]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دكتاتور وأغنية

بواسطة: Ali Ahmad Omairi  |  بتاريخ: 2014-06-13 ، الوقت: 01:47:26
  • تقييم المقالة:

كعادتي كل صباح أصل إلى عملي في الساعة الثامنة أجد العمال في انتظاري أمام مخزن البضاعة لأفتح لهم الباب، الذي من خلاله كتب الله لهم رزقهم، فيلقون على تحية السلام باللغة العربية (السلام عليكم ) وأردها عليهم بمثلها أوأحسن منها، فأرى في وجوههم السعادة لأنني وافقت أن أعلمهم بعض الكلمات من اللغة العربية التي يجدون صعوبة بالغة في نطقها، ويجدون لذة في تعلمها بغية التباهي بها أمام زملائهم وأصدقائهم أو أي عربي يزورني في عملي . صباح يوم 23 من يونيو2011، كان مختلفا تماما، فعمالي وكعادتهم بعد الفطور يشربون مشروبا تقليديا في هذه البلاد إسمه (تررية) لم أعرف معنى هذه الكلمة يوما لكني عرفت المشروب، وهو عبارة عن ماء مخلوط بعدة أنواع من الأعشاب الطبيعية ذات نكهة ورائحة طيبة، فكل صباح يأخذون من الوقت نصف ساعة ليتمتعوا بشربه على أنغام موسيقاهم الشعبية التي تبثها الإذاعة الرسمية، ومن محاسن الصدف أنني سمعت أغنية مر فيها إسم الجنرال الدكتاتورالذي حكم الباراغواي وشعبها بيد من حديد (الجنرال ستروسنر) وكنت قد أخبرت أحدهم مرة أنني أحب هذه الأغنية ولا أفهم معناها، والأغنية عمرها ما يزيد عن 30 سنة مضت، وكانت بلغة البلاد الأصلية ( الغواراني ) وهي لغة صعبة ومعقدة. وعند بث الإذاعة لهذه الأغنية خرجت من مكتبي فقال لي أحدهم هذه موسيقاك، ومع وجود الوقت أردت تفسيرا لهذه الأغنية وهنا العجب العجاب الذي أذهلني، فمطلع الأغنية تقول: "نحبك أيها الجنرال ستروسنر" وبما أنني إطلعت سابقا على تاريخ الباراغواي وحقبة هذا الدكتاتور التي ما زالت تكشف حتى اليوم جرائمه، وآخرها منذ فترة وجيزة وتحت مبنى وزارة الدفاع رغم مرورما يقارب أل 20عاما على الإطاحة به، أكتشفت مقبرة، والتي هي عبارة عن غرفة كبيرة لها مدخل واحد سري من أحد مكاتب الوزارة، وكان يتم رمي المعارضين للجنرال فيها وهي مملوءة بالماء حتى لا يسمع لهم صريخا ويموتون بسرعة البرق؛ لكن اليوم اكتشفت هذه المقبرة وبها عظام هؤلاء مع بطاقاتهم الشخصية، بحيث لم يؤثر فيها طول الزمن. فإذا كان هذا هو الجنرال الدكتاتور فلماذا ما زال هذا الشعب اليوم ينادي بحبه والشوق له !؟، وليس هذا فحسب ففي الثالث من نوفمبر من كل عام أرى الناس يحتفلون بذكرى ميلاده ويتوجهون إلى أمام منزل ولده حيث يقيم هذا الأخير، فتتم توزيع الهدايا والمشروبات إحتفاء بذكرى مولد الدكتاتور . ففي الباراغواي اليوم تنتشر حوادث القتل والإغتصاب والسطو المسلح مع انعدام الأمن لم أره في أي دولة زرتها -مع الأسف الشديد- فقد وصل الأمر إلى حد لا يطاق، بحيث لا يمكنك أن تنشر غسيلك أمام بيتك دون حراسته حتى يجف؛ لأنك إن دخلت بيتك وخرجت بعد ساعة فلن تجده..!! وحتى حذائك أجلكم الله لا يمكنك أن تنساه خارج باب منزلك لأنك ستفقده!! وغيرها من الحوادث التي تملأ الصحف والمجلات كل صباح..! أما جرائم القتل والسطو والاغتصاب والانتقام أحيانا بين أفراد عصابات المخدرات وغيرهم فحدث ولا حرج..؟؟ .فمرة سمعت أحدهم في الشارع يقول: "هذه الديمقراطية التي أوهمونا بها، ولم نعرف يوما أن الجنرال كان ضحية لعصابة أرادت السلطة والمال، ومنذ ما يزيد 20 عاما يأتون برئيس ويذهبون بآخر ويتكلمون كثيرا ونصدق وليس باليد حيلة، فقد قضوا على البلد وسرقوه .."!! يقاطعه صديقه فيقول أنا لم أنتخب يوما منذ رحيل الجنرال، لأنني كنت أعلم أننا مع هذه العصابات ننجر إلى الهاوية ولهذا لم نشارك أنا وعائلتي في هذه المسرحية المزيفة التي سموها "ديمقراطية"..مات أبي وهكذا سأموت أنا وهكذا سيموت ولدي وأحفادي أيضا..!! وهنا أحسست في عيون هذا الرجل حزنا وقهرا على ما فات، فرجوته أن يحدثني أكثر ،ففتح لخياله العنان وأعاد شريط الذكريات إلى الوراء وقال كلاما سمعته من كل فقيرعرفته في هذا البلد، لقد كنا ننام بأمان لم يكن أحد يخاف ، لم نكن نشبع ولكن كنا في أمان واستقرار، نخرج إلى أعمالنا ونعلم أننا إن لم تأتي ساعة الموت من الله فلن تأتي من غيره، أما اليوم فإننا نرى الموت في كل لحظة وفي كل شبر حتى ونحن في أسرتنا، نرى الموت عندما نرى أي شخص قادم نحونا أو يسير خلفنا، نرى الجوع والحرمان عندما نمرض، لأننا إن لم نعمل لن نأكل، فإذا مرضنا صلينا لله أن يشفينا بأعشاب نشربها كل صباح، لأننا لن نستطيع شراء الدواء ولا إستشارة طبيب ... نرى الموت في عيون أطفال ملؤوا الشوارع بحثا عمن يسد رمقهم ، وأرى الموت والخراب في بكاء طفل رمته أمه أمام باب كنيسة أو معبد أو دار أيتام، لأنها لا عمل لها لتربيه ...أرى الموت عندما أسمع عن أم تبيع أطفالها بثمن بخس لا يقيها من شرالجوع والبرد سوى شهور ..وأرى الموت عندما أرى شرطة بلدي وجيشها يستغلون مصائب الناس ومشاكلهم بتحويل مساعدات إنسانية قدمت من أجلهم، وحولوها إلى جيوبهم..!! أرى الموت عندما أرى بلدا يقال عنه ديمقراطي فيه دستور وفيه قانون لا يطبق إلا على الفقراء والمساكين..أما الأغنياء فلهم حصانة خاصة لايطالهم القانون..!! أنظر إلى طرقات بلدي كلها من عمل الجنرال السابق، وأنظر إلى وسط المدينة فما زال كما تركه الجنرال الديكتاتور.. وأنظر إلى كل ما في بلدي اليوم نجده من إنجازات الديكتاتور..!! وببساطة أقول لك يا سيدي إن كل ما في بلدي من طرقات وقناطر وسدود وإنجازات هي من ذلك الجنرال..!! تريدني أن أنسى الأمن والأمان.. لهذا نحب الجنرال ولن ننساه ولن ينساه أولادنا ولا أحفادنا..!! نحن الفقراء نعشق هذا الجنرال لأنه كان رغم قسوته يحس بنا ويساعدنا..أحب السلطة وتمسك بها وأراد توريثها لإبنه لكنه أيضا جمع مع هذا الحب حبنا وحب الباراغواي، ولو تقدم إبنه اليوم لخوض المعركة الانتخابية فصدقني لصوتوا عليه ب 80% ؛ لكن للأسف هذا لن يحصل؛ لأنه عاد إلى وطنه - عندما كان منفيا مع والده في البرازيل- تحت شروط منها أن لا يتدخل في السياسة وهذا دليل على أن الديمقراطية التي خدعونا بها مزيفة يوم أن أطاحوا بالجنرال..!! عدت إلى مكتبي مهموما مدحورا وبالتزامن مع ما يحدث في عالمنا العربي من ثورات وإنتفاضات سارعت أمريكا إلى تسميتها بربيع العرب، وتذكرت وزيرة خارجيتها آنذك أثناء حرب لبنان في العام 2006 واصفة الحرب بقولها: "هذا هو المخاض لولادة شرق أوسط جديد .." . وبدأت أتساءل مع نفسي أيمكن أن يكون ربيع العرب مثيلا للديمقراطة التي خدع بها شعب الباراغواي!؟ فذهبت بمخيلتي إلى مصر الحبيبة فرأيت الوجوه تغيرت والحال هو هو..!! انتقلت إلى تونس فوجدتها مشتعلة بين الإخوان والسلفيين والعلمانيين فيما يتعلق بمعارك النقاب..!وجوابهم جميعا الديمقراطية ليست سهلة المنال وسيلزمها بعض الوقت لتستقر ويعتاد عليها الناس، ومن هناك قفزت إلى عراقنا الحبيب وبعد 8سنوات من الديمقراطية، ذهب خلالها الملايين من اللاجئين والمشردين، وآلاف مؤلفة من القتلى..!! الحزبية والطائفية والمذهبية البغيضة تعشش بين الدروب والشوارع والأزقة..!القتل على الهوية..!! القتل على الأسماء..!! القتل على أتفه الأسباب..! مررت لحظة بلبنان بلدي فوجدت ديمقراطيته وباء وبلاء ونباح على شاشات التلفزة، كل يغني على ليلاه، وكل حزب بمالديهم فرحون، نعيش أنا والطوفان بعدي، أنا الزعيم، وأنا القائد، وأنا الأمير،والناهي والآمر، وماسواي هو الضلال البعيد..! نظرت إلى جارتنا سوريا فلم أستطع أن نعرف ما يجري هناك، ولم نستطع أن أفك طلاسيم سحرة الجن والإنس..!! معارضون في بلاد الغرب في قصور يقاتلون بأفواههم، وشعب يقاتل بجسده وشرفه وعرضه..!! سلطة حاكمة تتهم جماعات مسلحة..!! شهداء هنا وهناك..!! قتل وخراب ودمار..!؟ اليمن الديمقراطي رئيس أحترق ، مختفي عن الأنظار..مستقبل مجهول، وشعب يقتل بعضه بعضا..أما الصومال قصة أخرى يرويها لنا الظمأ والعري والجوع..! طائفة مسلمة تقاتل طائفة مسلمة أخرى، والكل يعلل ويتهم الآخربعدم رغبته في تطبيق الشريعة الإسلامية ، والشريعة الإسلامية بريئة منهم..!! هنا تكمن المشكلة وتغيب الحقيقة والشريعة معا..!! توقفت قليلا في ليبيا الجماهرية العظمى فوجدت أناس يقولون إنها حرب صليبية، وآخرون يقولون إنها حرب الحرية والكرامة والديمقراطية..!! رئيس وعدنا بالقتال حتى يوم القيامة، فقامت قيامته وقتل بأبشع طريقة..!! السودان قصة أخرى ربما لا نهاية لها إلى يوم يبعثون..!! ضاعت الأفكار وشوهت الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان..!! كلنا نقاتل بعضنا بعضا ونسينا كتاب ربنا وسنة نبينا التي تقول (القاتل والمقتول في النار) هذه هي لعبة الديمقراطية ياسدة التي أوهمنا الغرب بصلاحها وأهميتها والتي بدأت الشعوب اليوم تستهزئ بها، وفي مقدمتهم شعب الباراغواي الفقيرالذي يتمنى عودة الجنرال الديكتاتور"ستروسنز" وربما قريبا ستطلب الشعوب العربية بعودة حكامها الديكتاتوريين، إذا لم تفقه الحركات الإسلامية اليوم سنن كتاب الله المسطور والمنظور، وخاصة التي أصبح زمام الحكم بيدها، والعدل أساس الملك .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق