]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

إستعراض تجربة الفصل بين السلطات في الوطن العربي

بواسطة: Hosni Al-khatib  |  بتاريخ: 2014-06-02 ، الوقت: 14:29:15
  • تقييم المقالة:

إستعراض تجربة الفصل بين السلطات في الوطن العربي    

الفصل بين السلطات

من المؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطات قد غدا منذ الثورة الفرنسية أحد المبادىء الدستورية الأساسية التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الغربية بوجه عام ، ويحتم هذا المبدأ أولاً قيام حكومة نيابية لأنه لا يسود إلا في ظل النظام النيابي ،وذلك حتى تتضح فيه الضرورة إلى توزيع السلطات.  

وينسب أصل هذا المبدأ إلى الفلسفة السياسية للقرن الثامن عشر ، حيث ظهر في ذلك الوقت كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الحكومات المطلقة ،التي كانت تعمد إلى تركيز جميع السلطات بين يديها ،وكان أيضا وسيلة للتخلص من استبداد الملوك وسلطتهم المطلقة،وتتلخص الفكرة الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في ضرورة توزيع وظائف الحكم الرئيسية : التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات منفصلة ومتساوية تستقل كل منها عن الأخرى في مباشرة وظيفتها حتى لا تتركز السلطة في يد واحدة فتسيء استعمالها, وتستبد بالمحكومين استبداداً ينتهي بالقضاء على حياة الأفراد وحقوقهم.

وإذا كانت تلك الفكرة هي جوهر مبدأ الفصل بين السلطات ، فإن  هذا المبدأ ليس معناه إقامة سياج مادي يفصل فصلاً تاماً بين سلطات الحكم ويحول دون مباشرة كل منها لوظيفتها بحجة المساس بالأخرى ،ولكن مقتضى مبدأ الفصل بين السلطات هو أن يكون بين السلطات الثلاث تعاون وأن يكون لكل منها رقابة على الأخرى في نطاق اختصاصها بحيث يكون نظام الحكم قائماً على أساس أن ( السلطة تَحُدّ أو توقف السلطة)،فيؤدي ذلك إلى  تحقيق حريات الأفراد ، وضمان حقوقهم ، واحترام القوانين ، وحسن تطبيقها تطبيقاً عادلاً وسليماً ، فهذا ما يتفق وحكمة الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات التي هي تحقيق التوازن والتعاون بين السلطات ، وتوفير الحيادة لكل منها في مجال اختصاصها.  

فمبدأ الفصل بين السلطات التشريعيه والتنفيذيه والقضائيه يخدم فكرة التخصص ويرسي سيادة القانون وهو من أهم الشروط لبناء مجتمع ديمقراطيّ ،حيث يحول الفصل دون جمعها وتركيزها في يد فئه أو مجموعه من الأفراد ،و السلطات الثلاث هي : 

أولا: السلطة التشريعية:   وهي في النظام الديمقراطي سلطة منتخبة مباشرة من الشعب وتعبر عن إرادته، ومهمتها هي سن القوانين والتشريعات التي تنظم حياة المجتمع. وتسمى بتسميات مختلفة مثل: البرلمان، مجلس النواب، مجلس الشعب، المجلس التشريعي.. الخ من التسميات التي تختلف من دولة إلى أخرى. وهذه السلطة مهمتها أيجاد ظروف اجتماعية واقتصادية وحضارية تضمن كرامة الإنسان، وتصون حقوقه من خلال القوانين التي تسنها. وعادة يتمتع أعضاء هذه السلطة بالحصانة البرلمانية التي توفر لهم الحماية والحصانة من قمع السلطة التنفيذية.

ثانيا: السلطة التنفيذية:   وهي الحكومة وجميع الأجهزة والمؤسسات المتفرعة عنها أو التابعة لها. ومهمتها تنفيذ القوانين والتشريعات التي تشرعها السلطة التشريعية، وادارة أمور الدولة والمواطنين وفقها، بحيث توفر الأمن والنظام لكل المواطنين، وتخضع هذه السلطة في النظام الديمقراطي لرقابة السلطة التشريعية وتكون مسؤولة أمامها عن وضع الخطط والإجراءات الكفيلة بتطبيق القوانين بما يضمن مصلحة الدولة والمواطنين، وهناك عدة أشكال من هذه السلطة التنفيذية،ففي النظام الرئاسي يتم انتخاب الرئيس وهو رئيس السلطة التنفيذية، وبدوره يقوم باختيار وزراء حكومته وعرضها على السلطة التشريعية لنيل الثقة،بينما في النظام البرلماني يجري تشكيل الوزارة من قبل حزب الأكثرية في البرلمان، أو من خلال ائتلاف مجموعة من الأحزاب فيما بينها بحيث تضمن الأكثرية داخل البرلمان. 

ثالثا: السلطة القضائية:   ومهمتها الأساسية هي الحكم في المنازعات بين مختلف الجهات، وكذلك تفسير القوانين والحكم فيها وضمان تنفيذها من قبل مختلف الجهات داخل المجتمع. كما تعمل على منع انتهاك حقوق الأفراد من قبل أي أفراد آخرين أو من قبل السلطة التشريعية أو التنفيذية وتحقيق مبدأ سيادة القانون. وتشمل هذه السلطة جميع أنواع المحاكم في الدولة مثل محكمة الصلح، البداية، المحاكم المركزية، محاكم الاستئناف، محكمة العدل العليا، ويتمتع أعضاء هذه السلطة في النظام الديمقراطي بحماية دستورية خوفا من تعرضهم لضغوط ونفوذ السلطات التشريعية أو التنفيذية، ويجب أن يتم حمايتهم من تأثير أية قوة أو سلطة عدا سلطة القانون. 

ومن هنا فإننا نلاحظ أنّ فصل السلطات يؤدي إلى توزيع الصلاحيات والأدوار بين هذه السلطات، وذلك يؤدي إلى تسهيل عملية إدارة أمور المجتمع والدولة في مختلف جوانب الحياة، ضمن إطار الديمقراطية التي تتيح لكل الأفراد والمؤسسات المشاركة والمساهمة في عملية إتخاذ القرار في كل المجالات، وفي ظل سيادة القانون الذي يخضع له جميع المواطنين على إختلافهم، وهم جميعا متساوون أمامه ،لهذا فإن فصل السلطات يؤدي إلى حالة التوازن الضرورية لإستقرار الدولة، وفي نفس الوقت فإن ذلك لا يعني فصلا تاما بين السلطات الثلاث، وإنما يعني أن هناك تداخلا وتشابكا وتكاملا في الوظائف والصلاحيات بما يخدم المجتمع والمواطنين ويؤمن لهم مصالحهم وحقوقهم،وتبين أغلب الأدبيات السياسية أن مبدأ الفصل بين السلطات قد جاء في كتاب”روح القوانين “ 1778 للفيلسوف الفرنسي مونتسكيو كنسق اساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة ومنع احتكار السلطة وتعود جذور هذا المبدأ الى الفكر السياسي الاغريقي، فقد بين افلاطون ان وظائف الدولة يجب ان تتوزع بين هيئات متعددة ومختلفة مع اقامة التوازن والتمايز في الوظائف بين هذه الهيئات حتى لا تنفرد احدها بالحكم.

في حين يعد ارسطو المؤسس الاول الذي قام عليه مبدأ الفصل والتمايز بين السلطات فقد قسم وظائف الدولة الى ثلاث”المداولة، الامر، العدالة“ وان تتولى كل وظيفة هيئة او مجلس مستقل عن الاخر فضلا عن قيام التعاون بينها جميعا لتحقيق قدرة الدولة على ضبط مسارات المجتمع ،اما في عصر التنوير الاوروبي فقد ظهر مبدأ الفصل والتمايز بين السلطات في كتاب لوك(1632- 1704) حول الحكومة المدنية، وقدحدد لوك أن اعطاء سلطتين مزدوجة لوضع القوانين وتنفيذها يمنح اغراءات للاشخاص لتجاوز سلطتهم نظرا للطبيعة البشرية المؤسسة على الطغيان، ومن هنا حدد ضرورة الفصل (فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية) وقد اصبح كتاب جون لوك انجيل الثورة الانجليزية 1688 التي ادت الى اعلان وثيقة الحقوق سنة 1689،ولم يهتم جون لوك بالسلطة القضائية ولم يحدد استقلالها وذلك لأن القضاة كان يتم تعينهم وعزلهم من قبل الملك، اما بعد الثورة فقد تم تعيينهم من قبل البرلمان ولكنهم لم يحققوا الاستقلالية في المجال الوظيفي.  

أما مونتسكيو فقد عالج مسألة الفصل والتميز الوظيفي بين السلطات في مؤلفه الكبير”روح القوانين “ 1748 فضلا عن استقلالية كل منها عن الاخرى وذلك بوصفه الضمان الحقيقي للحفاظ على اسس الدولة الحديثة ولضمان الحريات المدنية والابتعاد عن احتكار السلطة التنفيذية للدولة ،لأن ذلك سيؤدي إلى إحلال الاستبداد وإلى طغيان الدكتاتورية ،ويعتمد إستقلال وتمايز الدولة على التوزيع المتوازن للسلطة بين السلطات (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية) وفق الاختصاصات الوظيفية التي يحددها العقد الاجتماعي،وذلك  بتحديد المهام والوظائف الاساسية التي تضطلع بها كل سلطة فضلا عن ذلك توزيع السلطات وفصلها لمنع الاحتكار ومراقبة متبادلة بقيام كل سلطة بمراقبة السلطات الاخرى.  

ويرى د. حسن حنفي ان النظم السياسية بصرف النظر عن توجهها الأيديولوجي تحدد أولوية السلطة القضائية على السلطتين التشريعية والتنفيذية وإستقلالها عنهما، لأنها تمثل العدل وهي التي تفصل بينهما في حالة النزاع وكذلك من مهماتها تفسير القوانين والحكم فيها وضمان تنفيذها من قبل مختلف الجهات داخل المجتمع ،كما تعمل السلطة القضائية على منع إنتهاك حقوق الأفراد من قبل أفراد أخرين أو من قبل السلطة التشريعية أو التنفيذية ، كما تعمل على تحقيق مبدأ سيادة القانون، وتشمل هذه السلطة جميع انواع المحاكم في الدولة(محاكم الصلح، البداءة، المحاكم المركزية، محاكم الاستئناف) ويتمتع أعضاء هذه السلطة في الانظمة الحديثة بحماية دستورية،أما السلطة التشريعية فوظيفتها سن القوانين ووضع الدساتير وتنظيم علاقات الناس والمجتمع وهي بذلك تعبر عن الارادة العامة، أما السلطة التنفيذية فهي التي تمثل الحكومة وجميع الأجهزة والمؤسسات المتفرعة عنها أو التابعة لها ووظيفتها تنفيذ القوانين والتشريعات التي تشرعها السلطة التشريعية وادارة امور الدولة والمواطنين .  

وقد بين جان جاك روسو في العقد الاجتماعي أن هذا الفصل والتمايز يؤدي الى توزيع الصلاحيات والأدوار بين مجموعة السلطات ويسهل عملية إدارة أمور المجتمع والدولة في مختلف جوانب الحياة ما يتيح لكل الأفراد والمؤسسات والجماعات المساهمة في إتخاذ القرار، وقد بين ألان تورين أن أهمية الفصل بين السلطات التشريعية، القضائية، التنفيذية، يحقق مجموعة من الانساق المعرفية وهي :

1- التخصص في العمل وذلك  بتحديد وظائف السلطات ومجال عملها واتقان الأدوار.

2- تطبيق القانون بشكل متوازن.

3- يؤدي الى التوازن بين مختلف السلطات فضلا عن توازن المجتمع البشري.

4- ظهور الرقابة المتبادلة في عمل السلطات والاجهزة المختلفة في الدولة.

5- ظهور اليات من التكامل في ظل تقاسم العمل والوظائف والتخصصات.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق