]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإتجاه السايكولوجي لدى باريتو في تحليله للنخبة

بواسطة: Hosni Al-khatib  |  بتاريخ: 2014-06-12 ، الوقت: 14:26:43
  • تقييم المقالة:

الإتجاه السايكولوجي لدى باريتو في تحليله للنخبة      

لقد كان للرواد الأوائل الفضل في تسليط الضوء على النخب السياسية ووضع المفاهيم الأساسية حولها، كنظريات مفسرة ومحللة لبناء القوة داخل المجتمع وهذا ما جعل نظرية النخبة موضوع مركزي في علم الإجتماع السياسي،وكان فليفريدو باريتو من أهم رواد هذه النظرية.    

باريتو والإتجاه السايكولوجي في تحليل النخبة  

يعتبر كتاب العالم الإيطالي فليفريدو باريتو (العقل والمجتمع) هو بداية التنظير للنخبة وتوظيفها في الدراسات السياسية، وقد تأثرت نظرية باريتو للنخبة بعاملين هما: 1-خلفيته كعالم إجتماعي، أكدت الطابع العملي للبحث الإجتماعي وضرورة إستخدام المنهج التجريبي. 2-تصنيفه كعالم إجتماع غلبت عليه التحليلات النفسية حيث أعطى الأولوية لما سماها بالعواطف من جهة والرواسب والمشتقات من جهة أخرى، كعناصر فاعلة في حفظ توازن النسق الإجتماعي.  

لقد جاءت نظرية النخبة السياسية ومقولاتها عند باريتو في سياق تحليله للنسق الإجتماعي بصورة عامة وبحثه عن العوامل التي تساهم في توازن هذا النسق وفي توظيفه للعواطف والرواسب والمشتقات لدى الأفراد،حيث إكتشف أن هناك تباين بين الأفراد في القدرات والمواهب والإستعدادات، ومن هنا قسم المجتمع إلى فئتين معتمدا على المواهب والقدرات التي تميز بعضهم عن بعض، وإن هذا التقسيم الأولي هو عبارة عن تقسيم إجتماعي واسع لا يختص بالنشاط السياسي فقط بل يشمل كل مجالات النشاط الإنساني وهو تقسيم يقوم على أساس طبيعي ويشكل ظاهرة إجتماعية قديمة قدم وجود المجتمعات البشرية، لأنها تعكس واقع التباين بين البشر، ولكي يقرب باريتو الصورة إلى الأذهان، إفترض إجراء مبارة بين أفراد المجتمع كل في مجال نشاطه،بحيث تكون هناك مبارة بين الأطباء بعضهم ببعض ومبارة بين الفلاحين بعضهم ببعض وهكذا مع كل الأفراد في المجتمع، ومن ثم يتم إعطاء نقاط للمتفوقين ومنها فإن كل من يحصل على أعلى الدرجات في مجال نشاطه يعتبر ويطلق عليه (النخبة).  

ومن هنا فإن هذا التقسيم الأولي لباريتو لاغبار عليه من حيث أن عموميته و أن بناءه على التفاوت الطبيعي أو الإصطناعي بين الأفراد لا يضيف إلى المعرفة شيئا، لأنه من المعروف أن البشر متباينون في القدرات وقد بين ذلك كلا من التاريخ والأديان، وإن هذا التباين هو نتيجة إنتخاب طبيعي موجود في كل الكائنات الحية، وهذا لا يثير أي إشكال إلا إذا إنتقلنا من المجال الإجتماعي العام إلى المجال السياسي أي من النخبة الإجتماعية إلى النخبة السياسية، وذلك من خلال دراسة كيفية توظيف هذه النخبات الإجتماعية لعناصر التفوق التي تتمتع بها لممارسة القوة والسيطرة في المجتمع،حيث سوف يكون لهذا التباين بين الناس في المجتمع أهمية، إذا جاء في سياق البحث عن مراكز إتخاذ القرار في المجتمع، وذلك تحديدا كرد على المفهوم التقليدي للديمقراطية الذي يقوم على المساوة وحكم الأغلبية وخضوع الأقلية.  

ويري باريتو أن كل المجتمعات تنقسم إلى قسمين هما: 1-النخبة.  2-عامة الناس (اللانخبة). وتعتبر النخبة هي الأقلية ذات التفوق والإمتياز، ويرى باريتو أن هذه النخبة تسعى لتوظيف تفوقها لممارسة التسيد على (اللانخبة) وقيادتها، ومن خلال سعيها هذا يصل جزء منها إلى الحكم ويسمى (الصفوة الحاكمة) وهم أفراد النخبة الذين يمارسون السلطة السياسية،أما الجزء الذي يبقى خارج السلطة  منها يسمى (الصفوة غير الحاكمة) وهم و إن كانوا لا يمارسون السلطة السياسية مباشرة، فإنهم يحملون رواسب النخبة الحاكمة،كما أنهم مؤهلون للإرتقاء إلى مصاف النخبة الحاكمة مع مرور الزمن، وهذا ما سماه باريتو ب(دورة النخبة).  

ومن هنا نلاحظ تعارض التحليل النخبوي لباريتو مع النظرية الماركسية والنظرية الديمقراطية،حيث أن النظرية الماركسية تقول بأن السلطة السياسية أو من هم بالحكم إنما يجسدون مصالح الطبقة المسيطرة في المجتمع ،أي أنها إنعكاس للواقع الإقتصادي والإجتماعي، أما النظرية الديمقراطية فإنها تقول بالمساوة بين الأفراد وبحكم الأغلبية، بينما نظرية النخبة لباريتو فإنها تقول بحكم الأقلية ذات التفوق سواء كانت تعبر عن مصالح الأغلبية أو الأقلية.  

إن تصنيف الأفراد إلى نخبة واللانخبة على المستوى الإجتماعي العام وبالنسبة لمختلف الأنشطة التي بطبيعتها تميز بين المتفوقين وغير المتفوقين يعتمد على أسس مادية وذلك من خلال تقنية ناجعة وهي (المبارة) لتحديد المستويات المختلفة، والمقياس عند باريتو لوجود النخبة بالنسبة للأطباء والمهندسين وغيرهم هو الدخل ،ومع ذلك فإن باريتو لم يبين كيفية التمييز بين الأفراد سياسيا،وذلك من حيث نخبة سياسية حاكمة وأخرى غير حاكمة، فالدخل هنا لا يعد مقياسا صالحا للتمييز،كما أن التمييز على أساس التموقع في السلطة وإتخاذ القرار يجعل من كل من بيدهم مقاليد الحكم هم النخبة سياسية، وإذا أخذنا بمقياس أن من هم في السلطة ليسوا أفضل الناس في الشأن السياسي وأنهم نخبة فقط لأن السلطة في أيديهم بغض النظر عن الكفاءة ورضا الجمهور،فهنا تصبح نظرية النخبة مشابهة للنظرية الأرستقراطية والأوليجاركية وهما من أقدم النظريات في التحليل السياسي، ومن هنا فإن كثير من التساؤلات حول النخبة السياسية لم تجد إجابات واضحة عند باريتو،حيث أنه يعتبر أن كل المجتمعات الإنسانية بما فيها الديمقراطية تنقسم إلى أقلية تحكم وتتسيد وتملك مراكز القوة في المجتمع وهي تنتمي إلى الطبقات العليا،وإلى أكثرية وأغلبية محكومة تتشكل من الطبقات الدنيا، كما أنه يرى أن هناك دائما علاقة بين النخبة الحاكمة واللانخبة، حيث يمكن لأفراد من اللانخبة أن ينتقلوا إذا توفرت فيهم صفات خاصة (العواطف) إلى النخبة السياسية، كما يمكن لأفراد من النخبة السياسية أن يصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة، إما بالقوة وهذا يدفع النخبة الحاكمة إلى اللجوء إلى القوة للحفاظ على مواقفها،وهذا ما سماه باريتو بدورة النخبة، التي تعني أن تأبد أقلية بعينها في السلطة ليس أمرا مؤكد،ا لأن منطق التاريخ والحراك الإجتماعي يجعل النخبة تعرف دورة تكون سريعة في المجتمعات الديمقراطية،ومن ذلك فإن التاريخ في نظره مقبرة الأرستقراطيات.  

ويفسر باريتو دورة النخبة بأنها إحلال نخبة محل أخرى أو صعود أفراد من الطبقات الدنيا إلى النخبة الحاكمة وذلك من خلال التحولات التي تطرأ على الخصائص النفسية لأعضاء النخبة، حيث يفقد بعض هؤلاء (النخبة) بعض الرواسب التي كانت تمنحهم الحماس والفاعلية وفقدان هذه الرواسب يؤدي إلى فساد النخبة السياسية،و في مقابل ذلك تتراكم رواسب التفوق والفاعلية لدى أفراد من الطبقة الدنيا مما يؤهلها للوصول إلى السلطة، وهكذا فإن ما يطرأ على النخبة ليس فقط تغييرا في الأفراد بل تغييرا على مستوى النوع، فالمجتمع يفرز في كل مرحلة نخبة تعبر عن المصالح المهيمنة أو الغالبة في المجتمع،كما إن ظهور النخبة الحاكمة عند باريتو يعتمد على عوامل القوة، فالأفضلية والتميز للنخبة الجديدة لا يعتمد على كونها هي الأصلح وأن المجتمع إصطفاها، بل لإنها إستطاعت أن تصل إلى السلطة، كما أن الصفوة الحاكمة في رأيه قد تلجأ إلى القوة للحفاظ على موقعها السياسي،وإن لجوئها إلى الحكم عن طريق القوة يحولها في هذه الحالة إلى أوليجاراكية وليس نخبة بالمفهوم الذي أعطاه باريتو في تعريفه الأول للنخبة،كما يرى باريتو أن القوة وحكم الصفوة وحكم النخبة قد يكون على نوعين: 1-نوع يحتفظ به بالدهاء، وهي النخبة الحاكمة التي يتوفر أفرادها على رواسب (التوحد والتكامل). 2-نوع يحتفظ به بالقوة وهي النخبة الحاكمة التي يتوفر أفرادها على رواسب (إستمرار المجتمعات) ،وعندما يظهر خلل في هذه الرواسب تتهيأ ظروف ثورة، حيث إن الثورة في نظر باريتو هي تتولد عبر التراكمات في طبقات المجتمع العليا، إما بسبب بطء دورة النخبة أو لأسباب أخرى من عناصر فاسدة لم تعد تحمل الرواسب اللازمة لإبقائها في مركز القوة أو لنفورها من إستعمال العنف، بينما تكون العناصر المتفوقة نوعا ما في الطبقات الدنيا من المجتمع قد بدأت تأخذ طريقها إلى الواجهة حائزة على رواسب صالحة لممارسة وظائف الحكم ومستعدة إستعدادا كافيا لإستعمال العنف.  

وأخيرا فإن باريتو في تحليله لدورة النخبة لم يولي أي إهتمام لدور الجماهير في هذه العملية ،فدور الجماهير عنده يقتصر على رفد النخبة الحاكمة بالعناصر المتفوقة وليس ممارسة الحكم، لأنها غير مؤهلة أو قادرة على ذلك، بل ويقول باريتو إن النخبة الحاكمة تستطيع تحقيق أهدافها بفاعلية حينما لا تطلع الجماهير على الآليات التي تحكمها، وهذا يعني أن الجماهير عليها أن تكون بعيدة تماما عما يجري داخل النخبة وبين النخبات وبعضها البعض، وعن كيفية وصول النخبات إلى الحكم.      


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق