]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بقايا

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 21:26:01
  • تقييم المقالة:

بقايا

محمد الحداد العراق

يأسٌ واحتضار.. دوامة ٌ تُسلبُ من عمق ِ الموت ،موتٌ يذوي داخلَ دوامة ،جنباً إلى جنب .

وحدهُ يطرقُ غربة َ الليل ِ العقيم ،وحدهُ، بجسمٍ نحيل ووجهٍ شاحب

وجريدةٍ أصبحتْ جزءً لا يتجزأ من أشياءهِ القليلة - آلامهِ وآمالهِ المستباحةِ سلفاً-

ساقاهُ تحملان ِ رأسَهُ...رأسهُ يجرجرهما ، أيهما يستحقُ شفقة ً أكثر؟ كعادتهِ طفقَ -س- يتساءل ..أيهما تحثهُ على المواصلة؟لم يكن ذلكَ ضرورياً فساعة َأن لايكونَ لابتداءِ الخطوةِ أَيُّ معنىً سوى استئنافها حسب لايكونَ للجُرح ِ أيُّ شهوةٍ في الانتظار في ذاتِ الوقتِ الذي قد تهِبُ الخطوةُ سُخريتها أيضاً ،خاصة ً أمام حقيقة ارثهُ المسلوب،عبئهِ المستحم برائحةِ ترابهِ لذا لم يكن لأي شيءٍ أن يحيدَ بساقيهِ لتتوقفان .. تماماً كأحزانهِ غيرَ أنهما قد يبلغان ِ الذروةَ َ من مواصلتهما ، حينها لا يطيق َأحدهما الآخر فيذويان ِ معاً يقتلعهما يأسٌ واحد .

ذراتُ الترابِ المهاجرة دوماً صوبَ تضاريسَ متحركةٍ جديدة تتواشجُ معاً... تستحيلُ شكلا ً واحداً ،نتوءً يعلو رأسه ويطرقُ أبوابَ ذاكرته بعنف، يكادُ يشمُ رائحتها قريبة منهُ لكنما وسط َسلسلةٍ مُعطبةٍ لا تنتهي تغدو ذاكرتهُ وجوداً مُعطباً آخرَ رغمَ عنادها اللامجدي الذي يجعلُ من كلِّ ذراتِ الترابِ هذهِ ظلالا ً باهتة ًطالما بقيتْ أسيرةَ ظلٍّ كبيرٍ أجوفٍ آخرَ مُبتَل ٍ بتلكَ النافذتين ِ اللتين ِ تفترشانِ وجهه و تُفضيان ِ إلى ذاكرتهِ العنيدةِ.

ذلكَ الهاجس يواتيهِ مرة ً أخرى ..هاجسُ النهاية ، يُحيطُ بهِ لايلبث أن يتنامى داخلهُ رافضاً الجلاءَ عن نسيج ِ ذاكرتهِ اللامتهرئة - خلافاً لكل ِ شيءٍ فيه- نفسُ الهاجس ِيسحبهُ دوماً من أرضِ الواقع ِ راسماً أمامهُ ما يزعَقُ بهِ في كل ِّ حين إلا أنهُ يخشى المواجهةَ َ في آخرِ لحظةٍ فيُهشِّم كلَّ ذلكَ قبلَ أن تتركَ فيهِ مايحُثُهُ أكثرَ على مُناغاتها ومُداعبتها بأوتار ٍ يحسَبها قد أُركِنَتْ في ذاكرةِ ماضيه المُترَع ِ بطعم ِ الجِراح ِ اللذيذِ ورائحةِ الأرض ِ والبارود القديم.

وحدها الآن أفكاره وهاجسه الوحيد يبسطان ِوجودَهما ويسبحان ِ في ذلكَ السكون ِ العقيم ِ الذي تعودَ مُرغماً أن يلتحِفهُ وسطَ سخريةِ الزمنِ المُغتصبِ أبداً . أرادَ أن يضعَ نهاية ً ما لأفكاره التي باتتْ تئِنُّ لحمل ِ هاجسهِ الذي يُعشعِشُ بينَ أحشاءِهِ المُنصهرةِ ،يُشارِكُهُ شهيقَهُ وزفيرَهُ ..يدخلُ رئتيهِ مُرغماً ولا يخرجُ حتى معَ سعيرِ آهاتهِ وزفراتهِ المُدججةِ بهجيرِ ماضيهِ المُتوقد،يومَهُ الأجوف ،وآمالهِ المُنخوية . لكن ككل ِمرةٍ يسعى فيها جاهداً أن يُغريَ أفكارهُ إلى مايبيح لهُ مُسوغاً جديداً يحدُّ من انسياقهِ المُرغم ِوراءَ حقيقة ارثهِ المصلوب سلفاً ، حتى يسكنهُ هاجس نهايتهِ مرة ً أخرى فيقضي معهُ وَطَراً من العذاب يضعهًُ موضع استيعابِ قمة فشلهِ في ذاتِ الوقتِ الذي يُرضي بهِ ضميرَهُ ليُبرئهُ من إثم انصياعهِ ليأسٍ ينبض داخلهُ بعنف ... قناعة ُ ذئبٍ ببراءتهِ! ولأنهُ يعي تماماً عُقمَ حالتهِ هذه فهو يتألم ،يهرب ،ثمَّ يتلذذ بهربهِ لا يلبث أن يتألمَ لِلذتهِ تلك ...سلسلة طويلة تنتهي كما بدأتْ بإطار من التعذيب الذاتي المقيت .

إلا أنه ما بينَ حقيقة إرثه المسلوب و هاجسُ نهايته يوهمُ نفسَهُ بوجودِ مساحةٍ كبيرةٍ تكمنُ بين ذلك التناقض الثنائي مستحيل الحدوث بل وبين تناقضِ كُلِّ شيء أيضاً مُتكهناً بحياةٍ يمكنُ أن يتربعَ فوقها بلا أدنى شعور بالتقصير وبعيداً عن إحساسه بالذنبِ في ذاتِ الوقت !ثنائية ٌ ممقوتة ٌ حقاٌ : موت - حياة ،سجن - حرية ،ذاكرة - نسيان،صخب - سكون ... خروجهُ من دوامتهِ تلك سبيلٌ لتحقيقِ ما يُناقضُ نقيضينِ مُستحيلين .

* * *

كأيِّ جذوةٍ من رمادٍ مُحترِق لا ككتلةٍ من لحم ٍ ودم دَسَّ - س- نفسهُ في أحضان ِ شارعهِ الغريب غربة َأغصانِ الصنوبرِ والصفصافِ المُتدلية فيهِ بإصرار ٍويأس ٍ معاًَ، افترش الأرض كدأبهِ دائماً و بعينين ِ مُطفأتين طوقتا صفحاتِ جريدتهِ راحَ يرنو تارةً هنا وأخرى هناك فوقَ نعشِ الكلمات المتصومعة داخلَ صمتها المُريب..ارتجفتْ نظراتُهُ المُتساقطة فوقَ نثيثِ الأخبارِ المُستحمةِ بخيوطِ الحُزن ِ الداكن ...نفسُ الأبجديةِ المُلتويةِ العرجاء ... أجسادٌ أخرى .. صَرَخاتٌ مَهولة ٌ تُجلجلُ بعنفٍ من كُلِّ مكان ٍ تضجُّ بأسماعهِ وتفترشُ أنفاسَهُ الشاحبة غامرة إياها بلونِ الفزع ِ الأخرس ،حُرقة ُ الكلماتِ لازالتْ تخنقهُ ككل مرةٍ ، لا صوتاً آخرَ في حضرةِ هذهِ البقايا غير الأصواتِ الباردةِ ذاتها، ألقى بجريدته بعيداً وُتطلع لظلامٍ يحيقُ بهِ من كلِّ جانب .. يبدأ ُمن داخلهِ مُغطياً كُلِّ شيء، حُزمة ٌمن ضوءٍ شاحبٍ استطارتْ فجأة في المكان ِواجتزّتْ ظُلمتَه ثم انسابتْ بتراقُص ٍ كئيبٍ ما لَبِثتْ أن استقرتْ أخيراً وسطَ فضاء سيجارتهِ التي غطتْ المكان بحُزَم ٍ أ ُخرى منَ دُخانها المُتناثرِ هنا وهناك ..أرادَ بأيِّ شَكلٍ تجاهلَ كُلَّ شيء.. إرثهُ، ذراتُ تُرابهِ ،البارود القديم ،هاجسهُ ،الاطلاقة ،ثُنائيتهُ المُستحيلة .. كُلُّ شيء،أن لا يَدعها تنساب بتطفل ٍ مقيت،أن لا تستفيقَ مرة ً أخرى بهذا الإيقاع المُتسع في أحشاءِ ذاكرتهِ العنيدةِ، غيرَ أنَّ كلَّ تلكَ الرغبات تغلغلتْ برفق ٍ واتساع ٍ مُتنامي ناغتْ رقصاتِ الدُخان المُتبعثرِ صوبَ الفضاء وتشاكلتْ بنظام ٍ واحدٍ و استقرَّ ت أخيراً فوقَ سُحُبِ الدُخان المتطاير هنا وهناك ساخرة ً من حصون ِتجاهلاته ، اضطجع على ظهره ِ مُتتبعاً بصيص ضوءٍ ينفذ بضعفٍٍ وتراخٍ من خلال أشجار الصنوبر والصفصاف العالية ما أن يُقبل وجهَ الأرض ِحتى تتحرك أغصانها يميناً وشمالاً بعنف ٍ مُستبدٍ قاطعة ًعنهُ المسار، أغمض عينيه وحامَ خارجَ حدود الفراغ المحيط .. الفجرُ ينشرُ ضوءَهُ المُستطير في كُلِّ الأرجاء،الأرضُ لا تختلط بحُزن ٍ مُكفهر ، الخطوة ُ تنالُ المسافاتِ والدهورِ والأمنيات وتطويها ،ضوءُ الشمس ِ يُغطي أرضَه ،ذراتُ التراب ِ المُهاجرةِ عينُها ،طعمُ البارودِ القديم يملأ ُفمهُ ورائحتهُ تحتضنُ لهيبَ الشمس ِالساطعة، فيسقطان ِ معاً بذاتِ القوةِ - الشمس والبارود - وهو يدورُ ويدور جذِلا ً رافعاً يديهِ مُرحِّباً بلسع ِحرارتها بدنه.. يحترق، يحترق ... آه،آه ... بقايا جمرةٍ أخيرةٍ من سيكارتهِ كانتْ آخرَ حُزمةٍ مما تبقى من ضياءٍ أحرقتْ جزءً من ملابسه!

لا شمس،لا أرض ولا بارود،لاشيء غير هاجسه العنيد وحقيقة ارثهِ وفشلٌ ينتظرهُ خلفَ أبوابٍ موصدة والانعتاقُ من كلِّ ذلكَ حُلمٌ ... منطقة ٌ مُحرمة ٌ... حُكمٌ مُسبَقُ لِجريمةٍ لم تُرتكب بعد! فكّر.. ألا تكفي شُرفة ُدارهِ ارتفاعاً مناسباً لموت ٍمؤكد؟ أو ربما حركة ٌبسيطة ٌ أسرعُ من رجعِ صدى اطلاقةٍ صغيرةٍ تطوي هذا الجسدِ المٌتصدع يُشبِعُ بها عُهرَ هاجسهِ الفاغرِ كيلا تستفيقَ بعدها حقيقة الإرث بينَ أحشاءهِ وأنفاسهِ وتُعشعشُ فيها كما الحُلم ؟ و بانتظارِ ذاكرةٍ فيها منَ الضوءِ ما لا يستوعب ظلا ً باهتا ًواحداً تبقى ذراتُ التُرابِ شبقاً ساخناً لا ينطوي!.

* * *

بعدَ يومين :- ص-يقرأ )المطالبة بتمزيق ِجُثة المجني على نفسهِ- س- والتمثيل بها كما ينبغي لأنه أجرمَ بحقها معَ سبق ِ الإصرارِ والترصد! وتلكَ جريمة ٌ لا يُمكِن التغاضي عنها و....) - ص- يدُسُّ نفسَهُ وسطَ الجموع مُلقياً جريدتهُ تُمزقها أقدامُ المارةِ ويبتلعها زُحامهم تاركاً حقيقة ارثهِ بينَ اليأسِ والاحتضار،بينَ دوامة تُسلَبُ من عمق ِ الموت وموت يذوي داخلَ دوامة... بجسمٍ نحيل ووجهٍ شاحب -ص- ماضياً صوبَ اطلاقة أخرى .. أو ربما شُرفة دارهِ ..إن وجدهُ هناك! 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق