]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

البعد الكوني في الثقافة الشعبية المغربية

بواسطة: Janat Anis  |  بتاريخ: 2014-06-08 ، الوقت: 23:01:44
  • تقييم المقالة:

الكاتب: بوجمعة أكثيري- المغرب

البعد الكوني في الثقافة الشعبية المغربية

      تساءل الفيلسوف اليوناني سقراط، تساؤلا ظل صداه يتردد سنين وقرون طوال. ترى كيف ينبغي أن نحيا ؟ وفي السياق ذاته، تساءل علماء الأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا سؤالا آخر، وثيق الصلة بسؤال سقراط فحواه، كيف نحيا معا ؟ أسئلة من هذا الحجم -تستلزم منا- أن نتأمل رؤانا في معنى، كيف نحيا معا داخل كل مركب اسمه الثقافة المغربية ؟ وأن نحفر عميقا في البنى السوسيوثقافية للذات المغربية؛ بغية الكشف – ما أمكن – عن ذلك التمازج الثقافي الذي تنماز به الثقافة المغربية المتعددة الروافد.

      من هذا المنطلق، سعينا - في مقالنا هذا- إلى التركيز على ذكرى الفصح أو "Pissah" حسب النطق العبري[1]، و"تيفسا" بالنطق أمازيغ الأطلس الشرقي المغربي...باعتبارها تحمل في طياتها مجموعة من التصورات الثقافية والعقائدية التي تعلي من شأن تنوعنا الثقافي والحضاري. وحتى يكون بمقدورنا الخوض في التفاصيل، سنحاول من خلال مقالنا ملامسة بعض الجوانب التاريخية -بقدر ما يسمح به المقام- لنتمكن من تأسيس قاعدة تؤهلنا لفهم خصائص هذا الطقس.

      فالمعلوم، أن الأطلس الكبير الشرقي المغربي قد ظل ﺇلى حدود القرن التاسع عشر ميلادي منطقة إستراتيجية، نظرا ﺇلى توافر عدة عوامل للاستقرار البشري منها: الزراعة، الماء، التجارة، الرعي...ومواقع جيدة للبناء والتحصين؛ وهذا ما يفسر، استقرار مجموعة من الأقليات العرقية -على مر التاريخ- هذه المناطق الجبلية الحصينة؛ خاصة اليهود، الذي طبع تاريخ تواجدهم بالأطلس الكبير الشرقي خاصة، والمغرب عامة، غموضا كبيرا بحكم قلة المصادر، وتضارب أراء الباحثين حول زمن تواجدهم؛ فهناك من يشير إلى أن انتشار الدين اليهودي بين هذه القبائل الأطلسية، كانقبل مجيء المسيحية والفتح اﻹسلامي٬ولعب دورا مركزيا في تعدد القبائل المغربية التي اعتنقت الديانة اليهودية مستدلا ببعض المماليك اليهودية الأمازيغية التي أنشئت "بافران" الصغير و"بدرعة". الأمر الذي فتح باب التساؤل على المؤرخين من قبيل: هل هاجر اليهود ﺇلى المغرب وتمزغوا بعد أن سكنوا الجبال؟ أم أنهم من أصل مغربي أمازيغي اعتنقوا الديانة اليهودية قبل الفتح الإسلامي؟ وفي هذا السياق لا ينفي "سمون ليفي" هذه القناعة –وإن لم يؤكدها- في كتاب له حول تاريخ وحضارة اليهود بالغرب، عندما أشار إلى أن احتمال دخول بعض القبائل الأمازيغية المغربية في الديانة اليهودية قبل الإسلام اقرب إلى الصواب.

      وبالتالي تبقى الدراسات المتعلقة بتاريخ اليهود الأمازيغ المغاربة، الذين سكنوا الجبال والأرياف قليلة جدا مقارنة باليهود المغاربة، الذين يتحدثون الدارجة المغربية ويسكنون الحواضر؛ إلا أن هذا لا يعني عدم توفر شواهد مادية: ( حرف يدوية: الصياغة، الجلد، المعمار..)، تعكس تفاصيل هذا الحضور الضارب في القدم ببلاد المغرب. فهذه الشواهد المادية إذن؛ بمثابة وثيقة تاريخية تشهد بكونية الذات المغربية، وبتعدد مكوناتها الهوياتية، ومتانة الروابط التي تجمعها، بغض النظر عن كونها تشترك أو تختلف في العادة أو المعتقد. غير أن هذه الدلائل والقرائن التي قدمنا – بالرغم من قلتها – تظل شاهدة على الانسجام الواضح بين مختلف مكونات المجتمع المغربي.

       ولعل من بين أبرز مظاهر التواصل والتلاقح الثقافي في جبال الأطلس الكبير الشرقي بين المغاربة اليهود و المغاربة الأمازيغ٬هي تلك الروايات الشفهية التي تناقلتها الأفواه عبر الزمن عن عادات وتقاليد المنطقة الشرقية. ﺇذ تحكي عن احتفالهم بمجموعة من المناسبات الطقسية التي يتداخل فيها الديني بالعقدي والاجتماعي بالنفسي. وتعتبر منطقة الريش المتواجدة بشمال إقليم الراشيدية، من بين أبرز المناطق الأمازيغية التي عرفت حضورا يهوديا متميزا٬دام طويلا وترك بصمات وانطباعات نفسية اجتماعية راسخة في المخيال الشعبي المغربي؛ في هذا الشأن يقول لحسن أيت الفقيه: ﺇن القرى الأطلسية قد تأثرت بمجموعة من الديانات القديمة :يهودية، طائفية ٬مسيحية...مما غرس في المنطقة الكثير من العادات والتقاليد٬ميزت ثقافتها الشعبية؛ فالثقافة المغربية اليهودية الأمازيغية -حسب قوله دائما - قد مكنت من انقاد المنطقة من انهيار ثقافي فعلي٬حيث أنها دعمت المنطقة بعادات وتقاليد٬جعلت الإنسان بالأطلس الشرقي الكبير قادرا على مواجهة صعوبة المجال[2].

     ومن بين أهم وأبرز هذه المناسبات الاحتفالية بالمنطقة٬ حفلة " تيفسا " جمع "تافسوت" والتي تعنى بالأمازيغية تفتح الزهر، الخضرة، الربيع...[3]كما أنها تفيد معنا ونطقا "Pissah" لدى المغاربة اليهود٬فهي ترمز ﺇليهم  بالخصوية والخير٬ووفرة المحاصيل، كما أنها مناسبة سعيدة تبعد سوء الطالع، وعواقب الزمن وزرياه. "فتيفسا" ﺇذن، لها ارتباط وثيق بالثقافة الزراعية لدى اليهود المغاربة بالمنطقة. وللإشارة فهي غير مطابقة بالتمام والكمال للفصح اليهودي المتبع من طرف باقي يهود المعمور؛ ممااستدعى منا طرح جملة من الأسئلة من قبيل: ترى لماذا تغيرت تركيبة الفصح بالأطلس الكبير ؟ ولماذا تم تغييب زمنه المرجعي أي :الزمن المقدس ؟ ولأي اعتبار تم تغيب الطابع التاريخي ؟ وعلى أي أساس تم الاحتفاظ فقط بالطابع الكوني المتمثل في شهر الخضرة، تكوين السنابل، وبداية التقويم الجديد ؟؟ وما السر وراء انطباع هذه الذكرى اليهودية بالمحلي ؟

      قبل أن نشرع في تقديم بعض الإجابات المحتملة، لابد لنا من تقديم بعض ما استخلص من طرف بعض الباحثين (لحسن آيت لفقيه) المختصين بتاريخ المنطقة بخصوص طقس تيفسا:

1-  تركيز الحفلة على الحقل الزراعي ، وتهميشها للديني. 2-  مصادفة الحفلة للاعتدال الربيعي. 3-  تعد للحفلة فطائر ذات أصل يهودي تدعي: ( أغروم ن تيفسا). 4-  تحمل رغائف هذا الطقس سبعة ثقب تستسقى بالزيت أو العسل ،أو تؤكل جافة. 5-  حضور رقم 7 سحري ، وماله من ارتباط وثيق بالثقافة السامية. 6-  ربط خبز الفطير بعودة الطيور المهاجرة التي تعبر المغرب اتجاه أوربا. 7-  ظهور طائر الوروار أو طائر اليهود في سماء الأطلس بعد الاحتفال "بتيفسا" مباشرة[4].

       فما يتضح من خلال هذه الطقوس المؤثثة لطقس " تيفسا" أنها تتداخل فيها مجموعة من القيم المحلية والكونية، والملاحظ أيضا، أنها تحاول استحضار التاريخ رغم ما يكتنفه من غموض، كما أنها تعطي للدورة الكونية أو الطبيعية مكانة متميزة باعتبارها تعبر عن الوحدوية المادية للكون؛ وبالتالي نستنتج بنوع من- الحذر – بأن تيفسا أو "Pissah" لدى المغاربة اليهود بالأطلس الكبير الشرقي، لم يعد يحمل ذلك الزمن المقدس الذي يحاول الإنسان  اليهودي في شتى المناطق الارتباط به عن طريق ﺇقامة الشعائر والصلوات... بقدر ما أضحى  يحمل أبعاد محلية وكونية، تطفح بالمشاعر والتصورات والمواقف الإنسانية، التي ترنو إلى تحقيق ذات جماعية تهدف ﺇلى التكتل في ﺇطار وحدوي اسمه المغرب المتعدد الثقافات. فالمغربي اليهودي الأمازيغي ومن خلال هذا الطقس يحقق ذاته عن طريق تأكيد انتمائه للمجال المحتضن له لا ﺇلى جماعة دينية معينة.

     ولعل هذا ما يفسر، أن ذكرى "الفصح" اليهودية بالأطلس الكبير الشرقي٬لم تصمد في بعدها الديني أمام قوة وشراسة المحلي المتمثل في الثقافة الشعبية المغربية. فتحولت بشكل أو بآخر ﺇلى طقس رمزي خفي داخل بعض عادات وتقاليد الإنسان المغربي، دون أن يدري بأنها تحمل في بعض مضامينها بعدا حضارياوثقافيا موغلا في القدم بالنسبة لليهود المغاربة. فعلى سبيل المثال لا الحصر: الفطائر كما هو معلوم تستمد قدسيتها من مناسبة خروج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر٬وظلت تحافظ على مضمونها الديني؛ ﺇلا أنها في المرحلة اﻹسلامية ثم تكييفها وتوظيفها في الأعياد ( كالفطر والأضحى..)،كما تم توظيف هذه الفطائر من طرف سكان الأطلس الشرقي الكبير، وبالضبط السكان المحيطين بمنطقة "الريش" في وجبة مغربية تحمل اسم: "الثريد"[5]. ويغلب على الظن أن الذين اسلموا من المغاربة اليهود الأمازيغ، هم الذين طوروا الفطائر للتمييز بين فطائر اليهود، وفطائر المسلمين. أو بالأحرى التمييز بين فطائر مناسبات السنة الشمسية، والقمرية. غير أن الراجح من وراء تطوير هذه الفطائر، هو تكييف طقس يهودي مغربي، في وسط أمازيغي مغربي أصبح يدين بالإسلام[6]؛ بمعنى ضمان استمرار اليهودية المغربية كسلوك في الثقافة الشعبية المغربية؛ الشيء الذي يؤكد أن الإيمان بالاختلاف يغني الثقافة التي تتبناه منهجا، ويعطيها إمكانية تبادل الخبرات بين مختلف مكوناتها الهوياتية رغبة في تحقيق التجانس والتفاهم والتسامح والإحساس بالانتماء إلى  مجتمع إنساني.      هكذا يتضح إذن، أن الطقوس اليهودية الأمازيغية المغربية، تنطبع بالتشكيل الحضاري المغربي الذي نشأت واندمجت فيه. وبالتالي من –الصعب- أن نحدد بدقة تفاصيلها وحيثياتها، فهي متغلغلة بعمق في جينات الثقافة الشعبية المغربية.

 

 

 

 

 


هوامش:

-[1] عند قدوم الربيع في الخامس عشر من شهر "أبريل" يحل ذكرى لها مكانة وقدسية لدى اليهود، ويتعلق الأمر بذكرى الفصح التي تؤرخ لمحطة من المحطات الهامة التي التصقت وترسبت في عمق في ذاكرة ووجدان اليهود؛ إلا وهي خلاص بني إسرائيل وانعتاقهم من براثن العبودية وقسوتها في ارض " مصراييم" على يد موسى وأخيه هارون ابني عمران. ينظر بهذا الشأن مقالة: عساسي عبد الحميد، أعياد وعادات في الذاكرة اليهودية المغربية، بموقع الحوار المتمدن، العدد 1720، بتاريخ:31.10.2006 ، وموقع المقالة على الشبكة المعلوماتية (الانترنيت) كالآتي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=79558

-[2]- هذا المقال متاح في الموقع الآتي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=377607

-[3]- متاح على شبكة المعلومات الدولية (الانترنيت): http://tinghir.over-blog.net/article-48308553.html

-[4]- الوروار طائر مهاجر يزور المغرب في فصل الربيع وفي فصل الصيف، ويستعد للرحيل، قبيل الاعتدال الخريفي، إلى مشتاه المحبب في سفانا السنغال. للتفصيل أكثر ينظر، كتاب لحسن آيت الفقيه: فصول من الرمز والقيمة في بيئة طيور الأطلس الكبير الشرقي، منشورات شركة اوداد للاتصال، ط1، 2004. ص99-100.

-[5]- تعتمد صناعة الثريد على المنتوج الزراعي المحلي ( ﺇردن )، أي: القمح الصلب الذي تشكل منه الفطائر. وطهيها يعتمد على صناعة يدوية محلية، تتمثل في: لأواني الفخرية والخشبية.

-[6]- ﺇن دخول الإسلام إلى ارض المغرب، احدث تحولات كبرى في القيم والرؤى والمنطلقات للمغاربة؛ الأمر الذي دفع بالمغاربة اليهود بالأطلس الكبير الشرقي إلى تعديل نسقهم الثقافي، بما يتناسب ومبادئ الدين الإسلامي السمح، نتيجة لما وفره من عرى التعايش والتسامح...وما حققه من امن وسلام للمغاربة أجمعين.

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق