]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفلسفة الاسلامية للخير

بواسطة: بوقفة رؤوف  |  بتاريخ: 2014-06-09 ، الوقت: 15:24:45
  • تقييم المقالة:

 الفلسفة الاسلامية للخير (تأصيل الخيرية) :

 

                تنطلق الأمم والأفراد من منطلق خيري , لكن إذا أردنا تأصيل الخيرية تأصيلا قرآنيا وفق سننية اجتماعية نجد أن الخيرية ترجع لأصلان , خيرية مذمومة وخيرية محمودة , منطلق الخيرية المذمومة من النزعة الذاتية سواء للعقل الفردي أو العقل الجمعي للأمة ونستطيع ان نطلق عليها الخيرية الابلسية لأن أول من أظهرها وعمل بها ابليس حيث يعتقد ابليس انه خير من آدم وهذه الخيرية وان ترجمها سلوكيا في عدم امتثاله لأمر السجود الصادر من الخالق عز وجل والذي امتثلت له جميع الملائكة , إلا ان تبرير هذه الخيرية لم يكن لإبليس الشجاعة ان يعترف بها لما سأله المولى عز وجل عن سر عدم امتثاله لأمره فأجاب بأنه خير من آدم وسبب الخيرية المصرح بها من طرف ابليس هو  مادة خلق كل واحد منهما فمادة خلق ابليس من النار ومادة خلق ادم من طين , وهذا السبب وهو اصل الخلق سبب غير حقيقي وغير صادق وأن ما في نفس ابليس من سبب امتناع لم تكن له الشجاعة ليفصح به أمام المولى عز وجل الذي يعلم السر وأخفى

فابليس يعلم كما يعلم الجميع ان آدم غير الطين الذي خلق منه وقد انقطعت العلاقة تماما بين آدم والطين الذي خلق منه لتحول الطين الى بشر بعد نفخ الروح فيه من طرف الله

كما ان ابليس غير النار التي خلق منها , فالمشكل ليس في أصل الشيء ولا في تركيبته بل في وظيفته التي هي الغائية الخلقية لوجوده ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾الذاريات(56)  - 

وابليس اعلم الخلق بهذه النقطة , لأنه كان يؤدي وظيفته التعبدية على أكمل وجه وظيفي حتى أصبح يلقب بطاووس الجنة لعدم تركه بقعة في الجنة الا وسجد فيها عن اختيار , صحيح ان الغرض من وظيفته لم يكن الطاعة من اجل الطاعة بل الطاعة من اجل مكاسب مادية بحتة تتمثل في منصب الخليفة , فشهوة الحكم هي المحرك لتعبد ابليس ولم تنكشف هذه الشهوة للملأ الأعلى إلا بعد اختبار السجود للمخلوق الجديد الضعيف آدم الذي أعلنت الذات الإلهية عن تتويجه بمنصب الخلافة حتى قبل خلقه : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  ﴾البقرة (30)  -    لأن منصب الخليفة يقتضي الحكم قال تعالى :﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾  ص (26)  - 

ورغم أن إبليس قاد معارضة ذكية بمحاولة التشويش على هذا الاختيار بتحريك غريزة الخوف الموجودة في جميع المخلوقات بطرح موضوع الافساد والقتل , حيث يصور بهذا الجنس البشري بأنه شر محض , مطلق وخالص فلا خير يرجى منه كما صور نفسه  بالحمل الهاديء الوديع المطيع لسيده بتسبيحه بحمد خالقه وتقديسه اياه عكس الذئب الشرير الذي لا يجيد سوى قتل القطيع والعبث في وسطه فسادا ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  ﴾البقرة (30)  - 

فالخيرية الابليسية المتجسدة في قوله : ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾  الأعراف (12)  هي خيرية كاذبة مخادعة موجودة عند كل فرد أو مجتمع يدعي بأفضليته وسموه وأولويته وأحقيته وأسبقيته على غيره سوى بعلمه أو أصله أو جنسه أو قوته أو اسبقيته في الحكم أو الدعوة أو العمل , نجد الخيرية الابليسية في الفكر الغربي وفي العقيدة اليهودية وقد تسللت عن طريق الاعربة إلى الفكر الإسلامي متمثلة في الشعب المختار والفرقة الناجية لتكتسح الحركية الإسلامية سواء في جانبها الدعوي أو السياسي فكل فصيل يقول بأعلى صوت أنه خير من الفصائل الأخرى , وكل حزب سياسي يدعي انه خير من الأحزاب الأخرى وكل رئيس أو أمين حزب إسلامي يردد قول ابليس : ﴿انا خير منه ﴾

الخيرية الاحسانية :

                         والخيرية الاحسانية المطلوبة شرعا و خلقا وهي المغايرة والمناقضة للخيرية الابلسية , حيث تنطلق الخيرية الاحسانية من وظيفة الفرد أو المجتمع لا من ذاتيته , فالخيرية التي تثمر اجتماعيا ويعم خيرها المجتمع ويتعداه لغيره من المجتمعات هي الخيرية الاحسانية , اما الخيرية التي يقتصر خيرها على ذات الفرد أو ذاتية المجتمع ولا تتعداه لغيره بل تتحول الى الغير ضرر وشر فهي خيرية ابليسية

ووظيفة الخيرية الاحسانية ذات شقين متكاملين وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى : ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾  آل عمران (110)  - 

والخيرية الاحسانية كوظيفة حضارية تقوم  على الأمر بالمعروف الحضاري والنهي عن المنكر الحضاري , والمعروف الحضاري هو ما تعارفت عليه البشرية بأنه نفع وخير للإنسانية جمعاء والمنكر الحضاري هو ما تعارفت عليه البشرية بأنه ضرر وشر للإنسانية جمعاء , فكل ما يخدم الإنسانية هو معروف وكل ما يضر الإنسانية هو منكر.

فتأصيل الخيرية في الفلسفة الاسلامية يقوم على تبيين وتفصيل الخيرية الى خيرية احسانية مطلوبة وممدوحة وخيرية ابلسية مذمومة .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق