]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا رصاصة في جيوب الطغاة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 15:50:17
  • تقييم المقالة:

 

لا رصاصة في جيوب الطغاة

 

محمد الحداد العراق

 

حين أُخرجَ صدام من جُحرهِ الأخير تحت الأرض قيلَ أنَّ الأسطورة تبدو دائماً أكبر من الرجل ... هذا الذي ملأ الأرضَ دماءً ودماراً وحروباً لم يجدْ إلا بطنها ليختبئ فيها ..حقاً ما أكثرها من عبر و ما أقل المعتبرين .

واليوم بعد اختفاء القذافي ..لا زال البعضُ يتساءلُ ببلاهة: هل الرصاصة الأخيرة لا زالتْ في جيبه؟ السؤالُ نفسهُ سُئلَ كثيراً بعد سقوطِ صدام واختفاءهِ ،لكن يبدو أنَّ رصاصة الذلِ والكرامةِ هذه لا يحتفظُ بها الطغاة في جيوبهم أبداً لأنهم ببساطةٍ ورثوا سلطة غالية بدماءٍ رخيصة وانْ فرّطوا بها فبأبخسِ الأثمان أيضاً: بدماءِ شعوبهم !

نحنُ قومٌ نُحسنُ صُنعَ طغاتنا وأساطيرنا بمهارةٍ كما صنعَ البدويُّ قديماً آلهتهُ بيديه ...قادتنا مُلهَمون.. انتصاراتنا مؤزرة ،هجومنا كرٌّ كاسحٌ و فرارنا انسحابٌ تكتيكي محض.

نكرهُ الهزائم ..وانْ وَقعتْ نُحمّلها ألفَ مَحملٍ .. نمنحُها صفاتٍ تمتصُّ من وقعها كثيراً مما يثقلُ على طواويسِ غرورنا سماعهُ ،لذا قد نُسميها نكسة أو كبوة والا قد نُلبسها لو أردنا لَبوسَ نصرٍ مقدس.

في الهزائم .. نحن أبناء دمٍ واحد والدمُ هو الدم قد لا نُفاضل كثيراً في قداستهِ لكننا عند النصر نُدخِلُ مَنْ نشاءُ التاريخَ من أوسعِ أبوابهِ ونمنحهُ معارجَ ومسالكَ لا حدَّ لسموها،أجل.. نكرهُ الهزائم ..هذا صحيح لكنَّ ما نكرههُ أكثر حدَّ الرعب هو البقاء ليلة واحدة دون زعيم، فانْ عَزَّ وجودهُ بيننا صنعناهُ، لكننا وسط ضبابِ الوهم اكتشفنا متأخرين أنَّ طغاتنا حقيقيون وأساطيرنا وهمية .

ثمة كلمة أخيرة ناقصة .. ساقطة أبداً من قاموسِ طغاتنا هؤلاء .. سابقون ولاحقون هي كلمة الرحيل المقدسة ،لنُسميها حكمة اللحظة الأخيرة بما أنَّ النهاية هي آخر ما يبقى في الأسماع كما قال ابن رشيق

 .

 

لِمَ كانَ قرار تنحي عبد الناصر اثرَ هزيمة حزيران 1967أهم من قرار العدول عنهُ تحت ضغط الجماهير؟بل لِمَ كان الخطابُ نفسهُ بالصوتِ والصورةِ بكلِّ ثقل كاريزما عبد الناصر وانعكاس حضور شخصيتهِ أشهر من خطابِ العدولِ هذا انْ لم يكن الأشهر من جميع خطبهِ على الاطلاق؟ أتُرانا نُدرك اليوم قيمة هذا التنحي لو أنَّ عبد الناصر أنجزهُ حقيقة وتوارى عن أضواءِ السياسة وبريقها بالفعل؟ اذا كان خطاب تنحي عبد الناصر أدخلهُ مغارة الأساطير فأنا على يقينٍ تام لو أنهُ رحلَ فعلاً ولم يعدلْ عن قرار تنحيهِ لألبسناهُ لبوسَ القداسة!

اليوم وبعد أكثر من أربعةِ عقودٍ على هذهِ الحادثة أصبحتْ صناعة الطغاة تجارة كاسدة ،شيءٌ أشبه بمن يُتاجر ببضاعةٍ لا يشتريها أحد .. الشعوبُ بدأتْ تعي ذلك تماماً،لكنَّ المُلفتَ أنَّها وانْ أدمنتْ رجسَ طغاتها الذين نصبوا أنفسهم آلهة يُضاهئون الله في قدرتهِ بلغَ اليأسُ بهم درجة أصبحوا فيهِ مستعدين أنْ يتحولوا بلحظةٍ الى موسوعةِ نسيانٍ كُبرى لقاء كلمةِ الرحيل المقدسة هذهِ ، يكفي أيّ طاغيةٍ عرّشَ فوق رؤوسهم كعنكبوتٍ عجوز أنْ يُلملمَ خيوط بيتهِ الواهن ويُنهي سيرتهُ الطويلة الملطخة بدمائهم بكلمةِ رحيلهِ حتى ينسى الشعبُ ما كان منهُ .. مَن يدري ربما يُصبحُ في الغد زين العابدين ومبارك نموذجاً للحاكم الذي لبّى مطالب شعبهِ بحكمةٍ عاليةٍ وحرصٍ مسؤول و تنحى عن السلطة بعد أيامٍ معدودة حقناً للدماء وحرصاً على مصالح البلاد مقارنة بمن تلاهما من طغاةٍ تشبثوا بأذيالِ السلطةِ ولا زالوا، و من يدري أيضاً ربما سنصنعُ منهما رمزين خالدين كذلك.

في تونس كان حكمُ بورقيبة مثلاً لا يختلف عن غيرهِ من طغاةِ عالمنا العربي لكن بتنازلهِ التاريخي لسلفهِ زين العابدين أجبرَ شعبهُ بكلمةٍ أخيرةٍ أن يفتحَ لهُ في أواخرِ سجلِ حُكمهِ صفحة بيضاء فكان هذا التنازل أشبه بتوبةِ عاصٍ تَجُبُّ ما قبلها فاستحق شرف لقب الرئيس السابق لا الراحل فربحَ التاريخَ وقبراً يُزار.

في استثناءٍ نادر انفردَ المُشيرالسوداني عبد الرحمن سوار الذهب من بين حكامنا العرب بموقفٍ فريد ينمُّ عن نبلِ الأقوياء بعد سلطةٍ جائتهُ اثر انقلابٍ ابيض شهير على سلفهِ جعفر نميري حين تعهدَ بعد انقلابهِ مباشرة أنْ يُسلمَ الحكمَ بعد سنةٍ واحدةٍ لأول رئيسٍ ينتخبهُ الشعب في انتخاباتٍ وعدَ أنْ لا يُرشحَ نفسهُ فيها وأوفى بكلِّ ما وعدَ بهِ ثم تركَ السلطة وعادَ الى صفوفِ الشعب لا تكاد تميزهُ عن ملايين غيره...رجلٌ وموقفٌ لن يتكررا أبداً.

في أمثلةٍ لدولٍ صغيرةٍ غير عربية حيث لا اقتصاد قوي ولا بترول أمكن للتدخل الأمريكي أن يُمارسَ دوراً أوضح وأشمل في رسمِ نماذج مصغرة من سياستها بيسرٍ أكبر وبالتالي يمنحها هامش حركة أوسع في تغيير الخرائط السياسية لتلك الدول حيثما اقتضى منطق المصالح أو حينما تُنذرُ الأوضاع السياسية فيها بانفلاتٍ يُخرجها عن السيطرة كما حصلَ في هاييتي والفلبين قبل أكثر من عقدين، لذا كان رحيل زعيميها دوفالييه وماركوس رحيلاً مُفلِساً مقابل السلامة وحفظ ماء الوجه لا غير.

الأمر معنا مختلف تماماً لأن طغاتنا الذين أغرقونا بوعودٍ لم يفوا بأي منها ما جاؤا الا لِيبقوا لذا لا تجدُ في قاموسهم كلمة الرحيل أبداً لأنهم يفهمون السلطة مغنماً لا مَغرماً.

تُرى ما الذي ينقصُ حكامنا إذن ؟ما الحلقة المفقودة في لعبتهم كي نظفر منهم بإحدى الحُسنيين اما الكلمة الأخيرة أو الرصاصة الأخيرة ؟ ما الذي ينقصهم ؟

أعتقدُ أنَّ ما ينقصهم حقاً هو بضعة كلماتٍ من كوميديا غوار السوداء صدحتْ بها حنجرتهُ في آخر مشهدٍ من مسرحية كأسك يا وطن حين سألهُ والدهُ الشهيد من أعالي جنانهِ عِبرَ حوارٍ تلفوني افتراضي ليطمأن أنَّ دمائهم التي روتْ كلَّ شبرٍ من أرض العرب لم تذهب سدى :مو ناقصكم شي؟ : فيجيبهُ غوار : وحياتك يا أبي مو ناقصنا إلا شوية كرامة بس !ذلك اذن ما ينقصُ حكامنا حقاً كي يصلوا بنا الى خلاصهم وخلاصنا :فقط قليلا من الكرامة!  الاا


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق