]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أحلامُ السيسي

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2014-05-28 ، الوقت: 18:58:07
  • تقييم المقالة:

 

أحلامُ السيسي

 

محمد الحداد /العراق

وحدهُ السيسي مَنْ كانينظرُ بعينٍ أخرى مغايرة تجاوزتْ أرضَ الحَدثِ المصري الساخن كله وتطاولتْ إلى أفقٍ بعيد..عينٌ رأتْ في المشهدِ برُمّتهِ حُلماً من الصعبِ أنْ يتكررَ ثانية أبداً لذا كان عليهِ أنْ يستثمرهُ بهدوءٍ وصمت..قليلٌ من الكلامِ وكثيرٌ من العمل..

صحيحٌ أنَّ السيسي لم يبتدع اللعبة منذ بدايتها لكنهُ ابتدرها لاحقاً فورَ نزولهِ أرضَ الملعب..ثم صنعَ كلَّ شيءٍ بعد ذلك لوحده..هو الذيأفادَ بشكلٍ حاذقٍمن عُقدةٍ نادرةٍ من الصعبِ أنْ تتكرر ثانية..هو الذي أجادَ تماماً لعبة التمظهرِ وتسويقِ النفس وصنعَ من نفسهِ بنفسهِ صورةً كانت الجماهيرُ مُتعطشة لها..لذا لم يكن يُريد لأيِّ أحدٍ أنْ يوقفَ عجلة انجازهِ التي ما أدارها إلا لتستمر..لم يكن لِيسمحَ أبداً لأحدٍ غيرهِ أنْ يستأثرَ بذلكَ كلهِ ويسرقَ منهُ انجازهُ الأغلى..كان يطمحُ أنْ تُغطي صورتهُ المَهيبة الساحرة على الصورِ كلها..ولم يعُد مُقنعاً الاكتفاء بأنْ يرفعَ الشعبُ لهُ قبعاتهم شاكرين باعتبارهِ رجلَ المرحلةِ بلا منازعٍ ولا بديل ثم ينتهي الأمر..

على المستوى الاستقرائي للأحداث برمتها رغم التباسها لم يكن التنبؤ بذلك كلهُ يحتاجُ إلى كثيرٍ من الفراسة أو الذكاء..وبالمُجمل.. فإنَّ المحاولاتِ الاستقرائيةِ في مثل هذهِ الأحوال لا تجدي نفعاً بوصفها استمطاراً استباقياً مُبكراً للأحداثِ الكبرى المرتقبة فحسب بل تنفعُ أيضاً وهو الأهم في فهمِ آليةِ صناعةِ المِزاجِ الجمعيِّ العام للشعوبِ قبلَ تشكلهِ وبعدهُ أيضاً ومعرفة مفاتيحِ التحكّم بهِ خاصة أنها كانتْ تسقط سابقاً بيدِ مَنْ يمنحُ لنفسهِ حقاً مقدساً فيمصادرتها ويستأثر لوحدهِ بأسرارِ أبوابها..أقولُ ذلك لأني ومنذ بواكيرِ أزمةِ الإطاحةِ بالرئيسِ المعزول محمد مرسي توقعتُ وفي أكثر من مقالةٍ سابقةأنَّ مصرَالغد مقبلة على أحداثٍ انفجاريةٍ مُدمّرة..وحذرتُ أنَّ ثمة مَنْ يوشكُأنْ يُضرمَ بيديهِ فتيلَ قنبلةٍ موقوتةٍ ربما تُحرقَ مصرَ كلها.  

كان ذلك إبان إقدامِ المشير عبد الفتاح السيسي وبخطوةٍ جريئةٍ على عزلِ أولِ رئيسٍ انتخبتهُ مصر..كنتُ أعي تماماً ما قلتهُ رغم عِلمي باستحالةِ إقناعِ الجميع بأنْ يتصوروا المشهدَ المرتقب بوضوحٍ كما كنتُ أتوقعهُ..لكن مع ذلك لم يكن هذا الكلام بِدْعاً من القولِ ولم يكن يحملُ أيضاً في طياتهِ تجنٍّ ما على قائدٍ عسكريٍّ مُحنّك كان الكثيرُ ينظرونَ إليهِ بشكلٍ مُغاير تماماً فقد بدا لهم كرجلٍ مُنقذٍ عَطَفت الأقدارُ عليهم بهِ ليُخرجَ مصرَ من عُنقِ زجاجةٍ كانوا يرَونَ أنَّ الإخوانَ أدخلوها على كَرهٍ فيها..كانتْ أجواءُ مصرَ كلها ملغومة بالحدثِ القادم..المهلة القليلة التي أعطاها السيسي لجميعِ الأطرافِ بدأتْ تنفدُ والرئيس محمد مرسي يعِدُ تارةً ويتوعدُ تارةً دون أملٍ في أنْ تهدأ البلاد..الساعاتُ الأخيرة من المهلةِ ذابتْ سريعاً بنيرانٍ أوقدتها جميعُ الأطرافِ المتنازعةِ حتى وَصَلتْ السيسي فأخذها وأضرمَ بيديهِ فتيلَ إحدى أهم قنابلهِ التي فجّرها وسط الجميع حينما أقدمَ على عزلِ محمد مرسي وتولى الجيشُ زمامَ البلاد..بعد ذلك حاولنا أنْ نرسمَ مُلخّصاً لسيناريو تكميليٍّ آخر على المدى المنظور الذي كانتْ تتيحهُ لنا بعضُ المؤشراتِ ضمن ممكناتِ السياسة..كان توقعنا فيهِ أنْ تكونَ عملية إزاحة مرسي عن السلطةِ مجرد خطوةٍ أولى تتبعها خطواتٌ أكثر جرأة..فقد كان وراءَ أكمة السيسي ما ورائها..

كم تمنيتُ سابقاً على الجميعِ أنْ يُجهدوا أنفسهم في قراءةِ هذا الرجل كما ينبغي..فبغضِ النظرِ عن الأسبابِ التي قدّمها السيسي كتبريرٍ لعزلِ محمد مرسي..لم أستطع أبداً أنْ أترجمَ قيامهُ بذلكَ على أنهُ محض انتفاضةٍ عسكريةٍ غاضبةٍ كالتي يُمكنُ أنْ تحصلَ في أيِّ بلدٍ عربيٍّ آخر..انتفاضة تعاطفتْ المؤسسة العسكرية فيها مع مطالبِ الشعبِ وسحبتْ بِساطَ الزعامةِ من تحتِ أرجلِ محمد مرسي وقلبتْ لهُ ظهورَ المِجَن فحسب..والذين قرأوا الحدثَ بتلك السذاجةِ أثبتت الوقائعُ اللاحقة خطأهم الفادح وعدم فهمهم للمشير السيسي جيداً..ولا زلتُ أذكرُ وقتذاك الآراءَ الكثيرة التي كانت تُغالط رؤيتي هذهِ حداً دفعَ البعض إلى اعتبار كلامي هذا عنهُ تهويلا رُهابياً لا يخلو من المبالغةِ والوهمِ عِوضاً عن اتهامي بالتجني عليه..كان ذلك كلهُ في الأيامِ الأولى فقط لإزاحةِ مرسي عن السلطةِ في وقتٍ بدا أمرُ استحواذ السيسي على صورةِ المشهدِ كلهِ يزدادُ وضوحاً على ساحةِ الأحداث لكن ليس بتلك القوةِ التي فرضتْ نفسها فيما بعد وساعدَ تفاقمُ الأمورِ في تأكيدها وعجَّل من التسليمِ بها..

لم يكن عزلُ مرسي عن السلطةِ والإطاحةِ بحُكمِ الإخوانِ حدثينِ مُنفصلينِ أبداً عن مُجملِ ما حصلَ قبل ذلكَ وبعده..لم يكن الدافعُ إليهما انفعالاً عفوياً أو آنياً محضاً أملتهُ ظروفٌ بعينها..لكنَّ الأهمَ في ذلك كلهِ أنَّ شيئاً لم يكن ليوقفَ الرجلَ الطامحَ من إتمام ما ابتدأه..لأنهُ كان ينظرُ إلى أبعد مما تحققَ بكثير ويُعِدُّ نفسهُ بنفسهِ لدورٍ مستقبلي أغلى وأكبر..دورٌ خطط لهُ ورسمهُ بيدِ الطموحِ لا الواقع..ولم يكن عزلُ مرسي إلا تسخيناً أولياً لمباراةٍ قادمةٍ أقوى وأخطر..أعرفُ أنَّ الحديثَ عن كلِّ ذلك قبلَ وقوعهِ أو بالتزامنِ معهُ على الأقل كان يبدو مجازفة خرقاءَ تُشبهُ رجماً بالغيب يفتقرُ إلى أدلةٍ مُقنعةٍ لا تملكُ إلا أنْ تحملَ معها إثمَ مَنْ يتورط في التسكعِ طويلاً بدروبِ السياسةِ الوعرةِ والخوضِ في متاهاتها المظلمة..لذا كان الكلامُ بتلكَ الصورةِ المُغايرةِ في أوجِ لَمَعانِ بريقِ نجم السيسي الصاعد في سماءِ الحَدثِ يبدو كرهانٍ خاسرٍ سَلفاً خاصة أمامَ انجازٍ جليٍّ تبدّى لهم مثلَ حقيقةٍ شاخصةٍ لكنها لم تكن سوى طبخةِ وهمٍ شهيةٍ كانتْ تستعرُ في قِدرٍ ساخنٍ ومن حولهِ تلتفُّ عيونٌ جائعة تُحدّقُ بهِ وأنوفٌ توّاقة تشمُّ منهُ رائحة النصرِ دون لبسٍ..وإن لم يكن ثمة أملٌ لهم في معرفةِ ما يُطبخ بداخلِ ذلك القِدر..وفي غمرةِ فرح الملايين بإزاحةِ محمد مرسي عن السلطةِ لم يكن ثمة استعدادٌ مُشجّعٌ لتقبّلِ أية قراءةٍ أخرى مُغايرة تتقاطعُ تماماً مع السائدِ وتتورط عَلانية بتجاهلهِ..لم يكن من السهلِ عليهم أنْ يتوقعوا حدوثَ أيّ سيناريو كارثيٍّ قادمٍ قد تُنجبهُ الأحداث وتُفسدُ عليهم أفراحهم..لم يكن التشاؤمُ مُتّسقاً أبداً مع ما يبدو أنهُ نهاية أكيدة لأحزانِ مصر وقرب خروجها من عُنقِ الزجاجةِ الخانق..بالمختصر..كان التلويحُ المبالغ بالأملِ الذي احتفتْ بهِ تلك الملايين يبدو بالنسبةِ لي محضَ وهمٍ أو سراب..أما مُفارقة الحدثِ فقد تمثلتْ بالتقاءِ حُلم السيسي بحُلمِ الشعب فتعانقَ الحُلمانِ تمهيداً لتكاملهما معاً بحُلمٍ واحد! بمعنى أنَّ تتمة حُلمِ السيسي بدأتْ تتحققُ بقيامِ الشعب بِحَثهِ هو لتتمةِ حُلمهم الأكبر الذي لا يُحققُ لهم مُستحيلهُ إلا هو لا غيره..

الآن.. يمكننا القول بيقينٍ جازم أنَّ السيسي قد قطعَ اليوم شوطاً مهماً باتجاهِ انجازِ ذلكَ الحُلم المشترك بمنتهى الذكاء بانتظارِ إتمامه قريباً حينما يُصبحُ رئيساً لمصر بشكلٍ رسمي..أما مفارقة ذلك الحدث الأكبر فقد تجسدَ في مكافأةِ الشعب لهُ في منتصفِ ذلك الطريقِ نحو تحقيقِ الحُلمينِ معاً إذ كان الاحتفاءُ معكوساً تماماً وليس بشكلهِ السائد المتعارف عليهِ في العالمِ كلهِ.. إذ قلّدَ الشعبُ مُبكراً قائدهُ المُنقذ أعلى وسامٍ ومنحهُ أعلى رتبةٍ يُمكنُ أنْ تطالها أحلامُ الرجال وهي رتبة أنْ يُصبحَ السيسي ناصر مصر الجديد.. بلا مُنازع !


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق