]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وزارة التربية وخواطر عن الكوكب الياباني

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:43:19
  • تقييم المقالة:

 

 

وزارة التربية وخواطر عن الكوكب الياباني

محمد الحداد العراق

 كان ضرب مدينة هيروشيما اليابانية بالقنبلة النووية الأمريكية كارثة إنسانية بلا شك وصدمة مروعة بكلِّ المقاييس أظهرتْ قبحَ الوجه الآخر من الحضارةِ
ذلك الوجه الأجوف الخالي من العدل في ظلِّ انحرافها المتكرر عن مسارها الإنساني لصالح منطق القوة والاستبداد، ربّما ذاتُ الوجهِ الذي عناهُ ابن خلدون قبلَ أكثر من ستةِ قرونٍ حينما اعتقدَ أنَّ غاية الحضارةِ ترفٌ لا بدَّ أنْ يُفضي إلى الفساد، وبالرغمِ من غرابةِ مثل هذا القول سواء في زمانهِ أو اليوم لكنّي أعتقدُ أنَّ بعضاً من تلكَ الغرابة ستحملُ شيئاً من تبريرها لو اقتصرَ حصر المقصودِ على قبحِ ذلك الوجه. لقد كان ابن خلدون مؤمناً أنَّ المُلكَ إذا ذهبَ عن بعض الشعوب فلا بدَّ من عودتهِ إلى شعبٍ آخر ما دامتْ لهم العصبية ويعني بذلكَ الجدية والإصرار في السعيّ إليها لأنهُ كان يعتقدُ بالحركةِ الدائريةِ للتاريخِ عندَ الأمم والشعوبِ وأنَّ للدولِ أعماراً كأعمارِ الناسِ تولدُ وتنمو وتهرمُ ثم تتفسخُ وتتلاشى أخيراً ، في حين اختلفَ علماءُ التاريخِ من بعدهِ في الوصفِ الدقيقِ لهذهِ الحركةِ فهو عندَ البعض يرسمُ خطاً دائرياً مُغلقاً يبدأ من نقطةٍ ما لا بدَّ أنْ يعودَ إليها ثانية ويرسمُ عندَ البعضِ الآخر خطاً مستقيماً إلى الأمام دائماً دونما عودةٍ إلى الوراء. وبالعودةِ إلى هيروشيما فانَّ الخطأ الياباني في المبالغةِ بهَوَسِ أحلامها التوسعية ومزاحمة قوى العالم آنذاك كان كارثياً إلى الحدِّ الذي أعماهم عن فهم طبيعة الصراع في حينهِ أو على الأقل الاكتفاء بحدهِ الأدنى وفقَ مبدأ توينبي في(التحدي والاستجابة ) أي الاستجابة وفقاً لتحدي دول الجوار الياباني والتي كانت بشكلٍ أو بآخر تطمحُ لنفسِ الأحلام التوسعية ، لكن بعيداً عن ذلك الخطأ فانَّ الصحوة من ذلك الحلم كان مكلفاً للغاية، دفعَ اليابانيون ثمنهُ باهظاً وتطلبَ التكيف مع هول وفداحة ما بعدَ القنبلة الأمريكية وقتاً طويلاً لكنَّ الأممَ الراقية هي التي تستثمرُ مآسيها دائماً لصالحِ مستقبلِ أجيالها الآتية وتعيدُ تحويل طعم الهزيمة في المعركةِ إلى انتصارٍ في الحياة .لقد رسمتْ هذه المأساة لليابانيين مفترقَ طرقٍ لبدايةِ انطلاقةٍ جديدةٍ بل انبعاثاً لأمةٍ أثبتتْ خطأ تعميم نظرية ابن خلدون في موتِ الأمم، فنهضتْ بعد ساعاتٍ قليلةٍ من تحتِ أنقاض كارثتها لتخلدها للعالم أجمع في متحفٍ هو المبنى الوحيد الذي بقيَ سالماً من أثر الضربة لأنهُ كان يقعُ على خطٍ عمودي مع الطائرةِ التي ألقتْ بالقنبلة ويوثقُ فيه إلى اليوم بالصوتِ والصورةِ هولَ ما حدث.
برنامج خواطر
ثمة حالة إبهارٍ من التجربةِ اليابانية المذهلة هذهِ كواحدةٍ من تجاربَ مماثلة ماليزية وأندونسية وسنغافورية وحتى هندية لم تأخذْ حقها من الدراسةِ والتأملِ بعد، الإبهارُ من الانجاز التاريخي لدولٍ ذاقتْ ذلكَ الطعم المر للحروبِ وما جرّتهُ عليها من دمارٍ وخرابٍ وفقرٍ فخلعتْ ثيابَ المعاركِ وفتحتْ البابَ لعصرٍ جديدٍ صارعتْ فيهِ الزمنَ لتعيدَ صنعَ الحياةِ بمنظورٍ إنسانيٍّ مغاير للسابقِ واستبدلتْ إمبراطورية العنفِ والقتلِ والظلم بإمبراطوريةِ العلم النافع والتكنولوجيا النظيفة.ثمة برامج فضائية ناجحة حاولتْ استثمارَ حالة الإبهار هذه عند المشاهدِ العربي للإفادةِ من تجارب تلك الدول،أحدُ هذه البرامج هو سلسلة برنامج خواطر الذي قدّمتهُ قناة mbcالذي عوّلَ صانعوه في جزئهِ الخامس على الأملِ من السيرِ على ذاتِ الخطى التي رسمتْها أقدامُ اليابانيين والاحتذاء بنموذجهم الفريد من نوعهِ بتفوقهِ على نماذج أخرى أوروبية كانتْ أم أمريكية بترسيمةٍ ذكيةٍ يتناغمُ فيها اضطرادُ العلم ِالمادي والتكنولوجي جنباً إلى جنبٍ مع الرُقيّ الاجتماعي والتربوي والأخلاقي حيث لا يغفل البرنامج إظهار العادات والتقاليد اليابانية الراقية بمستوى يكادُ أنْ يقتربَ من الكمالِ الإنسانيّ النسبي ،الأمرُ الذي تفتقرُ إليهِ تجارب أوروبية أو أمريكية مماثلة أصابها ما يسمى بحالةِ ركودٍ حضاريّ حينما تزامنَ تصاعد امتلاكها لناصيةِ العلم والتكنولوجيا على حسابِ تدنٍ في المستوى الأخلاقي الاجتماعي العام.البصمة المتفردة التي تأتي في مقدمة ما يُميز المواطن الياباني عن سواه هي: النظام والخطوة الناجحة الأولى التي تُحسَبُ للبرنامج كانتْ في تسليطهِ الضوء على ذلك بمفرداتٍ حياتية عادية يمارسها المواطن الياباني يومياً بتفردٍ مُلفت! حتى يُخيلُ إليك أنَّ اليابانيين ما هم إلا روبوتات بشرية فائقة الدقة في كلِّ شيء وتُحيلكَ الدهشة إلى سؤالينِ محيرينِ حقاً: هل كانَ ذلك التميز الياباني صناعة اجتماعية؟وكيفَ تسنى لهم انجازها بهذهِ الدقة المتناهية؟ دقةٌ في العمل وتفانٍ في حبهِ وتقديسٌ مذهل لقيمةِ الوقت، كما يُبرِزُ أيضاً عاداتٍ جميلة يكادُ يمارسَها كل مواطن ياباني كحبِّ القراءة الذي يصل حدَّ الهوَسِ في المترو وأثناء الزحام الشديد بل وحتى عند السير في الشوارع وهوَس النظافةِ والأمانةِ واحترامِ الآخر الذي يصلُ حدَّ الإيثار، مع مقارنة كارثية لكلِّ هذهِ الجزئيات مع مثيلاتها في عالمنا العربي بأسلوبٍ تربويٍّ تعليميٍّ غير ممل لا يعتمد جلدَ الذات و لا يزرعُ شعوراً بالإحباطِ واليأسِ من إمكانيةِ التغيير، منطلقاً في طريقه للإصلاح من القاعدةِ النبوية الشريفة (الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدَها فهو أحقُّ بها) متجرداً من أيِّ برانويا استعلائية على ما يمكن أنْ يُثار من شبهاتٍ تنظرُ إلى المثال الياباني من منظورِ اختلاف الدين والعادات والتقاليد وهي خطوة أخرى ناجحة تُحسب للبرنامج. ثمة شعور يُخالجُ المشاهدَ أنَّ البرنامجَ وضعَ أقدامهُ على أقصر السبلِ وأيسرِها للوصولِ إلى مفاتيح هذه النجاحات الباهرة التي سبقنا إليها اليابانيون بأشواط ٍلا تُحصى لكن وفقَ موازنةٍ ذكيةٍ بين مبدأي الإضافة والإحياء : إضافة الكثير مما يُمكنُ الاقتداء به كقواعد السلوك المجتمعي الياباني الراقي، وإعادة إحياء ما قُبرَ من قيمٍ ومبادئَ وأسسٍ كانتْ حتى وقتٍ قريبٍ راسخة في مجتمعاتنا العربية دينياً واجتماعياً لكنها اختفتْ تدريجياً للأسف على حسابِ سلوكياتٍ طارئةٍ وشاذة، مع إعادة تفعيل ما أُجمعَ على نجاحهِ في أصولِ العملِ التربوي التي مورست في بلادنا منذ سبعينيات القرن المنصرم كالتعليمين الإلزامي والمجاني وفق الحدِّ الأدنى من الممكنِ ونبذ الأساليب الروتينيةِ التي أثبتتْ التجربة عقمَها، كتشكيلِ اللجان المتخصصة للدراسةِ والتنظيرِ وإرسالِ الوفودِ مما صرفنا فيه الوقتَ والمالَ دون أنْ نصِلَ إلى أيةِ نتيجة. الجميلُ والمُفرحُ معاً أنَّ ثمة مؤسسات تربوية في مصرَ وبعضِ دول الخليج بدأتْ اعتمادَ التجربةِ اليابانيةِ في هذا البرنامج كقاعدةِ عملٍ تجريبي في مناهجها التعليمية ونشاطاتها المدرسية ولفترةٍ زمنيةٍ محدودةٍ على أملِ تقييم النتائج مستقبلاً ومقارنتها بوسائلها التقليديةِ القديمة.انَّ إبداعَ الفردِ الياباني وحرصَهُ المستمر على الابتكار ينطلقُ من خلفيةِ وعيهِ التام بأهميةِ دورهِ في مجتمعهِ لأنهُ مُدركٌ تماماً أنهُ يُمثلُ ثروة لبلدهِ وليس رقماً زائداً في سجلاتِ الإحصاءِ السكاني وأنَّ الدولة قد منحتهُ ما يليقُ بهِ من حقٍّ مدنيٍّ مادياً ومعنوياً وبالتالي فهو ينطلقُ بقوةٍ باتجاهِ ردِّ الجميل لبلدهِ لا بدافعِ المنفعة المادية أو بغية الوصول، على العكس تماماً من أيِّ مواطنٍ عربي لا يقلُّ حُباً لوطنهِ عن نظيرهِ الياباني قدرَ شعورهِ بأنهُ يُشكلُ عبئاً ثقيلاً على حكومتهِ والدليل ما حصلَ عندنا في العراق إبّان التغيير في 2003 حينما انطلقَ ما أطلقَ عليهِم فيما بعد تسمية الحواسم من كلِّ حَدَبٍ ينسِلون يدفعُهم شعورٌ بظلمٍ أعمى أعينَهم فالتهموا بلدَهم بمؤسساتهِ وبناه التحتية دونَ أدنى شعورٍ بمسؤوليةِ الانتماء وامتدتْ أياديهم تسرقُ كلَّ شيءٍ على حسابِ خراب بلدهِم.هي دعوة جادة إلى وزارة التربية لدراسةِ هذا البرنامج تمهيداً لتبنيهِ ضمن سياستها الإصلاحية التعليمية بتوفير نسخٍ مجانيةٍ منهُ وتيسير عرضهِ على الطلبةِ ضمنَ نشاطاتِهم الصفيةِ مع شرحِ المعاني الراقية التي يدعو لها سِيما أنَّ سعرَ النسخة الواحدة لا يتجاوز بأيِّ حالٍ 750 ديناراً وبزمنٍ لا يزيدُ عن عشرِ دقائق لكلِّ حلقة، فليسَ العيب أن نُصلحَ أنفسنا بتجارب ناجحة سبقنا بها الآخرون جنباً إلى جنبٍ مع التعاليم السمحة لديننا الحنيف دونما تناقض مطلقاً بين المشتركات الإنسانية وليس العيب أيضاً أنْ نعترفَ بأخطائنا وعجزِنا عن الإصلاح بوسائلنا التقليدية، لكنَّ العيبَ أنْ نتمادى في الأخطاءِ وندفنَ رؤوسنا تحتَ رمالِ السلامةِ حيناً والمكابرة الفارغةِ أحياناً أخرى. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق