]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فاوست وكونسرتو الخلود

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 16:31:45
  • تقييم المقالة:

فاوست وكونسرتو الخلود

محمد الحداد العراق

 

 

ابتداءً من القرن السادس عشر وما تلاه تنقلَ فاوست بينَ أقلام الكتّاب الألمان والانكليز وغيرهم عشراتِ المرات تعرضَ أثناءها - كما لم يتعرض عملٌ قط - إلى الكثير من التغيير(إضافة أو حذفاً) حتى أصبحتْ عملا ً مُشاعاً لم يعُد فاوست فيها حبيس بئر مثيولوجيتهِ الألمانية بل يخرجُ تارةً ويختفي أخرى حتى وصلَ أحضانَ جوتة فأكساهُ ثوباً نصياً فائق الروعة اكتسحَ بجمالهِ جهودَ مَنْ سبقوه ومَنْ تلوه معَ تميزهم كمارلو ومولر وكلينجر وليسنج وفاليري وغيرهم فاستحقَ أن تُخَلدَ المأساة كماركةٍ مُسجلةٍ باسمهِ وكأنها اكتشاف جوتي خالص

تحكي مأساة فاوست قصة طبيب ألماني تعلمَ السحرَ والكيمياء وبرعَ فيهما مُظهراً قدراتٍ خارقة ًسحرتْ ألباب الناس في عصرهِ وشاعَ أنهُ باعَ روحهُ للشيطان ما لبثَ أن اختفى بعدَ ذلكَ والى الأبد فنسجتْ القصص وتلقفتها الألسن حتى أشاعَ الشكَ بينَ الناس وأثارَ غضبَ الكنيسة

.

ثمة صراع أرضي -  سماوي اعتملَ داخل نفس فاوست ،صراع مَنْ سأمَ الحياة بشقائها ورتابتها ،في ذات الوقت ثمة حلم طاغي بالارتقاءِ نحوَ الأنتليخا الإلهية والنور السماوي الذي لايخبو وغرابة تلك الفكرة تصبحُ معقولة ً فقط داخل هكذا لون من ألوان الأدب الذي أبدعَ جوتة في رسم ِ عوالمِها العلوية والسفلية بغرائبها وأجواءها المكتظةِ بالسحرِ المستلهم من وحيِّ الأساطير ومخلوقاتها الخرافيةِ خاصة ً في القسم ِالثاني من المأساةِ باعتبارهِ رحلة في العالم السفلي الذي شكلَ الفصل بينَ الوهم والحقيقةِ فيهِ ضرْباً من المستحيل ذلكَ أنهُ جزءٌ روحينفسي يُشبه الهُلام   وترتيب الأحداثِ فيه مصوغ كأنهُ أضغاثُ أحلام ٍتتفككُ فيه عناصر الحقيقةِ متجاوزة حدود المنطق على العكس ِ من بساطة ِ وواقعيةِ القسم الأول من المأساة وربما كان  ذلك انعكاساً واضحاً لدوامات التطور الطبيعي في شخصيةِ جوتة نفسه لانَّ إتمام مأساتهِ هذهِ استغرقَ قرابة ستينَ عاماً من حياتهِ أو يزيد

!

الغواية لحظة ُ الغواية في مأساةِ فاوست هي هي نفسُها :الغواية الأولى لآدم،وهي نفسها أبداً، تزينها لحظة التوق إلى المجهول .بعدَ رهانهِ معَ الرب انطلقَ مفيستو ليحصدَ ثمرة طموحهِ الشيطاني ،وثمَّ تماثلٌ من نوع آخر:هناك في فجر الغوايةِ الأولى من لحظةِ توق ٍ مشوشةٍ نحو مجهول ٍ مُغيب نفذ الشيطانُ بمكرٍ ودهاء،من لحظةِ ضعفٍ إنسانية لحظة نسيان خالدة (فنسيَ ولم نجد لهُ عزما) نسيانٌ وتوقٌ وإثارةٌ صرعتْ آدم بعرضٍ شيطاني مجاني للخلود والمُلك الباقي:(هل أدُلُكَ على شجرةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يبلى) يُقابلهُ هنا عرضٌ مجانيّ ٌآخر من مفيستو: (أريدُ أن أوطئ أكنافي وأن أكون في خدمتكَ على الفور،أنا رفيقُكَ وسأُحسنُ الصُحبة،َ أنا خادمُكَ،أنا عبدُكَ )!!ثم يقررُ:  (سأُعطيكَ ما لم يرهُ بشر!افعلْ ما يحلو لكَ تذوقْ من كلِّ شيء والتقط في طيرانكَ ما تشاء واحصل على كل ما يطيبُ لك انطلقْ ولا تحتشم )!أليستْ لغة ُ الغوايةِ واحدة أبداً؟ ويساعدُ تفتح حواس فاوست لاستقبال الشهوة على إتمام الصفقة:( أنا مستعدٌ للنشوةِ وما قُسِّمَ للإنسانية كلها أريدُ في أعماقِ ذاتي أن أستمتعَ بهِ وأريدُ بكلِّ روحي أن أبلُغَ الأعلى والأعمق).العجيبُ في أمر الغواية هذهِ أمور

:

1. إنَّ كُلا ً من فاوست و مفيستو يعرفُ أحدهُما مبتغى الآخر منه لكن يستغل هذهِ المعرفة للوصول ِ إلى منجزهِ المستقبلي،في جزء(غابة وكهف)تستعر الغواية الأزلية في صدرِ مفيستو يحثّ ُ بها فاوست على المزيدِ للوقوع في المعصيةِ مع مارجريت،يدفعهُ إلى ذلكَ دفعاً ويُلهِبُ حسَهُ بجمالِ حبيبتهِ واصفاً انتظارها لهُ خلفَ شباكها ليردَّ عليهِ فاوست: (أفعى  أفعى )!فيجيبهُ مفيستو محدثاً نفسهُ: (هذا صحيح ولكني سأصيدك

)!

2. تبدو حالة ُ الاغتراب الروحيّ لدى فاوست والذاتية الصارخة حتى عندَ إتمام الصفقةِ مع مفيستو فحواءُ لا وجودَ لها لاغواية ولا تحريضاً بل ولا مصاحبةً أيضاً فوجود مارجريت أو هيلانة أو سواهما كانَ استتباعياً،فردية طاغية تعكسُ حجم خواءه الذاتي الآسر

.

3. في الوقت الذي يُخدع فيهِ مفيستو بوهم ِ علاقتهِ بفاوست ظناً منهُ أنهُ استطاعَ أسرهُ إلى الأبد بإبعادهِ عن طريق الله يظلُ فاوست رغمَ ارتمائهِ بأحضان الشيطان تعبرُ روحُهُ القلقة عن الحاجة المستمرةِ لاستكمالِ نقائصها فلم يزدْهُ انكبابهُ على الشهواتِ إلاّ كرهاً لمفيستو وشعوراً مضطرداً لحاجتهِ إلى الله وتتطلع روحهُ العطشى صوبَ الكمال حتى تموتَ الأنا فيهِ آخرَ المطاف وتنمو مكانها روح الجماعة قبلَ أن يعاجلهُ الموت

.

4. إنَّ شوقَ فاوست إلى اللهِ هو ارتقاءٌ إلى الأعلى ،ألأعلى الذي يكرههُ مفيستو لأنهُ يذكرهُ بالجنةِ التي طُرِدَ منها وكأني بجوتة يرى أنَّ كلَّ آثام فاوست التي سهّلها  مفيستو له هي نفسها السبيل إليهِ ليرجعَ إلى الله من جديد فالغواية تُفضي أخيراً إلى الندم والإنابة،وأنَّ جذوة المعصية لابدَّ بعدَ إخمادها من توهج ٍ آخر تُمثلهُ حرارة التوبة فسلالم يوتيبياه التي تأملَ منها سابقاً أن تعرجَ بهِ لذات الله والحقيقةِ والكمالِ أبصرتهُ بقزامةِ ذاتهِ الضائعة إزاء ذلك كله،والعجيب أنَّ شعوراً بالذنبِ رافقَ فاوست طيلة َ أحداثِ المسرحيةِ معَ أنَّ قراءةَ أفكارِ فاوست هو أسهلُ ما كانَ يقومُ بهِ مفيستو

!

تريثي أيتها اللحظة فما أجملكِ

!

هناكَ لحظة بارعة الجمال في جزء(غرفة الدراسة) راهنَ فيها فاوست مفيستو لو استطاعَ أن يُثنيه ولو للحظةٍ من البحثِ عن الحقيقةِ أو أن يخفِتَ عندهُ التوق إلى الجديد أو لو رَضيَ عن نفسهِ للحظةٍ مخاطباً إياها بقولهِ: (تريثي أيتها اللحظة فما أجملكِ )..لو حدثَ ذلك : (فقيدني بالأصفادِ وليدقَ ناقوسُ موتي ولتتوقف الساعة فقد حانَ أجلي ).وسنأتي إلى هذهِ اللحظة بعدَ قليل

.

أحبَّ فاوست مارجريت كرمزٍ للطهارةِ والبراءةِ النادرتين وأحبَّ هيلانة كرمزٍ للجمالِ الأعلى وطلبَ استحضارها من عالَمِ الأرواح لتكونَ مُلكاً له وتمَّ لهُ ذلك لكنها أقفلتْ راجعة ً من حيثُ أتتْ ربما لانَّ الوهمَ والحقيقةَ لاينبغي أن يلتقيا إلاّ في الأحلام

!

مفيستو فاليس يبدو مفيستو ذكياً،صبوراً،دقيقَ العبارةِ،مُضلل وحسود لجنس البشر،لا يريد لفاوست الظفرَ بأسبابِ الهدايةِ فيحثهُ على ازدراءِ الأديان ويعرضُ لهُ البديل باستمرار. وللدم ِعندهُ نكهة خاصة!فهو يُصرُ على أن يوقِعَ فاوست بهِ عندَ توقيعهما الصفقة رغم شكلية أهميتهِ عندَ فاوست، يُقدمُ الشكَ على أنهُ جوهرة الوجود النفيسة  تخدمهُ في نواحي حياتهُ كلها لكنهُ يفشلُ أخيراً رغم العقد المُبرم في إبعادهِ عن اللهِ وفي الاستحواذِ على روحهِ معا

.

عمى فاوست وموته أصابَ العمى فاوست قبلَ موتهِ لكنَّ نورَهُ الداخلي بدأ يتوهج فقد تغيرَ فاوست أخيراً،أرادَ أن يصنعَ جنةَ اللهِ على الأرض وبصنع الإنسان نفسهِ وتمنى أن لا يموتَ قبلَ إتمام مسعاه ليصِلَ إلى شعبٍ حُرٍ وأرضٍ حرةٍ وحافزٍ عام،تلكَ الجنة التي صقلتْ نفسَهُ قبلَ أن يراها وطهرتْها من فرديتها وأنانيتها بحبِّ العمل، الجنة التي لايخلقها فردٌ واحدٌ مهما أوتيَ من ذكاءٍ وعلمٍ وقوةٍ وها هو يقولُ للهم: (لم أعبر الدنيا إلاّ مُسرعاً تعلقتُ بكلِّ شهوةٍ وما يُرضيني تركتهُ يذهب وما أفلتَ مني تركتهُ يمضي،أعرفُ الكرةَ الأرضية معرفةً لابأسَ بها أما الورائيات فمحجوبٌ عن النظرِ وأحمقٌ مَنْ يتجهُ ببصرهِ إلى هناك ما حاجة الإنسان إلى التحولِ الشاردِ في الأبديةِ؟) لقد أبصرَ فاوست حقيقة نفسهِ أخيراً فما حاجة الإنسان إلى معرفةٍ تتجاوزُ حدودَ وعيهِ القاصر؟إن عظمتهُ تكمنُ في مكانهِ حيثُ وضعهُ الله لا حيث تسعى نفسهُ التواقة لأن تكون وأنَّ طريقاً خلفياً يقحمهُ فيهِ مفيستو لايموهُ فيهِ على الله وصولاً إلى الحقيقة أو العكس لا يموهُ فيهِ على الحقيقةِ وصولاً إلى الله .لقد ظنَّ مخطئاً أنَّ بإمكانه التحركَ قليلاً من(مكانهِ- قدره) إلى حيث يقترب من ذات الله،كيف وهو غارِقٌ في دنسهِ وغرورهِ بأحضانِ مفيستو؟ لو عرفَ ذلكَ منذُ البداية لعرفَ الله،ولو عرفَ اللهَ لَمكنتهُ معرفتهُ تلك من رؤيةِ اللهِ في نفسهِ

.

لكنَّ الموتَ داهمهُ في نفسِ الوقتِ الذي خاطبَ بها اللحظة بقولهِ

:

(تريثي أيتها اللحظة فما أجملكِ)!لقد راهنَ بروحهِ،بحياتهِ على عدم قدوم تلكَ اللحظة وها هي ذي قد جاءتْ ولمّا يُنجزُ ما يُريدُ بعد،فقالَ مفيستو: (لم تشبعهُ لذة ولم يقنع بأية سعادة لقد ظلَّ يُحلقُ باستمرار طلباً لأشكالٍ متغيرة وها هو المسكين يتمنى أن يُمسِكَ باللحظةِ الأخيرة السيئة الخاوية،وها هوَ مَنْ قاومني بكلِّ قوةٍ سيطرَ عليهِ الزمان ورقدَ في الطين. إن الساعةَ قد توقفتْ

).

ربما انفردَ جوتة في تعاملهِ معَ موتِ فاوست بقدسيةٍ واحترام ٍعاليين في احتفالٍ جنائزي ملائكي كنوع ٍمن التطهير والتحضير اللذين يليقين بتائبٍ مقرب وبالغَ في استقبالِ الملائكةِ لهُ ولا أجدُ تبريراً لذلكَ إلا لتقريرهِ على لسانِ الرب منذ الاستهلال الذي في السماء: (إن كانَ يخدمني على نحوٍ مشوش ٍفسأقتادهُ إلى الوضوحِ عمّا قريب

).

لقد كانَ فاوست فريسة الفهم الخاطئ لشكل العلاقة مع الله،لكن يبقى علينا القول أنَّ نموذجاً فاوستياً لا تخلو منهُ البشرية في كلِّ زمانٍ ومكان،ولنا أن نسألَ أخيراً: ما الذي أغرى الإنسان الفاوستي أن يهجُرَ جنتهُ الأرضيةِ ليركَبَ موجة الشيطان داخلا ً مملكته؟ لعلَّ عرضنا لنماذجَ فاوستيةٍ أخرى من صنع بول فاليري أو مارلو تُضيءُ لنا الإجابة عن السؤالِ يوماً ما.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق