]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

يا ويلكم من العرب

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:46:06
  • تقييم المقالة:

        يا ويلكم من العرب

 

محمد الحداد العراق

ستة أيامٍ في الخَلق فَصَلتْ بين لسعةِ جوعٍ و بين الغضب!أحصاها قلم زكريا تامر في قصة الذي أحرق السفن ولكنَّ مَنْ خُلق أخيراً كان سيدَ الموقفِ إلى الأبد.

في اليوم الأول خُلقَ الجوع، في اليوم الثاني خُلقتْ الموسيقى، في اليوم الثالث خُلقتْ الكتب والقطط، في اليوم الرابع خُلقتْ السجائر، في اليوم الخامس خُلقتْ المقاهي، في اليوم السادس خُلقَ الغضب.. في اليوم السابع خُلقتْ العصافير وأعشاشها، في اليوم الثامن خُلقَ المُحققون برفقتهم رجال الشرطة والسجون والقيود !

قبل أن نُحمِّلَ المثقف ما لا يُطيق نسأل ما هو دوره أساساً ؟والى أي مدى كان هذا الدور منسجماً مع فداحة الأحداث التي يمر بها مجتمعه اليوم؟ و لكي لا أغمط من حقهِ ودورهِ شيئاً في غمرة البحث عن أجوبة لهذين السؤالين أبتدأ القول بيقين جازم  أنه لم يعتكف يوماً بعيداً عن هموم مجتمعه بل راهن دائماً على تغييره ما وسعه جهده لذلك وحاول ربط  الوجدان العربي إلى سمو منابعه الأولى أملا بالوصول إلى أهداف الشعوب المشتركة ، لكنَّ ثمة طبقية سسيولوجية برواسب قديمة رفعتْ اليوم عقيرتها الذميمة وسط المجتمع المصري وقبله التونسي وسيليهما مَنْ يليهما مع وقف التنفيذ، طبقية قسمتْ الشارع في ذروة انفعالهِ القومي و السياسي والثقافي في كلا البلدين إلى نظرتين أُمّيتين تتربصُ إحداهما بالأخرى.. أمّيةٌ  إزاء أمّية،الأولى أمّية المثقفين بأحوالِ رجل الشارع البسيط يقابلها أمية هذا الأخير بطبقة المثقفين دون أن ننسى أنهُ في مرحلةٍ ما رُفعَ الوصول إلى الجماهير شعاراً عجيباً لا يشبههُ الا طموح الوصول لسكانِ كواكب أخرى .

كان مثقفو  تونس ومصر يتقدمون صفوف الغضب الثائر معية كل طبقات الشعب من السياسيين و رجال الأحزاب والفنانين لكن النظر إليه قياساً إلى النتائج لا يمكن أن يخرج عن أحد أمرين أو كلاهما معاً :المثقفُ ابتداء لا يحسن شيئاً مثل الكلام!بائعٌ مجاني إن لم يجد من يشتري منه! تلاحقهُ كظلهِ صورة المثقف المنبري التي تستنسخ تهافتها من صورة شاعر القبيلة التي لا زالت إلى الآن عند كثير من الأدباء أنفسهم تعكسُ صورة مقيتة رغم الاحترام الذي تلقاهُ في أذهانٍ أخرى ، يرسمُ ذلك بوضوح صورة انقسام طبيعي بين المثقفين أنفسهم ما بين معارض للسلطة ومؤيد لها تمليها خلفيات تناحر واختلاف إيديولوجية مستديمة .

 معارضٌ مدمن حتى على نفسهِ لأنهُ ببساطةٍ لا يريد أن يبدو كساعة كيركغارد العاطلة التي يوحي لفظ أسمها فقط بوظيفتها الغائبة رغمَ أنها تدق مرة واحدة في اليوم لكنها لا تشير إلى الوقت الصحيح! يحبُّ الجدلَ ويمارسُ الاحتجاج بشهية ذلك الأخرس الذي يمتلأ رأسه بالكلمات رغم المسافة الشاسعة التي تفصل دوماً بين صوته العالي وآذان الشعب لا يكاد يتجاوز صراخه إلى فعلٍ مؤثرٍ إلا مستأسداً فوق ورقٍ يُخبأهُ بين الحيطان والأسرّة أوفي منافٍ تسلبهُ كل شيء إن حالفه الحظ !

عند الأزمات والحروب.. و حينما يحمى الوطيس يسحبُ المثقفُ غالباً ذيله من الشارع ويدلفُ معتكفه المظلم لدراسة الموقف عن بُعد! وربما خرج بالفرجِ بعد غيبة مباركة بقصيدةٍ أو روايةٍ من أدب الظروف الطارئة،وهو لا يتعب من تهشيم أصنامٍ يفترضها إن لم يجدها إلا صنماً أوحداً لا يبجله سواه: ذاته المقدسة ،مستلبٌ حقيقي لفرط ما اضطرم تحت جوانحه من أدبٍ انهزامي أخفاهُ عقوداً طوال ابتداء من ضياع الأرض وحتى ضياع ماء الوجه، لم يضف إلى رصيده إلا أدب النكسة والسجون و اليأس! لا يكف من البحثِ عن وطنٍ مسروقٍ دوماً من بين جوانحه، مثقفٌ يستوطنُ كلَّ هذهِ الأمراض لن تحني السياسة لهُ رأسها قطعاً .

لا تنتظر من المثقف أن يحمل مسدساً أو مدفعاً أبداً وإلا صُنفَ وجُيرَ على الجهات،قد يُعبأ البارود و يهيئه لكنه لا يطلقه ولغبائه بدروب السياسة فهو غالباً أول ضحايا هذا البارود حينما تقطفُ السياسة ثمارها ويجثم الحاكم بأمر الله على البلاد والعباد فيكون جلدهُ أول المسلوخين إنْ لم يفر به طبعاً. لكنهُ أحياناً مغبون حقاً بدوره المخبوء هذا فبالكلمة هذهِ قد تُصنع الثورات و ان لم تُقطفُ الثمار غالباً إلا بأثرٍ رجعي بعد أن يُطبخ على نار هادئة كما حصل في كل الثورات و حركات التحرر ابتداء من مصر الخمسينات وحتى اليوم .

أحياناً هو مُتفرجٌ بامتياز.. في قصة تحت المظلة لنجيب محفوظ يواظب الطرفان الشعب والسلطة على التفرج من زاويتي نظر مختلفة : الجماهير  لا تملك جواباً لما يحدث رغم هول الفظائع التي يرونها أمامهم في الشارع  لكن اللافت أن الشرطي رمز السلطة المتربصة دوماً هو صاحب الموقف الحاسم والأخير حينما يطلق الرصاص عليهم جميعاً بتهمة التآمر على السلطة! قطعاً تفرجٌ كهذا ليس انتظاراً فعالاً بل محض تربصٍ لن يُثمر أبداً،انتظارٌ قبل الأزمة و في أوجها أيضاً ليس كانتظار فيلسوف أفلاطون بعد خروجه من ظلام السجن إلى نور الحرية ،هذا انتظارٌ غريبٌ حقاً أعادهُ من فورهِ إلى السجن ثانية ،رفض الحرية حتى يخرج جميع مَنْ في السجن .

 

على العكس من كل ذلك يأتي دور الجماهير ..صوتُ الشارع، بسيطاً واضحاً هادراً لكنه حاسمٌ أيضاً  فمنذ أن وقفتْ والى الأبد عربة بو عزيزي رغم هديرها الذي لم يتوقف الى الآن كنا نظن أن الكراسي الأزلية لن تُنخر إلا بقدر الهي حتى ثبتَ لنا العكس ...هذه النغمة الشعبية كانت مغيبة عقوداً طويلة ولفرط خوفنا صدقنا كذبة أنها لن تعود.

 الشعبُ إذا جاع لا يتذكر من قديم الشعر أو جديده إلا هذان البيتان : بيضُ الصفائحِ لا سود الصحائفِ في مِتونهنَّ جَلاءُ الشكِّ والريبِ ، و:إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بدَّ أن يستجيبَ القدر!

البشرى قد تأتي مع الألم! في نبي جبران بشرَ المصطفى بهذا الألم نفسهِ ، بألم الموت في انفلاق بذرة خبيئة ظلام ترابها أملاً بضوء الشمس فوق التراب ليصل حلم البذرة بحقيقة الشجرة !

لكنَّ اليوم وغداً سيأتي الدرس معكوساً ستأخذ الجماهير مكانها المتقدم عندَ المنصة وستقول كلمتها بيضاء واضحة ومباشرة لكنها مدوية وعلى الجميع و في مقدمتهم صُنّاع الكلام أن يُنصتَ لهم لأنَّ صرختهم لا تبتعد عن الجرح إلا مسافة الجرح نفسه، هو درسٌ مجاني لم يخرج من جيوب ممتلئة لكنه سيأتي هذه المرة بأفصح اللغات.. لغة الجوع الذي(بيتكلم عربي) لغة الخبز وما أرخصهما وأكثرهما معاً!

العرب قادمون يا ويلكم من العرب ! صرخة خوفٍ دوّتْ في أرجاء دولة فارس قبل سقوطها بيد المسلمين تُعاد اليوم بصوت العرب الجائعين هذهِ المرة تلا حق حكامهم تقضُّ مضاجعهم و تزلزل عروشهم ، حكمة الجوع انطلقتْ تحمل رعبَ الكلمة الأخيرة ولن يوقفها أحد : يا ويلكم من الجائعين! 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق