]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(زحف الكلس): قصص ليست للجميع.

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2014-06-05 ، الوقت: 14:56:44
  • تقييم المقالة:

 

قصص مجموعة (زحف الكلس)، ليست للجميع، بل هي للخاصة، وبالتحديد لعشاق الأدب، ومُدْمني القصص والروايات، وقارئي الكتب على اختلافها؛ فهي ليست قصصا سهلةً، يُدركُ أيُّ قارئ ما يرْمي إليه كاتبُها بسرعةٍ، وتتبيَّنُ له معالمُ السطور بمجرد ما ينتهي من قراءة قصة ما؛ وإنما هي قصص عميقة، وعسيرةٌ، وتحتاج إلى زادٍ من المعرفة، وذخيرةٍ من الاطلاع، وإلْمامٍ بأعمال أدبية أخرى، منها روايات، ومطالعات، وأخبار قديمة، وأمثالٌ مُتداولةٌ، أضف إلى ذلك فطنة القارئ، وذكاءه، وحُسْنَ ربْطِهِ بين الصور الفنية التي يورِدُها الكاتبُ وبين صور الحياة التي نلْمحُها في الواقع، أو تلك التي تتناهى إلينا أصداؤها وأنباؤها من هنا وهناك...

و(عبد الله زروال) من الكُتَّابِ، الذين تشغلهم القضايا الإنسانية، ويتأثر بالظواهر الاجتماعية خاصة، وقليلاً بالأحوال السياسية، والأبعاد النفسية والخلقية، ويوظِّفُ قلمَه كيْ يُشاركَ فيها بنصيبٍ من الرأي، وتَحْديدِ الموقف، والإشارة إلى مَكْمنِ الدَّاءِ والسلبيات، وهو لا يفعل ذلك بأسلوب مباشر، وبلغة سهلة، وإنْ بَدَتِ المفرداتُ والجُمَلُ واضحةً في المتْنِ، ولكنَّ المعاني هي التي تبدو صعبةً، وتفرض على القارئ شيئاً من الإجهاد والكدِّ، واستحضار بعض النصوص والآثار الأدبية، لاستخلاص الغاية والقصْدِ، فعلى سبيل التوضيح:

فالذين لم يدْرُسوا كتابَ ''أحمد بوكماخ'' (اقرأ) لن يستمتعوا بقصة (أنا أحرق العصا)..

والذين لم يقرؤوا رواية (الزيني بركات) لن يفهموا قصة (عيون)..

والذين لا يعرفون سيرة ''امرؤ القيس'' لن يتأثروا بقصة (اليوم صحو.. اليوم أمر)..

والذين لم يلمُّوا بشيء من الفلسفة لن يقفوا كما ينْبَغي عند قصة (درس هرقليطس)..

والذين لا يسْمَعون عن الأمثال الشعبية لن يشعروا بقوةٍ بقصة (حدبات)...

وهكذا...

وهذا لا يعني أنَّ جميعَ القصص نسَجَها على هذا المِنْوالِ، بل هناك قصص كثيرة جاءت طبيعيةً، وخرجت خالصةً من قريحة الكاتب، لا صلةَ لها بِنَصٍّ آخر أو مَتْنٍ سابقٍ، وقد خرجت من نفسٍ مُرْهَفةٍ، وعقلٍ مشغول بآلام الناس وأوجاعهم، وتكاد تشعر بالحزن يَنْطقُ وأنت تقرأها، وتشارك (عبد الله زروال) في عاطفته نحو الجميع، وتذْرِفُ دمعة حارَّةً على الإنسان والحياة...

ولكنه لا يستسلمُ للحزن، بل يقاومُ (زحْفَ الكلس)، ويبادرُ إلى أن يهُزَّ الأطفال، والأزهار، والأشجار...

ولي ملاحظة أودُّ أن أسجلها هنا، وهي أن الكاتبَ لم ينشئْ هذه القصص كما يريدُ هو، وإنما أنشأها كما يريد فنُّ (القصة القصيرة جداً)، وقرَّرَ في لحظة أن يُجرِّبَ هذا الفنَّ، ويختبر قلمه في هذا الميدان، فلم يُوفَّقْ تماماً مثلما وفَّقَ في مجموعته السابقة (بساط الروح)؛ فالتَّوتُّرُ كان بادياً، والقلقُ كان واضحاً، ونهاياتُ بعض القصص جاءت متسرِّعةً أو عُنْوةً، وكان بالإمكان أن تأتي خيراً مِمَّا جاءت، وهو نفسه يعترفُ بذلك في تقديمه للمجموعة، ويقول بأنَّ قِصَصَه مُتوتِّرةٌ جداً، قد شَحَنتْهُ بالتوتر الهادِرِ، وغَمَرَتْهُ بالقلق الفوَّارِ، والسِّرُّ في ذلك أنه لم يَعْتدْ على كتابة (القصة القصيرة جداً)، واعتاد على (القصة القصيرة) التي تَخْضَعُ له.. ومع ذلك فنحن لا ننكرُ وجودَ قصص قصيرة جداً، في المجموعة، برعَ فيها أيَّما براعةٍ، كما لا نستبعدُ أن يقبضَ عليها كُلِّها بقوةٍ في قادم الأعمال، ويتمكَّنَ من غزْلها بسحْرٍ وجمالٍ، بعد أن استجابَ لغزَلِها، واستدرجته في خيوطها الصغيرة... فكثيرٌ من الصِّدامات تَخْلقُ عباقرةً ومبدعين !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق