]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وهم العلمانية

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:56:17
  • تقييم المقالة:

 

وهم العلمانية

محمد الحداد العراق

 ثمة علمانية تخشى هيبة الإسلام وسطوته ، وإسلام يخشى فيروس العلمانية ، دين يبذر تعاليمه في الغرب  فيحصد غربا ُمتأسلماً ، وغرب يزرع حيامن عولمته في رحم الدين سِِفاحا فيلفظه هذا سَقَطا .                  

إسلام مرحبٌ بهِ في الغرب(اجتماعيا نخبوياً لا سلطوياً)،وعلمانيةً (عربياً على الأقل) كلصٍ مُلاحقٍ أو قاتلٍ  مطلوب لا صلح ولا هدنة ولا سلام معه .الحرب بين الدين والعلمانية لا بين الشرق والغرب ؛ وقديما قيل: (الشرق ُ شرق ٌ والغربُ غرب ٌ ولن يلتقيا أبداً) أيا ً كان شكل هذا اللقاء ؛ إن سلما أو حربا. والخوف من المارد القديم الجديد موجود ...( المسلمون يشكلون 55% من الفرنسيين ، الناس هناك خائفة أن تترك بيوتها وإنا أخشى المصير نفسه لإنكلترا، الإسلام ينتشر كالسرطان في العالم كله ....) بهذه الكلمات المرتجفة يُلخِصُ ناشط ٌ أمريكي للدعاية لإسرائيل الخوف الحقيقي من الإسلام . والعلمانية هي من أطلق النار أولاً يوم أن قررت أن تجرد من الدين اعز ما يملك ( مملكته) التي بها يفرض شروط سلطانه وقررت أن تُطلِّقَ بالثلاثة بين نور يسطع وارض تتلقفه ، بين سماء ٍ تُشرع وسَلالم يُعرجُ بها إليها وذبحته طائراً في ملكوت الله إذ فَصَلَت رأسه عن جناحيه ِ فهل له إلا السقوط ؟الرغبة في الجديد تعبير ٌ فطريٌّ يُثبت الإنسان من خلاله قابليته على استيعاب المتغيرات الحاصلة في العالم من حوله في حركة المجتمعات الإنسانية ثم صّبَ تجاربه هذه في اقنية تتجدد دائما وهذه نظرة ايجابية ولا غرابة فيها ففيها نبوغٌ في الفكر وسمو في التطلع إلى ما تصحح به المجتمعات مسارها عبر اقتناص المتغيرات الحاصلة من حوله بمجساتٍ حساسة في رغبة ذاتية للتصحيح.لكن ثمة نظرة دونية اجتماعية إلى العلمانية كوافد مُريب مقابل نظرة مقدسة للدين ومن الصعب حتى على مطلقي سؤال :(هل العلمانية ممكنة في مجتمع متدين ؟ ) أو مروجيه إيجاد المسوغ الكافي لقبول هذا الوافد الجديد على ارض الواقع .

فنحن إزاء صراع ٍ حقيقي على السلطة لا اقتسام سياسي  فيه فالبقاء فيه للأصلح ، صراع ٌتراكمي مُحتقن ذو اثر رجعي يتقوقع في مخيلة كل طرف من طرفي المعادلة الصعبة . فهل نحن في سباق ستكون العلمانية فيه بديلا عن الدين ( بديلا ناسفا منفردا بالسلطة ) أم مشاركا متلاقحاًً معه ؟ إن كان بديلاً ناسفا ً منفرداً  فهو إحلال ٌ متعال تظن العلمانية فيه إنها سُلمٌ متطور عن الدين وبالتالي فلا حظَّ لهذا الاحتمال بالبقاء مع جملة من الاختلافات الجوهرية لمنظومة كل طرف عن الآخر .

 ثم إن إقصاءً للدين بهذه الطريقة هو إخضاع بالقوة يُظهِرُ المسلمين بمظهر التلميذ المُتلقي البليد خِلافاً لما اعتادَ عليه من قيادة المجتمع برمته وهو دورٌ سلبي في احد طرفي المعادلة السياسية والنتيجة كلها ستكون سالبة أيضاً. وأما إن كانت العلمانية في هذا السباق مشاركة ، متلاقحة مع الدين فطالما كان التباين صارخاً بين منظومة كل طرف عن الآخر  في المبادئ والغايات والنتائج فالمشاركة ستعني نفاذاً مُغرضاً للآخر يتغلغل في صلب الدين ليعمل على ذوبانه ، ولا يمكن والحال هذه من إنشاء جسور للتلاقي في عملية غير فعالة لإحداث تغيير ايجابي يُذكر وكل ذلك سيكون وقفا على مفهوم الإمبراطورية القديمة لإعادة تشكيل العالم والسيطرة على  مفاتيح القوى الغاشمة في العالم ومنابع ثرواته ثم صبه بقالبٍ مختوم بختم العلمانية الناسف والنتيجة أن كلَّ مفاهيم الأُمم وتطلعاتها ومخزونها الحضاري لا تستطيع أن تُجاري هذهِ الماكنة الإمبراطورية الاستحواذية أو تسير معها جنباً إلى جنب بعد إقصاء وتقزيم كل الأدوار الصاعدة الأخرى في العالم كاليابان والصين والهند وغيرهم .لقد سقطت الشيوعية سقوطاً ذريعاً من العالم وتتداعى الرأسمالية اليوم وتتهاوى لتلحق بالأولى وقد طبقتا كل ما تؤمنان به إيديولوجيتهما مع أنهما تجردتا تماماً من الدين وألقياه في غياهب النسيان كي لاتُعلَق أخطاءهما على شماعة الدين .   

فلم سقطتا إذن؟ هنالك رغبة تمرد واضحة على الموروث، تمرد عقائدي واجتماعي ونفسي بين ثلة قليلة داخل مجتمعاتنا الإسلامية لكنها رغبةً مثقلة بحقد جاهل غير واعي على الدين بل وعلى كل قديم رغم تباين أصوات الداعين إلى هذا التمرد إلى فئتين : فئة تريده ُ تمرداً جذريا ً يقضي على الأصول والمتربعون بالدين كُثر ينتهزون الفرص للإجهاز عليه لاحبا ً بمعاوية بل بغضاً بعلي

وأخرى تريده تغيراً ذو منهجية احترازية مع سد الثغرات باستمرار أينما وجدت تبعا لنتائج كل اختبار  ثم تقديم الأولويات  عند وضع الحلول بالاستفادة من الأخطاء  بالتكرار والتجربة .وكلُّ ذلك متأت من خشية الفئتين من تأصيل الدين منهجاً وإعادة تدويله للعالم من حيث لا يريدون وبغير قصدٍ مسبق خاصةً وان أحداثاً مروعة كأحداث 11 أيلول 2001 دفعت بأعدادٍ كبيرة من الغربيين مصدومين بهول الفجيعة إلى دراسة الإسلام عن كثب ثم الدخول فيه!لايمكن للعلمانية أن تدخل بيت الدين إلاّ من الشباك كلصٍ محترف يسرق في غفلة ٍمن أهلهِ أو كقاتل مأجور يجهز على الجميع ليُدخل بعد ذلك من يشاء ولا يمكن بغير تلكما الطريقتين .الإسلام يُغَيِّّرُ ليسود ولا يُتَغَيَرلِيُساد،وَيُؤثِرُ لِيُتَّبَعَ ولا يؤَثَرَ فيه لِيَتْبَع وهو (كمكون) :تركيب مشبَع بذاته ،ممتلئ بمنظومةٍ داخليةٍ هائلةٍ مسبوكةٍ سبكاً عجيباً يستحيل أن تأتيَ قوة ما على ثوابته فهوَ ليس ريبورتاج خارجي لِيُعاد تشكيلهُ كل مرةٍ بشكلٍ جديد لأن الحياةَ كل الحياةِ في هذه  الكينونة الفريدة تكمن في داخله وليس فقط من خارجه ولو كانت المسألة تغييراً خارجياً لأمكن القول ببساطة أن الأمر سيبدو تحريك لساكن (ثابت) من مكانٍ إلى آخر يقوم مقامه ويسد مسده لكن الحركة كل الحركة في بركانه الداخلي المتجدد الذي لايردفه مكان ولا يحدَّ من حركتهِ وانطلاقهِ زمان وبرغمِ حركته الدؤبة هذه لاظل له ولا بديل والسؤال المنطقي على سؤالكم الافتراضي هو :لِمَ السؤال أصلاً وكأن إحلال العلمانية محل الدين قَدَر مفروغٌ من وقوعه والسؤال عن جدوى الإقتداء بخواءِ علمانية ٍساقطة في معسكراتٍ بدأت بالانهيار وأُخرى شارفتْ هو ما ينبغي طرحه فعلاً.خاصة أن النموذج العلماني نفسه وبرغم الشعارات الكبيرة في توزيع السلطات وتعدد مراكز اتخاذ القرارات وتوزيع الثروات وحقوق الأقليات ...الخ لم يسلم من إثم ظلم الطبقات الكادحة كالسود واللاتين والآسيويين وأن مبادئ عدم تكافؤ الفرص وسحق المستويات الفقيرة وغير ذلك كلها موجودة داخل المجتمع العلماني وفاقد الشيء لا يعطيه ثم إن ازدهار الاقتصاد العلماني نفسه وديمومته مرتهن بمدى الفوارق الكبيرة التي صنعها بنفسه بين الشرق الفقير والغرب الغني ليربط هذه الدول بلعبة اقتصاد السوق فلا تتغير أسهم الدخول والخروج من أبواب أسواق الاقتصاد العالمي فتحديد المنتج من المستهلك أمر محسوم سلفاً.فإن كان في العلمانية ميزة غير موجودة في الدين فالميزة في عصرنا تُسرق لاتُعطى ،تُسلبُ لاتوهب .إن مشروعاً إسلامياً صافياً هو الذي يلوح في الأُفق ،مشروع يتجرد من أخطاء العلمانية الغربية ويؤمن أن بذور حضارة تُزرع خارج رحم الدين لابد أن تموت وتسقط ومن يدري لعل سباق الدين لن ينطلق من الشرق هذه المرة بل سيركب قطار الغرب السريع الذي لو انطلق فسيعدو إلينا بقوةٍ لن يوقفها احد.  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق