]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الدولة الإسلاميَّة، بين الدِّينيَّة والمدنيَّة

بواسطة: ضياء عبد العزيز  |  بتاريخ: 2014-05-23 ، الوقت: 00:29:08
  • تقييم المقالة:

لعلّنا إذا ما أردنا طرح هذه القضية فلا بد لنا من الخوض في أصول تلك المصطلحات من الناحية اللغوية والاصطلاحية، فلا يمكن لنا الحديث حول هذه المقارنة إلا بعد سرد تعريفات تلك المصطلحات بطريقة مختصرةٍ حتى لا يطول المقال.

مصطلح الدولة الإسلامية لغوياً يقودنا فطرياً إلى أصل الكلمة وهو الإسلام، وهو الإستستلام والانقياد بالطاعة والولاء والعبودية لله عز وجل، والبراءة مما سواه من الطواغيت والشرك، وهي دولة تتميز بالأغلبية المسلمة، واصطلاحاً هي الدولة التي تكون مرجعيتها في قوانينها لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالحكم فيها محصورٌ بشرع الله عز وجل دون ما سواه من القوانين الأخرى، وترفض التأطير الحدودي للدول والأقاليم المسلمة، وتجعل من رابط العقيدة رابطاً أساسياً للاجتماع أو الافتراق، والموالاة والعداء.

أما الدولة الدينية لغوياً هي التي تكون فيها السلطة للدين فيكون هو المهيمن والمتحكم في أمور الدولة، ولكن تعريف الدولة الدينية اصطلاحاً وواقعاً كان مختلفاً تماماً عن تعريفها اللغوي، فاصطلاحاً هي تلك الدولة التي تمنح الحاكم فيها شيئاً من الإلوهية وتحيطه بهالات من التقديس والعبودية، ويعتبر متحكماً بأمر تلك البلاد بوحيٍ مباشر أو غير مباشر من الله، فلا يجوز انتقاده ولا تقويمه أو عزله بتاتاً ويكون في مرتبة فوق الرعية كلّها، وعلى هذا كانت الدول الغربية سابقاً تقبع تحت هذا الحكم الديني أو الثيوقراطي أو ما يسميه البعض "حكم الكنيسة"

وإذا ما نظرنا أخيراً إلى الدولة المدنية لغوياً فإنها الدولة التي تنتقل من حالة البداوة أو الريف إلى حالة الحضارة والتمدن، أو من حالة العسكرة إلى المدنية، أما اصطلاحاً وواقعاً فإنها الدولة التي تجعل مرجعية الحكم والسلطة فيها للشعب، وتسعى لفصل الدين عن الدولة وخاصة في قضاياها السياسية، وحصره في أمور العبادة فقط.

مما سبق يتضح لنا أن التعريفات اللغوية متلاقية إلى حد كبير فيما بينها، فالدولة الإسلامية هي دولة دينية ومدنية من النواحي اللغوية فقط، فالدولة الإسلامية ستكون مدنية من ناحية التطور والتحضر في أساليب الحياة الموافقة لشرع الله، ودينية من ناحية تفرد شرع الله بالحكم فيها، أما من الناحية الاصطلاحية فلا يمكن أن تكون الدولة الإسلامية مدنية أو دينية.

وأعتقد أنَ البعض منا قد سقط في ترويج مصطلح الدولة "الإسلامية المدنية" وهو أمرٌ خاطئ بكل المعايير والمقاييس، فلا يوجد أدنى تقارب بين المصطلحين، إذ أن الدولة الإسلامية رغم تكريمها للإنسان إلا أنها لا تمنحه حق التشريع من دون الله وذلك أمر مثبتٌ في شريعتنا، لقوله تعالى "إن الحكم إلا لله"، فالحكم هنا محصورٌ في شرع الله لا غير.

 

أما مصطلح المدنية بالمعنى الاصطلاحي كما قلنا سابقاً يكون معناه أن مرجعية الحكم في الدولة للإنسان، فهو الذي يشّرع ويسنّ القوانين تبعاً لما يراه مناسباً، وكما نعلم فإن مشروع الدولة المدنية جاء ردة فعل مناقضة تماماً لمشروع الدولة الدينية في الغرب، فهذا أمر رفضته الشريعة الإسلامية رفضاً مطلقاً على كافة الأحوال والمستويات، فلا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يشرع البشر تشريعاً من دون الله أو تشريعاً موازياً لتشريع الله، وذلك استناداً لقوله تعالى "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، ويقيناً منّا أن شريعة الله قد اكتملت ولا يعتريها نقصان ولا تحتاج لزيادة أو تبديل أو تغيير استناداً لقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً".

وفي مقابل الأمر قد اتهمت التيارات العلمانية والليبرالية والديمقراطية الإسلاميين بأنهم يسعون لقيام دولة دينية في مسعى منهم لتشويه صورة الدولة الإسلامية وربطها بالدولة الثيوقراطية التي كانت تحكمها الكنيسة بإطار من التقديس والعبودية في محاولة منهم لاستعداء الناس لمشروع الدولة الإسلامية وتنفيرهم منها.

ولكن أعتقد أن هذه التهمة لا تعبّر إلا عن مستوى ضعيف من تلك التيارات فلا مجالَ لتشبيه الدولة الإسلامية بالدولة الدينية أو الثيوقراطية، لأن الدولة الإسلامية التي يكون فيها الحكم لله لا تمنح الحاكم فيها قدسية إلاهية أو منزلة ربانية مباشرة أو غير مباشرة، فالحاكم فيها بشراً يخطئ ويصيب، ولا تربطه بالله سوى علاقة العبودية والانقياد لله عز وجل وتحكيم شرعه بين الناس، والشرع قد منح الحق في تقويم الحاكم وانتقاده بل ومحاسبته من أهل الحل والعقد في الدولة حال ارتكابه مخالفة لشرع الله في حكمه، ولنا في خطبة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عند توليه الخلافة أثراً يؤيد هذا المعنى عندما قال "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله،وإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"، وتلك المصطلحات التي ابتدعتها التيارات العلمانية والليبرالية لا وجود لها في الفقه السياسي الإسلامي على الإطلاق.

من هنا نتيقن تماماً أن استعمال بعض الإسلاميين لمصطلح "الإسلامية المدنية أو الدينية" أمرٌ خاطئ وغير مستساغ فيكفي أن نقول أنها دولة إسلامية، فلا داعي لاستخدام مصطلح المدنية للتأكيد أنها دولة متحضرة لأن الحضارات بمجملها إنما نشأت تحت حكم الشريعة الإسلامية على مر العصور السابقة، وباعتقادي أن استخدام لفظ المدنية به نوع من التعويم للمصطلح الذي يشتمل على معنيين متناقضين في ذاتهما، فالمعنى الأول والمنتشر هو مرجعية الحكم للشعب، أما الثاني فهو التقدم والحضارة والتطور، فلا داعي لاستخدام هذا المصطلح لعدم رجوعه بالفائدة، بل ربما يوقع الكثير منّا في لبسٍ حول مفهوم الدولة الإسلامية وتطبيقها للشريعة، وكذلك لفظ الدينية الذي استغلته التيارات المعادية للإسلام تشبيهاً منها بحال الدولة الدينية الثيوقراطية في الغرب، فالدولة الإسلامية وسطية معتدلة بين إفراط الدينية الثيوقراطية الغربية وبين تفريط العلمانية والليبرالية.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق