]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فاوست مرآوية الزيف

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:40:09
  • تقييم المقالة:

   

 

فاوست .. مرآوية الزيف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد الحدادالعراق
خرجَ فاوست لأولِ مرةٍ كعمل أدبي في الكتاب الشعبيالذي نشرهُ اشبيس في بيئةٍ كانت تنفصم أو على وشكِ الانفصام عن مجتمع الكنيسةِالصارم ، مجتمع مُفعم بسلطةِ الدين والقيم وكانَ ثمة ضغوط كبيرة تلحُ على رجالالكنيسة لإعطاء تفاسير واضحة كمخارج آمنة لإشكالات كبيرة بدأ المجتمعُ بإثارتهاتطورتْ لاحقاً إلى اعتراضاتٍ وتذمرٍ من عدم فهم بعض نصوص الأناجيل مطالبينَ إياهمبأجوبةٍ وافيةٍ عن الماورائيات والروح والماهية والوجود والعدم أخفقَ رجالُالكنيسةِ في إسكاتها وأغرقوهم بدلَ ذلكَ في بحارٍ كهنوتيةٍ تُضفي أجوبةً ً ضبابية ًهلامية ً على أسئلةٍ بسيطةٍ ومنطقية وانتعشت بدلَ ذلك وكردِّ فعلٍ عليه المسرحياتالملحمية والرمزية وأسستْ ِلما عُرفَ بعدَ أكثر من قرن ٍ بمسارح العبث واللامعقولوانطلقَ الكتّاب يتناولون تلكَ المسائل بجرأةٍ ضاربين كلَّ الأسس الدينيةوالاجتماعية والأخلاقية السائدةِ آنذاك عَرض الحائط.

 

 

 

قُدمتْ فاوست مرات عديدة على مدى قُرون كاملة بإضافات جديدة في كلمرة بقلم مارلو و ليسينج وكلينجر ومولر وجوتة وفاليري، وسنكتفي بإضاءة مختصرةٍ لمااستثمرهُ جوتة من ولوجه عوالم تلك المأساة بطريقتهِ وأسلوبهِ المتفردتين.
بدءاً يَصعُبُ تحييد أفكار المؤلفِ ومُعتقداتهِ جانباً والتعاطي معَ مُنجزهِبابتساريةٍ مُشوهةٍ عندَ التصدي لعملٍ مثل فاوست ذلكَ أنَّ جوتة عبَّرَ بوضوح عنمكنون نفسهِ تجاه الدين والإيمان والكنيسة في ثنايا عمله حتى بدتْ شخصية ُفاوست فيكثيرٍ من ملامحها تقترب من جوتة نفسه بعدم إيمانهِ وازدرائهِ بكلِّ معتقد .من جانبٍآخر يبدو لي أنَّه لم يعمد (استثماراً لميثيولوجيةٍ جاهزة ) حتى ولو إلى صنع حالةهارمونية منصفة بينَ شخصية فاوست الأصل(حقيقي - أسطوري) والمُعدَّل المصنوع فيمشغلهِ المسرحي لتتصاعدَ باطرادٍ وصولاً إلى صورةٍ شبه واقعيةٍ بل قدَّمَ لنا صورةًمرآوية ًعاكسة ٍ للزيف لا للحقائق لتتجلى صورةُ فاوست بشكلٍ معكوس تماماً حينماألبسها ثوباً بالغ الصفاء ، أو بتشبيهٍ أوضح كمَنْ غطى بلاصق ٍ مُزيفٍ شفافٍ علىصورةِ فاوست (حقيقي- أسطوري) واضعاً فوقهُ بإحكام صورة فاوست المسرحي كصورةٍ واحدةٍليبدو الفصلُ بينهما عندَ الظهورِ أمراً مستحيلا ًبعدَ إضفاء رتوش ٍ متقنةٍ أخيرةٍلا يبدو فاوست فيها مجردَ ساحرٍ ملحدٍ مُدع ٍ هرطيقي بل كانسان باحثٍ عن الحقيقةِالإلهية الكاملة تُنازعهُ نفسهُ التواقة للبحثِ عن الخلاص ِ والخلود وسنحاولُ أننغمضَ أعيننا عن الصورةِ المُغيبةِ لفاوست تحتَ اللاصق أو تلكَ المعكوسة بمرآةٍكاذبة كمَنْ لا يرى أو يعلم إلا ما أرادَ جوتة أن يُريَهُ أو يُعلمَهُ ، منساقينَبإرادتنا وراءَ لعبته تلك رغمَ عدم إيماننا بالفكرة!
ربما لم تعد حواس فاوستقادرة ًعلى ترجمة دواعي الإيهام الشيطاني في عشقٍ وَوَلهٍ مضطربين فبدأ يُجربُمساربَ غير تقليديةٍ للوصول أو ربما وصلتْ بهِ حالة الانتشاء الذاتي حداً بدأتْ بهروحه المُعذبة تُطالبهُ بوسائل ِ اتصالٍ معرفي ٍ جديدة إلى آذان ٍ إضافية تسترقّ ُالسمعَ إلى عوالم خارج مدى الإنصات البشري المعهود لم يُقذفْ إليها مخلوق قط.. وإلى عيون ٍ إضافيةٍ لايكون بصرُها حسيراً، بل إلى حواس ٍ أخرى جديدةٍ لاتُقرِّبُالمسافات فقط بل تُلغيها وصولا إلى مستحيلٍ ممكن الحدوث لا ليصِلَ إليه بل ليتجاوزه! بهذهِ اليوتيبيا الحائرة طلبَ فاوست المستحيل اللامُدرَك ولم يعُد مُقتنعاًبوجودِ مجهولٍ ما بعيد عن عالمهِ الأرضي المحسوس دونَ أن يَلِجَ شرنقتهُ ويواربَأسراره.
هو لم يطلبْ رؤية الله ولا أن يغمرَهُ بفيض ٍ من أنوارهِ أو يخصَهُبسرٍ من أسرارِ ذاته لكني أفسرُ جنوحَهُ ذاك بمحاولةٍ طوباويةٍ لإعادة خلق ذاتيجديد بجزأيهِ البشري والإلهي معاً ليكونَ قادراً على النهوضِ بأعباءِ هذا التشكلالجديد المُفترض، مخلوقٌ سماويّ قدرَ ما يتسعُ السموُ والارتفاعُ لإنسان ٍ أرضيّوضيع أن يقتربَ من حدودِ الأنوارِ الإلهية ،ومخلوقٌ أرضيّ قدرَ ما يسمَحُ الجلالُالأعظم من الدنو ليدخلَ كنفَ إنسان ،ليسَ نُدرةُ حبٍ في اللهِ ولا فرادة شوق ٍ إلىجلالهِ قطعاً بل وهماً و تجاسراً عليهِ طمعاً بتماهٍ أو اتحادٍ أو حلولٍ .. لاندري،فما سولتهُ لهُ نفسه أسقطهُ في الشركِ الشيطاني فتمرغ َ بوحل ِ الخطيئةِ وفقدَالميزتين معاً (الذات البشريةِ الصاعدة نحو الكمال الإلهي ،واقتراب الأنوار الإلهيةالمتفهمة للعجزِ البشري) .
رهانٌ وصفقة
قد تكون قصة ُالشيطان ِ مع اللهِ فيالكتابِ المقدس / سِفر أيوب هي ومضة الشرارةِ الأولى التي قدحتْ في عقلِ جوتةفاستلهمها في مأساتهِ حينما شككَ الشيطانُ من صدق ِ إيمان أيوب طالما باركَ لهُالربّ ُ في رزقهِ وصحتهِ وراهنَهُ - بحسب رواية الإنجيل - إن هو قطعَ عنهُ كلَّ ذلكفسيكون لهُ شأن آخرَ مع الرب ،فقالَ لهُ الربّ ُ: (ليكنْ..هاهيَ ذي كُلّ ُ أموالهِتحتَ سُلطانِك) فكانَ الرهان.
لكن عدا ذلك ،ومنذ بدايةِ المسرحيةِ في(الاستهلال الذي في السماء) ثمة َ تماثلٍ غريب بينَ رهان الشيطان(مفيستوفاليس) معالرب،ولحظة النسيان الأزلية لآدمَ يومَ عهدَ اللهُ إليه (ولقد عَهِدنا إلى آدم منْقبلُ فنسيَ ولم نجعلْ لهُ عزما)نسيَ ماذا؟(أنَّ الشيطانَ لكم عدوّ ٌفاتخذوهُ عدوا) فأول خطأ إذن كانَ النسيان. وهنا يُذكِّرُ الربّ ُ مفيستو بأنَّ (الإنسانَ يُخطئُطالما هو يسعى ). هناك يقولُ الشيطانُ للهِ:(قالَ ربِّ بما أغويتني لأزيننَّ لهم فيالأرضِ ولأغوينهم أجمعين إلاّ عبادَكَ منهم المُخلصين)وهنا يقولُ مفيستو للربِّ:( بمَ تُراهنُ؟أراهنكَ سوفَ تفقِدهُ ،إذا أذنتَ لي سأقتادهُ بهدوءٍ في طريقي). نفسالمنطق!هناك يُجيبُ اللهُ الشيطانَ:(إنَّ عبادي ليسَ لكَ عليهم سُلطانٌ إلاّ مَناتَّبعكَ من الغاوين) وهنا يقولُ الربُّ لمفيستو: ( لكن إذا خسرتَ صفقتكَ فسيحمرّوجهكَ خجلا ً وأنتَ تراهُ يسلكُ الطريقَ القويم بعدَ ضلالة)! نفسُ الحجة،تماثلٌمبعثهُ تفاعلٌ إنساني شامل لقضايا واحدة.
ثمَّ تبرزُ هاهُنا إشكالية ربما لاتمتصُ شيئاً من جمال ِ المأساة لكن لا بأسَ من إضاءتها ذلكَ أنَّ عقوداً مماثلةأبرِمَتْ بينَ سحرةٍ وشياطينَ يتنازلُ الساحرُ بموجبها عن دينهِ لقاءَ مكاسبَدنيويةٍ وشهواتٍ فانيةٍ وذلكَ مُبتغى الشيطان الأول ،لكن فرضية العقد المُبرم بينَفاوست و مفيستو تقضي بأنْ يستحوذ مفيستو على روحِ فاوست(بعدَ وفاتهِ) والسؤال: ماالذي سيفعلهُ مفيستو بروحِ فاوست إذا انتقلتْ إلى عالَم ٍلا سُلطانَ لهُ عليهِطالما أنَّ ساحة الرهان دنيويّ لا آخروي؟بدليل ِ قول مفيستو للربِّ أثناءَ رهانهُمعه في (استهلال السماء):(لأني معَ الأموات لا أتورط وأوُثِرُ الخدودَ الطريةِ أماالجثة فلا شأنَ لي بها كشأن ِ القطِ معَ الفأر،حياً لا ميتاً )! بل إنَّ درجة هذاالإشكال تبرزُ أكثر عندَ موت فاوست بقول مفيستو مولولا ً:(إنَّ كنزاً عظيماً افلتَمني ،هذهِ الروح السامية التي أسلمتْ نفسها إلي ،لقد اقتنصوها مني بمكرٍ ودهاءفلمَنْ إذن سأشكو بعدَ الآن؟مَنْ سيردّ لي حقوقي الضائعة؟ لقد خُدِعتَ في أواخرِأيامكَ وأنتَ تستحِقُ ذلك) فلِمَ يأسفْ كلَّ هذا الأسف طالما قررَ منذ البدء أن لايتورط َمعَ الأموات؟
المهم أنَّ الرهانَ أُبرِمَ معَ الرب ليتبعَهُ صفقة بينَفاوست و مفيستو ، صفقة ٌ بينَ كيانين .. ذاتين لا يربطهُما رابطٌ حسي ، محضُ علاقةخرافية بافتراضاتٍ وهميةٍ أسقطتْ الأول في فخ غواية الثاني!
صحيحٌ أنهُ أبعدَ(فاوست) عن اللهِ بعضَ الوقت لكنهُ لم يكسبْهُ عبداً له،وكأنَّ جوتة يوحي لنا أنَّفكرة فاوست عن الاتحاد بالله والخلود في نعيمهِ كانتْ شغلهُ الشاغل تهونُ عليهِ ماعلا روحهُ من همومٍ وقلقٍ تجعلهُ يستحقرُ كل تلكَ الملذاتِ التي يُسهلها مفيستو لهمعَ أنهُ يعيشُ معها وبها لحظتهُ الآنية ، ثمَّ تأتي روعة الخاتمةِ التي تيقنَ فيهافاوست أنَّ ضبابيةَ رؤيتهِ لله كانتْ من صُنع نفسه ابتداءً قبلَ أنْ يبيعَهاللشيطان مفيستو وأنَّ طريقهُ الحق إلى اللهِ ليسَ في الماديةِ السحريةِ التي يواربمفيستو له أبوابها بل في روحهِ،كنزهِ الذي لا قِبَلَ للشيطان به ولذلكَ ساومَ عليها: (لو استطعتُ أن أبعدَ السحرَ عن طريقي وأنسى تعاويذه وأن أقِفَ أمامَكِ أيتهاالطبيعة إنسانا وحدي لكانَ من المجدي أن أكونَ إنسانا بحق). نغمة ُ الإقرار بالذنبِهذهِ هي بالضبط ما كانَ يخشاهُ مفيستو منذُ البداية،ولأنه مجبولٌ على المعصيةِيحيرهُ أمرَ هذا العبد فاوست لأنَّ نفسَهُ موزعة بينَ العصيان والطاعة في نفس الآنفيريد أن يحسمَ هذا التناقض بالنزوع إلى الشر الخالص خوفاً من توبةٍ تنتشلُ(فاوست)ً من بينِ أحضانهِ في أيةِ لحظة فيصِلَ إلى اللهِ ويحمرّ وجههُ هو خَجِلاًويضيع رهانهُ مع الله،وهذا ما حصل! وإذ يتذوق فاوست طعمَ العمل والتعاون يظفرُأخيراً بالأمل ،الأمل الذي طالما ابتلعتهُ ذاته الشغوفة ، الطامحة إلى ذاتٍ أخرىافتراضية ،مُغيبة زينها لهُ مفيستو.
لقد قدَّمَ جوتة (فاوست) كنموذجٍ لمخلوقٍ ٍمسخ ٍ تمرغ َ بدنسهِ الإنساني وفشلتْ طوباويتهِ في التعايش معَ تركيبةٍ مُفترضةٍامتزجتْ فيها كل تناقضات المعرفة بفنون السحرِ والكيمياءِ وأسرارهما، معَ الخيالالجامح لذاتٍ أرادتْ ولوجَ عوالمَ أخرى لذواتٍ مغايرةٍ لم يكن الاقتراب منها مباحاًأبداً لتجاوزها كل حدود المنطق 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق