]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جنون الكتابة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-26 ، الوقت: 09:36:52
  • تقييم المقالة:

 

جنون الكتابة

 

 

 

   العراق  محمد الحداد

(1)

(1) رغم أن فراغ مداد قلم الشاعر الروسي الجميل سيرجي يسنين أو الحاجة المسعورة للبوح والكتابة ليسا سببين  كافيين يدفعانه للانتحار لكنه في ذات الوقت يدفعنا نحن لطرح تساؤلٍ محير عما يجعل من الكتابة أحياناً نزفاً حتى الموت أو ساحة معركة مُفترضة مع الذات ربما كما عبّرَ عنها ماركيز في المقدمة التي كتبها لرواية هارولد كوينتي (الصياد ماسكارو ) حينما قال أن كوينتي وضع لافتة أعلى مكتبه تقول :هنا ساحة معركتي ولن أتركها أبداً .كانت تلك الأبيات اليائسة آخر ما نزفه (قلم - قلب) الشاعر الروسي سيرجي يسنين الذي يُقال أنهُ بحثَ ذات ليلة عن حبرٍ يملأ بهِ قلمهُ فلم يجده فما كان منه إلا أن جرح يدهُ وملأ قلمهُ بدمه ليكتبَ ربما آخر نزيف الشعر والحياة معاً قبل يومين فقط من انتحاره !

  

فما الذي يدفع باتجاه أن تتحولَ الكتابة من ميدان فعل مثمر، ميدان يصنع الحياة ،إلى ميدان ينزف الحياة .

بالنسبة إلى يسنين ربما كانت غربته داخلَ وطنه أو يأسه من جني ثمار ما وعدت به الاشتراكية الروسية التي آمن بها وأخلص لها ومنحها كلَّ شيء سبباً مباشراً لانتحارهِ فسحقته أخيراً عجلات الماكنة الرأسمالية التي يبغضُها مع الكثير مما سحقت من شعارات روسية وشهِدَ بنفسهِ احتضارَها دون أن يستطيعَ فعل أيَّ شيء ،ربما كانت صدمة برجوازيٍّ روسيٍّ مُتعصبٍ لروسيتهِ برأسمالية أمريكا (مملكة الضجر ) كما يسميها .لكنَّ اصرارهُ على الكتابة بدمهِ يرسمُ لنا بوضوح ذلك العالم العجيب: الكتابة التي لا مفرَ رغمَ كلِّ شيء من الإقرار بجلال سلطانها والإذعان لأجواء سمائها الغائمة دائماً والمزحومة بعواصِفها وبروقِها ورعودِها.

موقف آخر في مكان وزمان مغايرين يكشف لنا فعلَ الكتابة الحقيقي حينما تصبحُ خلاصاً بحق .. من مطبات كثيرة تصنعها الكتابة نفسُها في الكاتب!

نزقها ومتطلبات التكيف مع جنونها ونمطُ التعايش معها ،تماماً كما حصل مع ديستوفسكي الذي أقدم تحت ضغط مالي مزلزل على إبرام عقد غريب مع أحد الناشرين الجشعين يُلزمُ ديستوفسكي على كتابة رواية في غضون ستةٍ وعشرين يوماً فقط وإلا فمن حق هذا الناشر التصرف التام بمؤلفات الكاتب الكبير لتسع سنواتٍ كاملة !

ما يهمنا من سرد الحكاية أن الكتابة بما فرضته من نمط حياتي متفرد عكست طابعاً مضطرباً وطائشاً ومسرفاً ساقَ ديستوفسكي أخيراً إلى المغامرة باسمهِ وسمعتهِ ووضعهما على المحك ،هي نفسها التي دفعته لانجازِ رواية (المغامر) لكنه على العكس من حالة الإحباط المميت الذي قضى أخيراً على يسنين نجحَ في اختباره العسير جاعلاً من الكتابة نفسِها التي قذفت به في هذا المطب خلاصاً له، فكانت ساحة المعركة هذه انتصاراً لديستوفسكي ومصرعاً ليسنين.

لكن أين سلامُ القراءة من كل ذلك ؟ بها تخرُجُ الكلماتُ من ظلامِ غموضِها إلى نورِ حقيقتها، ومن عسرِ تشكلِها إلى يُسرِ تداولها المبذولِ وربما لأنها تلي آخر أطوارِ الكتابةِ عصفاً ، يُتوقعُ من سمائِها أن تبقى صافية أبداً وشمسِها ساطعة ورياحِها خفيفة السرعة .

الكتابة مُثقلةٌ دائماً بما يسبقها وما يتبعها ...لأنها مُسبقاً ، محكومةٌ بشروطِ هندستِها المُجحفة طولاً وعرضاً وارتفاعاً وزماناً،ولاحقاً،متهمةٌ أيضاً و مركونة بتهمتها تلك حتى يتمَّ تداولها وتعاطيها فيثبتَ لنا العكس ،لكن بين هذهِ وتلك .. يبقى الخوف الأزلي من بياضِ الورقةِ وقودَ سعيرنا الجميل نَحرِقُ بهِِ ونَحترقُ - كتابةً أو قراءةً - لا يُبلسِمُ حروقها إلا المزيد .

وكما تفترضُ الكتابةُ إضاءةً مُسبقةً لقصديةِ القراءةِ تفترضُ القراءةُ أيضاً إضاءةً مُسبقةً لقصديةِ الكتابةِ لأنَّ ورائَهما دائماً ثمة قارئ يتربصُ بينَ الكلماتِ كوسيطٍ كامنٍ يجهدُ في انتحال كل إرهاصات الكاتب لا يُقنعهُ العُشر الظاهر من جبلِ جليدِ النصِّ بل يدُسّ رأسَهُ بحثاً عن تسعةِ أعشارهِ المُغيبة تحتهُ ، قارئٌ يعيد إيقاظ المعاني من حتفها الاختياري اللذيذ الذي ساقه الكاتب إليه ، ليبدأ في رحلةٍ عكسيةٍ لتلك التي انتهجها الكاتب قبله إلى ذات الحتف المشترك بينهما وخلفَ تينكِ الرحلتين يُحفَظُ لكلٍّ سلطتهُ وشرفهُ لتظل لعبتيهما كشفرةِ أحبارٍ مخابراتي تختبئ كينونة الكلمات فيها بينَ مَسحتين:مَسحةٌ إذا لامستْ وجهَ الورقةِ غابت تلك الكلماتُ بينَ السطورِ رغمَ وجودها،حتى إذا قَبَّلَتْ مَسحةٌ أخرى شفة الكلماتِ المُمَددةِ أيقظتْها من سُباتها كأميرةٍ نائمةٍ لا توقظها إلا قبلة من حبيبٍ مُنتظر فيسطعُ نورُها من جديد .

 

(2)

يندرجُ ذلك كلهُ ضمن مستوى الاتصال ومن ثمَّ التأثير البشري للأدب بشكلٍ عام ،لكن ماذا عن مستوى الاتصال والتأثير اللذينِ جسّدَهما وحي التنزيل القرآني ؟ماذا عن فعلي القراءة والكتابة فيه؟ خصوصاً أن أغلبَ الدراسات أو الكتابات على كثرتها لا تتناولُ موضوعة تلقي الوحي القرآني إلا على أساس الفروغ من أثرهِ ودورهِ كمعطى فيما بعد ،أي فيما يلي التنزيل دونما إشباع غريزة البحث في الأثر الآني الذي يشكله تباين دوري القراءة والكتابة فيما لو اكتفي بسبق أحدهما الآخر على أساسٍ تراتبي،أو فيما لو انفرد أحدهُما بالأمر وحدهِ ،لا على أساس ما يستتبعُ كُلاً منهما من تأثير في النتائج فحسب بل في الرجوع خطوةً باتجاه فهم ميكانزمية كل منهما على انفراد بشكلٍ يأخذ بنظر الاعتبار الجوانب البصرية والحسية والسيكولوجية وغيرها من أمور تدخل جميعُها في حيز التأثير البشري بمدياته الواسعة .

ذلك أن (قراءة) التنزيل القرآني صوتياً خصوصاً في بواكيره الأولى جاءت متطابقة تماماً مع البيئة التي هبط فيها ومن هنا كانت للقراءة الأولى كلَّ ذلك الإبهار الذي أفيد منه كثيراً فيما بعد قبل أن تلعب الكتابة دورها لاحقاً،ولعلنا سنفهمُ الآن لماذا ب( اقرأ) وليسَ ب(أكتب) مثلاً افتتحتْ أولى لحظاتِ التجلي الإلهي التي بزغت بأنوار الوحيّ على الرسولِ (ص)،ففعلُ الكتابةِ هنا فيهِ ما فيهِ من النقصِ الإنسانيّ ،فيهِ مُخاطرةُ المسير وَسْطَ لُجةِ الزُحامِ البشري أما اقرأ فواصلةٌ ابتداءً واصلةٌ دوماً،سنفهمُ أنَّ أكتب:فيها جهدٌ تكليفيّ آنيّ يُضاعِفُ جهدَ التبليغِ على العكسِ من :اقرأ التي فيها يُسر استلام فيوضِ الوحيّ الإلهية بطهرِ كمالِها الإلهيّ ،فيها نضوجٌ مكتملٌ يتواءمُ مع الهمِّ التكليفي الجليل ،أما النقص الذي تلوح به أُكتب فهو نقصٌ لا يسدُهُ ربما حتى المباشرة بالكتابةِ نفسِها ،الكتابة التي تعني ارصافَ الحروفِ بيدٍ بشريةٍ سيمتزجُ ذلك النقص بجهدَها البشري حتمياً وهي تدونُ ما يُتلى عليها دونَ أنْ تُفلحَ في دفعِ تُهمةِ اللاعصمة عنها ،تلكَ التي ستثيرُها لاحقاً عقولٌ وقلوبٌ ستشككُ وتكفرُ بالأمر والتكليف معاً ،الأمر ب (أكتب) فيهِ صدوعٌ بأمرٍ غير مكتمل الأطوار، لو أكتُفي به ولم يُستتبعْ بالامتثالِ لن يُفضيَ إلى شيء في الوقتِ الذي افترشتْ فيهِ :أقرأ حَيّزَ حضورها الامكاني منذ البداية وَجَلتْ كلَّ شكٍ مُغرضٍ مُفترضٍ بإمكانِ عدمِ التبليغِ طالما كان الأمرُ في حلٍ من إشكالية الحبر والورق.

فوسط بيئةٍ أميةٍ تُقدسُ المقروءَ الصوتيّ الارتجاليّ وتَثِقُ أكثر بما تسمعُهُ، تتيهُ الكتابة في صحراءِ كينونتِها وريبةِ مصداقيتِها ،حتى إذا قُرأتْ في محفلِها الاحتفالي المَهيبِ انحنتْ لجمالِ طلتها البهيةِ أمّيةُ الرأس البدوي المُنصِتِ لها وحينئذٍ حُقَ ليديهِ أنْ تُصفقا ليقين كينونتها الماثلةِ أمامهُ، يفهمها بأذنيهِ أكثر ويشركها افتراش تُرابَ صحرائهِ لأنهُ لا يثِقُ كثيراً بكلماتٍ منحوتةٍ يخشى إنْ أدارَ لها ظهرَه تفلتتْ منهُ وتطيَّرَ من طيرانِها وسطَ صحراءٍ لا هبوطَ آمنٌ أبداً فوقَ ترابِها  . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق