاسة مصرأمراً مَحسوماً سَلفاً في انتخاباتٍ بدتْأقرب إلى الاستفتاء منها إلى معنى الانتخاب..وكنا أوضحنا سابقاً أنهُ لو فكرَ السيسي يوماً أن يرشحَ نفسهُ لسباقِ رئاسةِ مصرَ فسوف يفوزُ فيها حتماً وهذا ما حصل تماماً..قلنا ذلك يوم أن كانتْ مسألة ترشحه للمعترك الرئاسي فرضية غير محسومة لكنمع تصاعد وتيرة الأصوات الشعبية التي كانت تطالبهُ آنذاك بترشيح نفسهِ كان السرابُ الرئاسيّ البعيد يتبددُ شيئاً فشيئاً ليصبحَ أملاً في متناول اليد..وقيمة الخطوةِ التي كان يمثلها ترشح السيسي هي الفكرة ذاتها لا الجرأة في إعلانها ولا الإقدام عليها ولا حتى تنفيذها لاحقاً..تلك حقيقة ربما لن نجدَ مَنْ يُخالفها بقدر الخِلاف الذي ينحصرُ اليوم في قيمةٍ جدليةٍ من نوعٍ آخر يُمكنُ تلخيصها في سؤالٍ سيظلُّ يحومُ طويلاً حولها : هل كانت خطوة السيسي بترشيح نفسهِ تكميلية فحسب بحيث يمكننا عدَّها استجابة عفويةً بريئة جاءتْ مُتسقة مع سير الأحداث ولبّتْ مطلباً شعبياً متزايداً ؟ أم تُراها خطوة مدروسة بدقةٍ ومحسوبة بذكاء ضمن خطوات الطموح السياسي المُبيَّت؟

رغم أني أميلُ إلى قوةِ الشق الثاني من السؤال وأرجحُ احتماليتهُ أكثر وسأظلُّ أقرأها كحلقةٍ مُتممة لسلسلةِ حلقاتٍ متتابعة رُسمَتْ بمثابرةٍ وصبرٍ ابتدرها السيسي بجرأةٍ فائقة وابتدأ خطواتها حتى قبل أن يطيحَ بمرسي وينهي بذلك حكم الإخوان..لكن عدا هذا وأيّاً ما كان الجواب على سؤالنا الجدلي فستظلُّ خطوة السيسي هذهِ إحدى أهم مفاجآتهِ المتوقعة التي أنهى بها جدالاً طالَ كثيراً..نعرفُ أنهُ لم يكن من السهل بمكانٍ على رجلٍ أفنى جُلَّ حياتهِ في خِضمِّ مؤوسسةٍ عسكريةٍ صارمة أن يحسمَ أمرهُ ويخلعَ بدلتهُ العسكرية المَهيبة ويدخلَ مُعتركاً انتخابياً كان الغريبُ فيهِ أنهُ لم يكن ساخناً كفاية كما توقع الكثيرون لأنهُ اكتسح بيسرٍ منافسهُ الأوحد حمدين صباحي الطامح للمجد الرئاسي أيضاً وبفارقٍ فلكي كبير..لكنَّ على أيةِ حال يظلُّ السيسي مواطناً مِصرياً أولاً وآخراً ويمكننا ببساطةٍ إدراج خطوته الجريئة هذهِ بمعية حمدين صباحي ضمن الطموحِ الشخصيّ المشروع لكليهما.. بالنسبة لصباحي لم يكن ترشحهُ يحملُ أية غرابةٍ تُذكر لأنها جاءتْ تتويجاً طبيعياً لمشوارٍ طويل قضاهُ الرجلُ في دروب السياسةِ وسبق لهُ أن رشّحَ نفسهُ من قبل في الإنتخابات الأولى التي فاز بها محمد مرسي لكنَّ الأمر مع السيسي كان يحملُ معنىً آخر مُختلفاً تماماً .

المهم أنَّ السيسي أدّى قسَمَهُ الرئاسي أخيراً وأصبح رسمياً سادسَ رئيسٍ في تاريخ مصر وثانيَ رئيسٍ مُنتخب..تحققَ حلمهُ الرئاسي وتوّجتْ خطواتهُ الجريئة بدخولهِ القصر الرئاسي وعليهِ الآن أنْ يتعاطى مُضطراً مع تركةٍ ثقيلةٍ مُتراكمة أورثَ نظام مبارك حِملها الأكبر وزيدتْ عليها أثقالٌ وأعباءٌ جديدة فرضتها ظروفُ المرحلة الساخنة التي تلتْ ذلك خاصة أثناء تولي الإخوان الحُكم واستمرتْ حتى أثناء الفترة الإنتقالية التي كان الرئيس المؤقت عدلي منصور يديرُ فيها شؤون البلاد..تركة لا يمكن تجاهلها أبداً أو التقليل من شأنها وزادَ من صعوبتها أنها تركة ألقتْ بظلالها القاتمة على واقعٍ مُلتبسٍ حاولَ جاهداً ألا يكون إلا مِرآةً لنفسهِ فحسب دون أن يعكسَ أية صورٍ قاتمةٍ أخرى من رواسبِ ماضٍ ليسَ من السهل نسيانهُ..ماضٍ كان وسيظلُّ عصيّاً على المطاوعة..وحاضر عسير أخفق في أن يتشكلَ بطورٍ جديد يَعِدُ بمستقبلٍ مُغاير..

أثناء حملتهِ الإنتخابية الرئاسية حاول السيسي أن يُرسلَ رسائلَ اطمئنانٍ واضحة لكلِّ المصريين بأنَّ العلاقة بينهُ وبين الإخوان تعتبرُ بمثابة مسألة وجود أوعدم..كان يريد أن يظهرَ أمامهم صارماً وجاداً وعازماً على القضاءِ على تنظيمهم إلى الأبد فيما لو أصبح رئيساً لمصر وظلَّ يؤكدُ غير مرةٍ أنَّ مدَّ يد المصالحة لهم أو التفاوض معهم مستقبلاً سيظلُّ خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منهُ مطلقاً..كانت تلك التصريحات تسقطُ على الإخوانِ ومناصريهم كَرجومٍ من سجّيلٍ مُستعِر لكنَّ أنصارَ السيسي كانوا يتلقفونها وكأنها موسيقى رومانسية دافئة ظلَّ السيسي يبث أنغامها لهم في عزفٍ منفردٍ بأوتارٍ داعبتْ مشاعرهم ودغدغتْ أحاسيسهم الوطنية..كان السيسي يبدو بذلكَ وكأنهُ قطعَ بينهُ وبين تلك الملايين من الجماهير التي انتخبتهُ لاحقاً وعداً لا رجعة فيهِ أشبه ما يكون برهانٍ مُبرمٍ بين طرفين يلتزمُ فيهِ السيسي بالقضاءِ على الإخوان إلى الأبد ويعيدُ لمصر أمنها المفقود مقابل أن توصلهُ أصواتُ الشعب إلى قصر الرئاسة..رهانٌ بدا لي آنذاك أشبه بسُلّمِ إنقاذٍ خلفي اضطراري لكنَّ المهم أنهُ كان يبدو لطرفي الرهان آمناً تماماً وفاعلاً أيضاً كوسيلةٍ متاحةٍ لا بديل لها خصوصاً لأنصارهِ المشحونين بغضبٍ مسبقٍ من الإخوان لكنَّ هذا الرهان لم يكن أكثرَ من وسيلةٍ سياسيةٍ مضمونة النتائج كان الغرض الحقيقي منها أن توصلَ السيسي بسرعة إلى قصر الرئاسة..

لكن باستثناءِ خطفهِ لكرسيّ رئاسة مصر ما الذي سيظلُّ في جعبةِ السيسي من مفاجآت كبرى؟ ما الذي يمكنُ أن يستخرجهُ من صندوقِ عجائبهِ المثير لكي يديم بهِ على الأقل زخمَ بريق الصورةِ الساحرةِ التي حاول جاهداً أن يرسّخها في الضمير الجمعي الشعبي العام مصرياً وعربياً ودولياً ؟ المرحلة المقبلة تبدو أصعب بكثيرٍ من المراحل التي مضتْ رغم أنَّ إطاحة السيسي المُدوّية لمرسي وضرباته الموجعة القاصمة والمتلاحقة للإخوان سُجلّتْ عليهِ كإحدى أصعب المراحل التي مرّتْ عليهِ وعلى مصر كلها..

انتهى زمن الكلام ودقتْ ساعة العمل ووضعَ السيسي على محكِّ إنجاز كلّ ما وعدَ بهِ ..ولن يظلَّ من سيسي اليوم والغد الكثير من سحر سيسي الأمس ..فسيسي العزلِ أو الإطاحةِ أو الانقلابِ على أولِ رئيسٍ مصريٍّ مُنتخب بعيونٍ إخوانية لن يظلَّ هو ذاته وهو يصارعُ البقاءَ خشية احتمال تذوق حنظل العزلِ أو الإطاحةِ أو الانقلابِ وربما التصفيةِ أيضاً بعد أن أصبحَ رئيساً منتخباً ثانياً على أنقاضِ رئاسةٍ سابقةٍ منتخبةٍ أيضاً بعيونٍ إخوانية كذلك ..حقيقة ملتبسة لا زالتْ في طور تشكلها الأول حتى وإن بدتْ اليوم غائمة تماماً لكنَّ بطونَ الغدِ حَبَالى بما يوضحُ صورتها أكثر في مشهدٍ مصريٍّ قادمٍ لن يقتصرَ الأمرُ فيهِ على ذلك فحسب بلأنَّ مستودعَ مفاجآتِ السيسي في صندوقِ عجائبهِ المثير سيقلُّ منسوبهُ مع الوقت تدريجياً..وربما الأدهى من ذلك أنهُ لن يظلَّ حينذاك بيدهِ أصلاً بل ستخطفهُ أيادٍ أخرى كثيرة سيكون لها أدوارٌ قادمة مثيرة أيضاً..

بعيونٍ مغايرةٍ انظروا إلى الصورةِ المصرية بتمعن بعد فوز السيسي برئاسة مصر..بشرط أن تركن جانباً سكرة الفرح وتستثني خدرَ النشوةِ الذي دبَّ فجأةً في جسدٍ كان متعطشاً لذلك..سترون تفاصيل أخرى مرعبة قادمة ستغدو مصر فيها قِبلة أحداث كبرى حافلة بمفاجآتٍ مباغتة تكتبُ سيناريوهاتها أطرافٌ تقفُ اليومَ بتحدٍّ أمام تلك التي يمتلكها السيسي لتشكل بمجموعها سيناريو مصر الغد وحينها فقط سنعرفُ إن كان السيسي أو سواه من يمتلك منسوباً أكبر في صندوقِ عجائبهِ رغم أنها لا زالت لا تبدو حتى الساعة إلا بيَديِّ السيسي وحده .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق