]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل هو ثعبان ؟ أم أنا جبان ؟

بواسطة: سلام عبد الكريم  |  بتاريخ: 2014-05-31 ، الوقت: 12:12:45
  • تقييم المقالة:

كثيرةُ هي تلك الأوقات التي سعيت بكل ما أوتيت من قوةٍ و عزمٍ أن أُضيعها في ما مضى ..  لا لشيءٍ كبيرٍ سِوى أني أردت الهروب من مسؤولياتي .. مسؤولياتٌ كنت أشعر بها كجبالٍ على ظهري ... لا أعرف لماذا!!
هل من فهمي الخاطئ لمعناها , أم خطأُ من زرع مفهوم هذه المسؤوليات في عقلي و فكري !!! 
أم هي من الخاطئ أصلا تسميتها بمسؤولييات !!  

كنت أشعر بالكتاب كثعبانٍ , يراني فريسةً وأراه مخيفا... 
لم يكن يرادوني شعورٌ إلّا رؤيته كعقوبةٍ تصب جام غضبها على عقلي , وعلى وقتي الذي كنت أظنّه خُلِق لأشياءٍ أخرى ,
غير تصفح وقراءة صفحاتٍ تحوي ملايين الحروف ...

هكذا رأيته , بهذه الصورة المتوحشة , بهذه الآلية المخيفة , بهذه العقلية التي لم ترى بأحرفه سِوى آلاتٍ حادةٍ تسعى للسع جسدي .. لم أرى ذلك النور الذي كانوا يحدثونا بأنه سيخرج من بين طياته وحروفه  ,  لم يرسو على شاطئ ذاكرتي إلا ذلك الشعور الذي يجبرني على تصفحه تحضيراً لذلك اليوم المفزع ... 
ذلك اليوم الذي أمسك قلمي فيه بيدٍ مرتجفةٍ أمام ورقةٍ صُبّ عليها عشرات الأسئلة المبهمة ..  كان شيئاً مخيفا بكل ما للكلمة من معاني .. أصبحت هناك علاقة خوفٍ عكسية تربط الكتاب بهذا الشعور .. نعم إنها فوبيا الكتاب ..   

ومضت الأيّام  ...  وحققت حلمي الذي كنت أصبو إليه , أبعدت عني ذلك الثعبان المخيف , تخلصت من فوبيا الكتاب  من عقدة الأحرف المصطفةِ كجيشٍ يتجهز لِاحتلال عقلي وأفكارة عنوة , انتهت كل تلك المأساة التي أرّقت فكري في  الليل قبل النهار ,
و تُحطِّم أحلام الفتوّة والشباب بمئات الأوراق ...   

ولـــكن ... ولـــكن ... ما هذا الشعور ؟ هل أنا أقرأُ من جديد ؟  هل يداي تلامسان ذلك الثعبانِ مرةً أخرى ؟ 
يا للهول .. نعم أنا أقرأ , لا لتخطيطٍ مسبق , بل صدفةٌٌ اخترقت ذلك الوقت الذي كنت أسعى لإضاعته في ما مضى ..
وقفت ساعاتٍ وساعات أمام المرآة , أسألها , أسأل نفسي بموقف المذهول ... هل هذا أنا ؟ هل هي تلك الحياة بعينها ؟
هي نفسها التي كنت أعيش فيها ؟ هل هو ذلك الجسد الذي كان يشعر بقشعريرةٍ عندما تلامس أصابعه ذلك الكائن المخيف
المسمّى كتاب  ... لا رغبةً به , بل رهبةً منه .. ؟؟!!  
سألت نفسي وجلدتها بسوط الندم والعتب , أقمت عليها حدّ اللوم بما فعلته بي في سنينٍ عجافٍ قضيتها خائفاً من ولوجِ  ذلك العالم , عالم الكتاب والقراءة , ظناً مني أن فيه حتفي ...
أما اليوم فأنا أقاتل وأحارب بكل سلاحٍٍ أملكه لأحظى بلحيظاتٍ أقرأُ ولو سطراً من كتبٍ الكترونية لا ملموسة ...   
حائراً أقف .. مذهولاً بنفسي العبثية التي أضاعت أكثر من عقدين من الزمن دون غذاء ..
عقدين لم أرى فيهم معنى النور إلا مادياً من ذلك المصباحِ الذي فوق رأسي .. 
عقدين رحلا من عمري ولم أشعر بلذّة القراءة والكتابة والغذاء على مائدة العلم والمعلومات المتجددة .. 
ظننت غذائي ثلاثَ وجباتٍ تملأ معدتي بشكلٍ مؤقت , سنينٌ طِوالٌ لم أشعر بغمرة الحب والعشق الذي حظيت به عندما  تركت
لعقلي وقلبي وفكري وكل جوارحي حرية السباحة في بحر كتابٍ ما .. 
لم أدري ان خلايا جسمي تنمو بكلِّ حرف ٍ جديدٍ أقرأه , لم أدري أن شبعي هو مجرد لقيماتٍ من ذلك الكتاب أو تلك المعلومة ,
من ذلك الكائنِ الذي خُيِّل لي ككفنٍ أسودٍ وعقدةٍ تكبّل يداي ...   

جلدت نفسي وأدميتها , نعم لا أنكر ... ولكن تراودني أسئلةٌ كثيرة لم أستطع إيجاد أجوبتها ...
هل انا الملام الوحيد الأوحد ؟؟  هل أنا الذي صنعت مجتمعي بيديّ ؟؟ هل أنا الذي وجّهت تفكيري وصقلته ليُصوّر لي الكتاب
كحلمٍ مزعجٍ يؤرقني حتى في المنام ؟؟   

لست من الذين يندمون على فاتهم , ولكن شعور الندم والقهر على ما فاتني من غذاءٍ روحيٍ وعلمٍ , أثقل مهجتي ..  

وبالمقابل .. أحمدُ المولى على خروجي من ذلك النفق المظلم ولو كنتُ متأخراً , وأدعوه أن يرزقني العمر لأعوض ما فات ..  

فقد حسمت أمري ,, فأنا جائعٌ حتى النخاع ...
والأهم من ذلك أني ..     لـــم أعُــــد أراه ثـــعـــبانـــاً ...    


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق