]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ليتهم يرحلون الى كانوسا

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 15:54:17
  • تقييم المقالة:

 

ليتهم يرحلونَ إلى كانوسا!

محمد الحداد

 

بعيداً في التاريخ...بعيداً في الجغرافيا ...هناك في كانوسا فبراير 1077  م ابتدأتْ رحلة الذلِّ لإمبراطور ألمانيا المخلوع هنري الرابع بإراقةِ قطرات الندم بين قدمي البابا جريجوري السابع،و قريباً في التاريخِ والجغرافيا ..هنا في قلب طرابلس الغرب في فبراير أيضاً 2011 م ما من كانوسا يشدُّ القذافي الرحال إليها ولا بابا يسفحُ كرامته بين قدميهِ طالباً عفوهُ لكنَّ المُلكَ هو ذات المُلكِ والشعب لا البابا هو مَنْ خلعَ إمبراطور ليبيا هذهِ المرة!فيا لحكمة الأقدار!  

وكانوسا - المكان لمَن لا يعرفها ضيعة جميلة في ايطاليا القرن الحادي عشر كانت الماركيزة ماتيلدا تملكُ فيها قصراً رائع الفخامة في عهد هنري الرابع إمبراطور ألمانيا ،أما كانوسا – الرحلة فحكايتها معروفة في التاريخ الأوربي يوم أنْ كانتْ لسلطةِ البابا جريجوري السابع في الكنيسةِ آنذاك مجد الكلمة الأولى والأخيرة في تنصيبِ الملوكِ و خلعهم في كلِّ أصقاع أوربا المترامية الأطراف,مجدٌ يعلو أحياناً فوق سلطة الإمبراطور نفسهِ ،لكن كانت ثمة رغبة جامحة عند الإمبراطور في كسرِ هذهِ الصورةِ التقليدية وذلك بابتلاع سلطةِ البابا و حسم الصراع لصالحهِ فتجرأ بعزلهِ من الكنيسةِ ونصّبَ بابا غيره ،ولكي يماثلهُ البابا في سلطةِ القرار قام بعزلِ الإمبراطور ونصّبَ غيره !لمّا استشعرَ الإمبراطورُ قربَ ضياع عرشهِ توجه بنفسهِ برفقةِ زوجتهِ إلى قصر كانوسا حيث يترددُ البابا باستمرار ليعتذر منهُ شخصياً مُعلناً توبتهُ و ندمهُ لكنَّ البابا إمعاناً في إذلالهِ رفضَ استقبالهُ وتركهُ خارج القصرِ ثلاثة أيامٍ حافي القدمين بعد أنْ خلعَ عنهُ كل بهرجة الملوك واكتفى بازارٍ متواضعٍ مما يلبسهُ الرهبان يُكابدُ قسوة البردِ وسط ثلوج شهر يناير حتى سَمحَ له أخيراً بالدخول وعفا عنهُ بعد التماسٍ من الماركيزة نفسها مالكة القصر ،أعطتْ هذه الرحلة درساً بابوياً قاسياً للإمبراطور واعتُبرتْ وسيلة تطهيرٍ مثالية من معصيةِ الخروج عن سلطةِ الكنيسة،كما رسمَ دخول الإمبراطور قصر كانوسا صورة ذوبان سلطتهِ في سلطةِ البابا, وانكسار شوكة حكمهِ .

لاحقاً كانت رحلة كانوسا – الرمز تقفزُ فوراً حيثما اضطرَ زعيمٌ ما لشدِّ الرحالِ نحو خصمهِ طلباً للسلام أو الاستسلام ،كما ارتقتْ الضيعةُ نفسُها من محضِ مكانٍ هادئ وخلاب إلى رمزِ خنوعٍ وذلٍ لعدوٍ غالب.

في ليبيا كان القذافي الفار يفكرُ حتماً بوسيلةٍ يستعيدُ بها كرسيهُ الطائر من بين يديه لكنْ لم يكنْ يخطرُ ببالهِ يوماً ولو في كوابيس حكمهِ أنَّ مَنْ سيخلعهُ عن عرشهِ هذهِ المرة هو الشعب...الشعبُ ذاتهُ الذي يدينُ لهُ القذافي باعتذارٍ لكنْ دونَ مقابلٍ هذهِ المرة,أي دونَ وعدٍ بأنْ يُعيدَ إليهِ عرشهُ فكيف يستقيم الأمر بهذهِ الصورة؟ لكنْ بغض النظر عن استرجاع المُلكِ من عدمهِ ألم يكنْ شعب ليبيا أهلاً لرحلةٍ يطلبُ القذافي فيها الصفحَ منهم عما كان ويُسمعهم كلمة اعتذارٍ أخيرة؟ ألايستحقُ فعلاً أن يكونَ هذا الشعب بمثابةِ كانوساه الأخيرة ؟

بالأمس ...في كتبِ التاريخِ رحلة تمّتْ وأخرى على أرضِ عجائبِ حكامنا اليوم لن تتمَ أبداً,و حينما نتأملُ الرحلتين معاً يبدو الفرق بينهما رمزياً تماماً ،فالأولى لإمبراطورٍ مخلوع فقدَ خياراتِ بقائهِ إلا واحدة أخيرة ملطخة بذلِّ مَنْ خلعهُ لم يتوانَ بما تبقى لديهِ من كرامةٍ مُهانة عن الهرولةِ ورائها إلى كانوسا مستجدياً كلمة صفحٍ واحدةٍ من رجلٍ واحدٍ ,كلمة قد تُرجع إليه مُلكاً آيلاً للسقوط لكنَّ رحلة القذافي التي لن تتم هي رحلة اعتذارٍ لشعبٍ بأكملهِ على ما اقترفهُ بحقهِ طوالَ أربعة عقودٍ اعتلى فيها صهوة البلادِ كقدرٍ لا يُقهر حتى اختفائهِ الأخير و تواريهِ عن الأنظار لقّنهم فيها الحكمة الأغلى في دين الطغاة :أنَّ الذبابة لا تستطيع دخولَ فمٍ مُغلقٍ أبداً .

لِعقودٍ طوال ظننا أنَّ الظلمَ أكبر من الصبرِ وأطول..أقسى وأدهى وأمَر , لكننا اكتشفنا اليوم خطلَ هذا الكلام ..الصحيح أَنَّ الصبرَ صِنوٌ للألم ..عمرهما واحد.. وحيثما كان ظلمٌ فثمة صبرٌ يقعدُ لهُ بالمرصاد ..عزمٌ بعزمٍ ونَفَسٌ بنَفَس, لكنَّ الأهم أيهما ينتصرُ آخر الأمر.. من اثنينِ وعشرين عاماً وأنا أحتفظُ بقصيدةٍ للشاعر الليبي موسى عبد الحفيظ تُفصِحُ بما لا يقبلُ لَبساً ولا مُداهنة عن موقفِ الشعب الليبي الثائر من مناوراتٍ مخادعةٍ أرادَ القذافي في حينها تخديرهم بها بحزمةِ وعودٍ زائفة في إصلاحاتٍ دستورية وديمقراطية شاملة لم تتجاوز ظلمة كذبها لتبصرَ نور الحقيقة ,بعد كل تلك السنين لا زالت القصيدة صرخة مدوية منذ أنْ كسرتْ قيودَ صبرها ونزلتْ ساحة الطاغية حتى أبصرتْ اليوم فجر الحرية واكتملَ لها قِطافُ النصر ,يقولُ في جزءٍ منها مُخاطباً الطاغية :   

أبدلْ كما شئتَ أثواباً وأقنعة       وتُبْ كتوبةِ عاصٍ إذا دنا الأجلُ وارمِ الخطايا على مَن كنتَ تأمرهم    أنتَ المُساءَلُ عن كلِّ الذي فعلوا

هذي يمينكَ بالقُفازِ شاهدة      على الجريمةِ تُغني كلَّ مَنْ سألوا

وليسَ يُجديكَ أنْ تجثو لنا ندماً      فليسَ ما جئتَ يُنسى انهُ جللُ

باقٍ يُؤرقنا ، ثأراً يُمزقنا           ناراً تُحرقنا ،في الجوفِ تشتعلُ

لو جنة الخُلدِ في كفيكَ تمنحنا        لسنا لِطَرفةِ عينٍ عنهُ ننشغلُ        ليبيا التي استلمها القذافي قبل أكثر من أربعةِ عقودٍ لا زالت كما كانت بالأمس البعيد بدوية لا تقوى على خلعِ صحرائها فهل سيجدي اليوم نفعاً بمَنْ مسخَ وجه الدولة قديمها وحديثها وأبدلها بأخرى لا وجود لها إلا على صفحاتِ كتابه الأخضر المنقرض ,هل سيجدي اليوم نفعاً لو جثا ندماً كي يصفحَ عنه شعبهُ ؟ لكنْ أيّ اعتذارٍ سيطوي صفحة هذا الأمس وعن أيّ ندمٍ نتحدث؟أية توبةٍ تُرتجى و لا زالَ ثمة مَن يقرأ في ثوراتِ شعوبنا العربية التي نشهدها اليوم عقوقَ شعبٍ تمردَ على ولاة نعمته؟ بل ثمة مَنْ يرى القذافي بعيونٍ عوراء قائداً تاريخياً صنعَ من كومة رمالٍ صماء حاضرة ولايات متحدة أفريقية جذورها في الأرض وأغصانها في القمة؟ فمَنْ أحرى بهِ أن يدورَ في فلكِ الآخر ومَنْ الأجدر لهُ أن يشدِّ رحالهُ إلى كانوسا الآخر؟

هنا ..في العراق..كانت لنا عصا السبق في ذلك.. فحتى بعد أشهرٍ من اختفائهِ لم يترجلْ صدام من بغلةِ عنادهِ ولم يرمِ عصا المُلك من يمينهِ ,وفي جميع  خطاباتهِ الصوتية التي كان يبثها من مخبأهِ لم يقرأ الشعب في صوتهِ أية نبرة أسف..لا اعتذار ولا تبرير ....بل العكس هو الذي حصل حينما أصدرَ عفواً عمّنْ اقترفَ بحق سرقةِ أموالِ الدولة وممتلكاتها فيما سُميَ لاحقاً بالحواسم واعتبرها للفقير هبة وللغني وديعة حتى تعود أمور الحُكمِ إلى نصابها ليبعثَ رسالة للجميعِ أنَّ الأمرَ لا زالَ بيدهِ ,ولم يخرج عن هذا الطوق أبداً طوال فترة اعتقالهِ مروراً بمسلسلِ محاكمتهِ الطويل وحتى آخر لحظاتِ إعدامه الأخيرة .

فأيُّ اعتذارٍ من الحكام تنتظرُ هذه الشعوب ؟حتى رحلة غريغوري نفسها صوب كانوسا لم تكن رحلة ندمٍ حقيقي واعتذار صادق بل محض مناورة سياسية فرضتها ظروف الصراع الإمبراطوري الكَنَسي في حينها لأنَّ كتبَ التاريخ التي روتْ الحادثة سجّلتْ انتصارَ الإمبراطور أخيراً وخُلِعَ البابا عن كرسي البابوية ونُصِّبَ البابا كيلمنت الثالث بدلا عنه, فهل سمعتم بطاغيةٍ يعتذر؟ الطغاةُ لا يعتذرون أبداً.. الاعتذارُ مَطيةُ الضعفاء نحو نجاتهم ..أما الأقوياء فلا تعني لهم إلا كلمة كفرٍ لم يُدرجها الحاكمُ بأمرهِ في مفكرةِ خلودهِ في يومٍ من الأيام ,الشعوبُ التي خرجتْ على الحاكم وكفرتْ ببقائهِ الطويل لا تدري أنَّ بقاءَ الحاكمِ هذا هو أحدُ جنودهِ المخلصين ..البقاءُ هذا فردٌ من حاشيةِ ملكِ الملوك ..جنديٌّ أمينٌ لعرشِ مليكهِ لا يحقُّ لهُ أن يُبارحَ بابَ قصرهِ أبداً إلا إلى قبرِ مليكهِ أما الاعتذارُ فجنديٌّ من الخوارج لا أمَّ لهُ منشقٌ عن عصا السلطة ، جنديٌّ مهدورُ الدمِ ..مفقودٌ قبلَ أن يُخلق , و ثمة اليوم مَنْ إذا سألتهُ أيُّ الاعتذارين أحق لزاماً وألصق بعنقهِ للآخر بين طرفي معادلة الحكم لاختارَ اعتذار الشعبِ لحاكمهِ ووليِّ نعمتهِ بل سيوجب عليهم دوام تقديم قرابين الولاء والشكر حتى يَلِجَ بابَ قبرهِ بانتظارِ طاغية جديد يُكمِلُ مسيرة الظلم ليكمِلَ له الشعب مسيرة الولاء والشكر.

شعوبنا اليوم في مفترقِ المصير..حياةٌ بثمنِ الموت ...وموتٌ بثمنِ الحياة, إنْ أرادوا الحياة بحقٍ فليزنوا موتهم برحيل طغاتهم ....أما النائمونَ على وسائدِ الذلِّ في ضيقِ مساكنهم..المُلتحفونَ مسوحَ الصبر والسلوان ..الجاثونَ أمام أبوابٍ مغلقة يستجدونَ من طغاتهم داخل الصدورِ رحيلاً لن يُنجزَ و اعتذاراً لن يكون أما هؤلاء...فليذهبوا جميعاً إلى الجحيم ..جحيم الطغاة التي لن تنطفئ.. فما من كانوسا على الأرض ندركُ ذلك جيداً.. ما من كانوسا حقيقي في مفترق المصيرٍ أيضاً.. لا في التاريخ ولا في الجغرافيا لكننا من فرطِ الأمل والهذيانِ معاً سنظلُّ بغباءٍ نرددُ :فقط لو يرحلونَ إلى كانوسا!

ليتهم يرحلونَ إلى كانوسا!

محمد الحداد

نُشرت في جريدة الصباح 19-10-2011

بعيداً في التاريخ...بعيداً في الجغرافيا ...هناك في كانوسا فبراير 1077  م ابتدأتْ رحلة الذلِّ لإمبراطور ألمانيا المخلوع هنري الرابع بإراقةِ قطرات الندم بين قدمي البابا جريجوري السابع،و قريباً في التاريخِ والجغرافيا ..هنا في قلب طرابلس الغرب في فبراير أيضاً 2011 م ما من كانوسا يشدُّ القذافي الرحال إليها ولا بابا يسفحُ كرامته بين قدميهِ طالباً عفوهُ لكنَّ المُلكَ هو ذات المُلكِ والشعب لا البابا هو مَنْ خلعَ إمبراطور ليبيا هذهِ المرة!فيا لحكمة الأقدار!  

وكانوسا - المكان لمَن لا يعرفها ضيعة جميلة في ايطاليا القرن الحادي عشر كانت الماركيزة ماتيلدا تملكُ فيها قصراً رائع الفخامة في عهد هنري الرابع إمبراطور ألمانيا ،أما كانوسا – الرحلة فحكايتها معروفة في التاريخ الأوربي يوم أنْ كانتْ لسلطةِ البابا جريجوري السابع في الكنيسةِ آنذاك مجد الكلمة الأولى والأخيرة في تنصيبِ الملوكِ و خلعهم في كلِّ أصقاع أوربا المترامية الأطراف,مجدٌ يعلو أحياناً فوق سلطة الإمبراطور نفسهِ ،لكن كانت ثمة رغبة جامحة عند الإمبراطور في كسرِ هذهِ الصورةِ التقليدية وذلك بابتلاع سلطةِ البابا و حسم الصراع لصالحهِ فتجرأ بعزلهِ من الكنيسةِ ونصّبَ بابا غيره ،ولكي يماثلهُ البابا في سلطةِ القرار قام بعزلِ الإمبراطور ونصّبَ غيره !لمّا استشعرَ الإمبراطورُ قربَ ضياع عرشهِ توجه بنفسهِ برفقةِ زوجتهِ إلى قصر كانوسا حيث يترددُ البابا باستمرار ليعتذر منهُ شخصياً مُعلناً توبتهُ و ندمهُ لكنَّ البابا إمعاناً في إذلالهِ رفضَ استقبالهُ وتركهُ خارج القصرِ ثلاثة أيامٍ حافي القدمين بعد أنْ خلعَ عنهُ كل بهرجة الملوك واكتفى بازارٍ متواضعٍ مما يلبسهُ الرهبان يُكابدُ قسوة البردِ وسط ثلوج شهر يناير حتى سَمحَ له أخيراً بالدخول وعفا عنهُ بعد التماسٍ من الماركيزة نفسها مالكة القصر ،أعطتْ هذه الرحلة درساً بابوياً قاسياً للإمبراطور واعتُبرتْ وسيلة تطهيرٍ مثالية من معصيةِ الخروج عن سلطةِ الكنيسة،كما رسمَ دخول الإمبراطور قصر كانوسا صورة ذوبان سلطتهِ في سلطةِ البابا, وانكسار شوكة حكمهِ .

لاحقاً كانت رحلة كانوسا – الرمز تقفزُ فوراً حيثما اضطرَ زعيمٌ ما لشدِّ الرحالِ نحو خصمهِ طلباً للسلام أو الاستسلام ،كما ارتقتْ الضيعةُ نفسُها من محضِ مكانٍ هادئ وخلاب إلى رمزِ خنوعٍ وذلٍ لعدوٍ غالب.

في ليبيا كان القذافي الفار يفكرُ حتماً بوسيلةٍ يستعيدُ بها كرسيهُ الطائر من بين يديه لكنْ لم يكنْ يخطرُ ببالهِ يوماً ولو في كوابيس حكمهِ أنَّ مَنْ سيخلعهُ عن عرشهِ هذهِ المرة هو الشعب...الشعبُ ذاتهُ الذي يدينُ لهُ القذافي باعتذارٍ لكنْ دونَ مقابلٍ هذهِ المرة,أي دونَ وعدٍ بأنْ يُعيدَ إليهِ عرشهُ فكيف يستقيم الأمر بهذهِ الصورة؟ لكنْ بغض النظر عن استرجاع المُلكِ من عدمهِ ألم يكنْ شعب ليبيا أهلاً لرحلةٍ يطلبُ القذافي فيها الصفحَ منهم عما كان ويُسمعهم كلمة اعتذارٍ أخيرة؟ ألايستحقُ فعلاً أن يكونَ هذا الشعب بمثابةِ كانوساه الأخيرة ؟

بالأمس ...في كتبِ التاريخِ رحلة تمّتْ وأخرى على أرضِ عجائبِ حكامنا اليوم لن تتمَ أبداً,و حينما نتأملُ الرحلتين معاً يبدو الفرق بينهما رمزياً تماماً ،فالأولى لإمبراطورٍ مخلوع فقدَ خياراتِ بقائهِ إلا واحدة أخيرة ملطخة بذلِّ مَنْ خلعهُ لم يتوانَ بما تبقى لديهِ من كرامةٍ مُهانة عن الهرولةِ ورائها إلى كانوسا مستجدياً كلمة صفحٍ واحدةٍ من رجلٍ واحدٍ ,كلمة قد تُرجع إليه مُلكاً آيلاً للسقوط لكنَّ رحلة القذافي التي لن تتم هي رحلة اعتذارٍ لشعبٍ بأكملهِ على ما اقترفهُ بحقهِ طوالَ أربعة عقودٍ اعتلى فيها صهوة البلادِ كقدرٍ لا يُقهر حتى اختفائهِ الأخير و تواريهِ عن الأنظار لقّنهم فيها الحكمة الأغلى في دين الطغاة :أنَّ الذبابة لا تستطيع دخولَ فمٍ مُغلقٍ أبداً .

لِعقودٍ طوال ظننا أنَّ الظلمَ أكبر من الصبرِ وأطول..أقسى وأدهى وأمَر , لكننا اكتشفنا اليوم خطلَ هذا الكلام ..الصحيح أَنَّ الصبرَ صِنوٌ للألم ..عمرهما واحد.. وحيثما كان ظلمٌ فثمة صبرٌ يقعدُ لهُ بالمرصاد ..عزمٌ بعزمٍ ونَفَسٌ بنَفَس, لكنَّ الأهم أيهما ينتصرُ آخر الأمر.. من اثنينِ وعشرين عاماً وأنا أحتفظُ بقصيدةٍ للشاعر الليبي موسى عبد الحفيظ تُفصِحُ بما لا يقبلُ لَبساً ولا مُداهنة عن موقفِ الشعب الليبي الثائر من مناوراتٍ مخادعةٍ أرادَ القذافي في حينها تخديرهم بها بحزمةِ وعودٍ زائفة في إصلاحاتٍ دستورية وديمقراطية شاملة لم تتجاوز ظلمة كذبها لتبصرَ نور الحقيقة ,بعد كل تلك السنين لا زالت القصيدة صرخة مدوية منذ أنْ كسرتْ قيودَ صبرها ونزلتْ ساحة الطاغية حتى أبصرتْ اليوم فجر الحرية واكتملَ لها قِطافُ النصر ,يقولُ في جزءٍ منها مُخاطباً الطاغية :   

أبدلْ كما شئتَ أثواباً وأقنعة       وتُبْ كتوبةِ عاصٍ إذا دنا الأجلُ وارمِ الخطايا على مَن كنتَ تأمرهم    أنتَ المُساءَلُ عن كلِّ الذي فعلوا

هذي يمينكَ بالقُفازِ شاهدة      على الجريمةِ تُغني كلَّ مَنْ سألوا

وليسَ يُجديكَ أنْ تجثو لنا ندماً      فليسَ ما جئتَ يُنسى انهُ جللُ

باقٍ يُؤرقنا ، ثأراً يُمزقنا           ناراً تُحرقنا ،في الجوفِ تشتعلُ

لو جنة الخُلدِ في كفيكَ تمنحنا        لسنا لِطَرفةِ عينٍ عنهُ ننشغلُ        ليبيا التي استلمها القذافي قبل أكثر من أربعةِ عقودٍ لا زالت كما كانت بالأمس البعيد بدوية لا تقوى على خلعِ صحرائها فهل سيجدي اليوم نفعاً بمَنْ مسخَ وجه الدولة قديمها وحديثها وأبدلها بأخرى لا وجود لها إلا على صفحاتِ كتابه الأخضر المنقرض ,هل سيجدي اليوم نفعاً لو جثا ندماً كي يصفحَ عنه شعبهُ ؟ لكنْ أيّ اعتذارٍ سيطوي صفحة هذا الأمس وعن أيّ ندمٍ نتحدث؟أية توبةٍ تُرتجى و لا زالَ ثمة مَن يقرأ في ثوراتِ شعوبنا العربية التي نشهدها اليوم عقوقَ شعبٍ تمردَ على ولاة نعمته؟ بل ثمة مَنْ يرى القذافي بعيونٍ عوراء قائداً تاريخياً صنعَ من كومة رمالٍ صماء حاضرة ولايات متحدة أفريقية جذورها في الأرض وأغصانها في القمة؟ فمَنْ أحرى بهِ أن يدورَ في فلكِ الآخر ومَنْ الأجدر لهُ أن يشدِّ رحالهُ إلى كانوسا الآخر؟

هنا ..في العراق..كانت لنا عصا السبق في ذلك.. فحتى بعد أشهرٍ من اختفائهِ لم يترجلْ صدام من بغلةِ عنادهِ ولم يرمِ عصا المُلك من يمينهِ ,وفي جميع  خطاباتهِ الصوتية التي كان يبثها من مخبأهِ لم يقرأ الشعب في صوتهِ أية نبرة أسف..لا اعتذار ولا تبرير ....بل العكس هو الذي حصل حينما أصدرَ عفواً عمّنْ اقترفَ بحق سرقةِ أموالِ الدولة وممتلكاتها فيما سُميَ لاحقاً بالحواسم واعتبرها للفقير هبة وللغني وديعة حتى تعود أمور الحُكمِ إلى نصابها ليبعثَ رسالة للجميعِ أنَّ الأمرَ لا زالَ بيدهِ ,ولم يخرج عن هذا الطوق أبداً طوال فترة اعتقالهِ مروراً بمسلسلِ محاكمتهِ الطويل وحتى آخر لحظاتِ إعدامه الأخيرة .

فأيُّ اعتذارٍ من الحكام تنتظرُ هذه الشعوب ؟حتى رحلة غريغوري نفسها صوب كانوسا لم تكن رحلة ندمٍ حقيقي واعتذار صادق بل محض مناورة سياسية فرضتها ظروف الصراع الإمبراطوري الكَنَسي في حينها لأنَّ كتبَ التاريخ التي روتْ الحادثة سجّلتْ انتصارَ الإمبراطور أخيراً وخُلِعَ البابا عن كرسي البابوية ونُصِّبَ البابا كيلمنت الثالث بدلا عنه, فهل سمعتم بطاغيةٍ يعتذر؟ الطغاةُ لا يعتذرون أبداً.. الاعتذارُ مَطيةُ الضعفاء نحو نجاتهم ..أما الأقوياء فلا تعني لهم إلا كلمة كفرٍ لم يُدرجها الحاكمُ بأمرهِ في مفكرةِ خلودهِ في يومٍ من الأيام ,الشعوبُ التي خرجتْ على الحاكم وكفرتْ ببقائهِ الطويل لا تدري أنَّ بقاءَ الحاكمِ هذا هو أحدُ جنودهِ المخلصين ..البقاءُ هذا فردٌ من حاشيةِ ملكِ الملوك ..جنديٌّ أمينٌ لعرشِ مليكهِ لا يحقُّ لهُ أن يُبارحَ بابَ قصرهِ أبداً إلا إلى قبرِ مليكهِ أما الاعتذارُ فجنديٌّ من الخوارج لا أمَّ لهُ منشقٌ عن عصا السلطة ، جنديٌّ مهدورُ الدمِ ..مفقودٌ قبلَ أن يُخلق , و ثمة اليوم مَنْ إذا سألتهُ أيُّ الاعتذارين أحق لزاماً وألصق بعنقهِ للآخر بين طرفي معادلة الحكم لاختارَ اعتذار الشعبِ لحاكمهِ ووليِّ نعمتهِ بل سيوجب عليهم دوام تقديم قرابين الولاء والشكر حتى يَلِجَ بابَ قبرهِ بانتظارِ طاغية جديد يُكمِلُ مسيرة الظلم ليكمِلَ له الشعب مسيرة الولاء والشكر.

شعوبنا اليوم في مفترقِ المصير..حياةٌ بثمنِ الموت ...وموتٌ بثمنِ الحياة, إنْ أرادوا الحياة بحقٍ فليزنوا موتهم برحيل طغاتهم ....أما النائمونَ على وسائدِ الذلِّ في ضيقِ مساكنهم..المُلتحفونَ مسوحَ الصبر والسلوان ..الجاثونَ أمام أبوابٍ مغلقة يستجدونَ من طغاتهم داخل الصدورِ رحيلاً لن يُنجزَ و اعتذاراً لن يكون أما هؤلاء...فليذهبوا جميعاً إلى الجحيم ..جحيم الطغاة التي لن تنطفئ.. فما من كانوسا على الأرض ندركُ ذلك جيداً.. ما من كانوسا حقيقي في مفترق المصيرٍ أيضاً.. لا في التاريخ ولا في الجغرافيا لكننا من فرطِ الأمل والهذيانِ معاً سنظلُّ بغباءٍ نرددُ :فقط لو يرحلونَ إلى كانوسا! 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق