]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نظرية التدافع والتجديد عند الطيب برغوث

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2014-06-12 ، الوقت: 17:19:09
  • تقييم المقالة:

نظرية التدافع والتجديد عند الطيب برغوث:

تتأسس نظرية التدافع والتجديد على صعيد الصيرورة الاستخلافية على أربع كليات محورية كبرى , تنبثق منها أربع منظومات معرفية ومنهجية متناسقة ومتكاملة , يؤدي كل منها دوره في الصيرورة الحضارية لحركة التاريخ وهي على التوالي [1]:

كلية الابتلاء :

اقتضت المشيئة الربانية أن يكون قانون الابتلاء , هو القانون الأساس أو المدخل لحركة الحياة البشرية كلها , كما نبه الى ذلك القرآن في مثل قوله تعالى :﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾( الملك 1.2) وقوله سبحانه وتعالى :﴿انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ﴾(الكهف 7)

أي أقدر على الاستثمار الأصيل الفعال المطرد لميزانية التسخير العظيمة التي وضعها الله بين يدي الانسان ليؤدي رسالته في الحياة بكفاءة وفعالية [2]

ونحن عندما نتأمل التاريخ البشري كله نجد سلسلة ملتحمة من الابتلاءات والتحديات الشاملة والمتلاحقة , سواء تعلق الامر بحياة الافراد أم بحركة المجتمعات والامم والحضارات , فالكل ممتحن ومبتلى في ارادته وأمانته وعلاقاته ومكاسب عمله [3]

كلية التدافع :

يعني تسابق وتزاحم وتغالب دائب بين الرغبات والارادات وبين الحاجات والتحديات وبين الافراد والجماعات وبين الثقافات والحضارات من أجل البقاء مرة, ومن أجل تأكيد الحضور والمساهمة مرة أخرى ومن أجل تحقيق ديمومة واطراد الهيمنة والسيادة في نهاية المطاف [4]

وفي القرآن تأكيد قوي للدور لحيوي الحاسم لهذه السنة الاستخلافية أو الحضارية المطردة , كما نلمس ذلك بوضوح في مثل قوله تعالى : ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ (البقرة 249)  وقوله سبحانه : ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ﴾(الحج 38)[5]

فالتدافع قانون استخلافي كلي مطرد , يضمن حيوية وتجديد الحياة البشرية وتحقيق عملية الفرز والتصنيف الاجتماعي والحضاري للأفراد والجماعات والإنسانية , عبر ما يفرضه تعارض الرغابات والمصالح وتباين الوعي وتنوع الفهوم وتفاوت القدرات والارادات من تنافس وتزاحم وتغالب وتدافع وصراع من أجل الهيمنة واستمرارية الحضور مرة  ومن اجل الانفكاك من قيود الاستضعاف مرة أخرى [6]

كلية التداول الحضاري :

ونقصد بالتداول أو المداولة هنا حركة توالي وتعاقب الجماعات والثقافات البشرية على مسرح الحركة الاستخلافية المفتوح على تجارب حضارية متواصلة بلا هوادة [7]

ليمضي الله سبحانه وتعالى سنة عمرانية استخلافية أخرى وهي تداول القيادة الحضارية بين الامم والثقافات والحضارات على ضوء أصالة وفعالية واطرادية التدافع , كما نبه الى ذلك القرآن الكريم :﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾( آل عمران 40) وقوله تعالى : ﴿وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾( محمد 38)

فعملية الاستبدال والمداولة الحضارية بين الجماعات البشرية هي مصب حركة التدافع البشري على كل المستويات سواء تعلق الأمر :

بالمداولة التعاقبية بين النوازع الخيرة أو النوازع الشريرة في الكيان الانساني أولا

أو بقوى حضارية ناهضة تعمل من أجل الافكاك من تبعات التخلف والتبعية والاستضعاف

أو بقوى حضارية منافسة على المواكبة واقتسام النفوذ الحضاري مع المتنفذين

أو بقوى حضارية نافذة ومهيمنة , تعمل على المحافظة على ريادتها وديمومة نفوذها [8]

كلية التجديد الحضاري :

ونقصد بالتجديد هنا الانشحاذ المطرد للارادة الحضارية للأمة والتطوير المتواصل لقدراتها التسخيرية أو الانجازية , والاستثمار الفعال لميزانيتها التسخيرية في رفع مستوى أداء حركة الدعوة والبناء والمواجهة التي تمر عبرها عملية التحول الفكري والروحي والسلوكي والاجتماعي للأمة بغية تمكينها مرحليا من تجاوز وضعية الوهن والغثائية والانتقال بها تدريجيا الى مرحلة المواكبة والمنافسة والقيادة والقوامة الحضارية التي تنمحها امكانية ممارسة مهمة الشهادة والمعايرة [9]

ولمسألة التجديد ثوابت وضوابط نذكر منها على بيل المثال لا الحصر:

شمولية النظرة الى عملية التجديد :

لأن عملية التجديد عملية بنائية تكاملية تراكمية مطردة , لا تجدي فيها النظرة الأحادية الحدية التي تفسر الظواهر الانسانية تفسيرا جزئيا وترهن حركة التغيير والبناء لعامل واحد أو شيء وحيد تمحور حولها الهم والاهتمام [10] كما يعني الشمول كذلك , النظر الى التجديد الحضاري على أنه عملية بنائية طويلة المدى , تستوعب أجيالا ودولا وأزمنة ممتدة قرونا متطاولة في التاريخ [11]

جذرية النظرة الى عملية التجديد :

ان التجديد ما لم يكن جذريا يذهب الى أعماق الأشياء وجذورها ويستأصل الضعف والقصور والاعتلال من أصله ومنبته في الفكر والنفس والواقع الاجتماعي والسياسي والاخلاقي و يؤسس عملية التغيير والبناء ويؤصلها باستمرار لن يكون تجديدا حضاريا , ولا يعدو أن يكون عملية تلفيقية مبتورة وميتة لا مستقبل لها [12]

سننية النظرة الى عملية التجديد:

الجهد الانساني ما لم يرتق الى مستوى الوعي بسنن التسخير والاستخلاف , اكتشافا وفهما واستثمارا , لن يكون جهدا تحديديا ذا نفس حضاري , ذلك لأن حركة التدافع والتداول الحضاري التي تطبع الحياة الانسانية محكومة بهذه السنن بشكل مطرد لا يتبدل ويسري حكمه ومنطقه على البشر دون استثناء أو محاباة [13]

 كتاب : مدخل الى سنن الصيرورة الاستخلافية   الطيب برغوث  دار قرطبة /2004  / ص 45[1]

 ن م ص 49[2]

 ن م ص 49[3]

 ن م ص 53[4]

 ن م ص 54[5]  

 ن م ص 55[6]

 ن م ص 57[7]

 ن م ص 57[8]

 ن م ص 65[9]

 ن م ص 80[10]

 ن م ن ص [11]

 ن م ص 81[12]

 ن م ص 82[13]


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق