]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عرائس من دم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:34:01
  • تقييم المقالة:

 

عرائس من دم!

 

محمد الحداد العراق

لا أقسى من وطنٍ تُرسَمُ خارطتهُ بأنّاتِ جراحهِ إلا جراحاً تتلبسُ خارطة وطن... عرائسُ من دمٍ ما جفَّ وشمُ حنائها بعد،تمشي بلادُ اللهِ عارية على ممشى الجمر، قرابين منذورة لحفنةِ طغاةٍ بالأمسِ فقط كانوا متورمين بالفراغ منتفخين بالوهم عَقِمَتْ وجوهُهم أن تذرِفَ قطرة حياءٍ واحدة، حينما سُئِلَ أرسطو ذاتَ يومٍ عن الذي يصنعهم قال: ضُعفُ المظلومين. قدَرٌ مؤسفٌ جمعَ هؤلاءِ الطغاةِ بأولئكَ المظلومين تحتَ سماءٍ واحدة. اليوم حينما انتفضَ المظلومون انقلبَ السحرُ على السحرةِ وارتعدتْ فرائصُ الفراعنةِ وفرّوا في جحورهم مختبئين تحتَ أرضٍ طالما عاثوا فوقها فساداً، يقضونَ ما تبقى من ثمالةِ أيامهم بين أحضانِ عرافيهم يستنطقونَ لهم النجومَ ويضربونَ الودعَ والرملَ و يقرؤون لهم آخرَ فناجين بقائهم حتى اصْفرَّ ما تبقى في أفواههم من أسنانٍ طالما أكلتْ الأخضرَ واليابس..من إحدى بلادِ اللهِ هذهِ ..من ليبيا .. صورةٌ لإحدى عرائس غربنا البعيد ..من هشيمها الآن ..من تناثرِ جُذاذاتها بين حباتِ رمالِ صحرائها الممتدة بحُلمٍ يُطامِنُ اليأسَ في عودةِ تكاملها المفقود،جسدٌ غربيُّ الطلةِ شرقيُّ السُمرةِ والعَرَقِ والتراب ،ليبيا التي تتلبسُ تارة سكونَ خيمة وتارة شموخَ جبل وأخرى صخبَ بحرٍ لا حدَّ لأسرارهِ .. لِمَ يبدو كلُّ شيءٍ فيها مختلفاً؟ما الذي يعطي ثورتها اهتماماً قلَّ نظيرهُ من دونِ سائر الثورات؟وما الذي أرجأ نصر ثوارها فضاعوا في منتصفَ الأمل حتى بتنا نخشى أنْ تبتلعَهُ وإياهم رمال صحراءٍ جائعة؟ أسئلة تحتضر على قارعةِ اليأسِ بحجم المفقودِ مما كان والوعدِ مما سيكون دونَ أنْ تجدَ أجوبة تداوي بعضاً من وَجَعِ احتضارها مشهدٌ ليبيٌّ مختلفٌ لا يشبههُ مشهدٌ آخر،إرهاصاتُ الثورة... أبوابُها... وسائلُ التغيير،هنا لا عربة خضارٍ آثمة مُنِعتْ من الدورانِ على بابِ الله ...لا صفعة ناعمة برتبةٍ عسكريةٍ مَهيبة...لا جثة احترقتْ بحسرتها قبلَ أنْ تضرِمَ يدُ اليأسِ النارَ فيها...لا طوابير رغيفٍ أطول من صبرٍ لا أطولَ منه و كلُّ ما حولها من بلادٍ تستجدي(خبزاً حافياً) يصلُ بالكادِ بطوناً تطحنُ بعضها،خبزٌ أبعد من قرصةِ جوعٍ عن تخمةِ شبع ،أيُّ شررٍ مستصغرٍ يمكن لهُ أن يركُمَ فوق بعضهِ ليُذكي نارَ ثورةٍ ويُغذى وَقودها لاحقاً في بلدٍ عجيبٍ يرسمُ دالة غنىً لا غنى فيهِ وفقراً بلا فقراء؟كيفَ ولِمَ اندلعتْ الثورةُ إذن؟ يقالُ إنَّ فشلَ الحكوماتِ يصنعُ الثورات..تستثمرها الشعوبُ ..ولا تستفيد منها إلا القوى المنظمة!ما حدثَ في ليبيا من قبلُ ومن بعدُ شيءٌ أكبرُ من الفشلِ وأعسرُ من الاستثمار لكنَّ الثورة التي طرقتْ كلَّ الأبوابِ لم تدخلْ إلا أبوابَ تلك القوى المنظمة..وجيوبَها،لكنْ لا بأسَ إنْ امتطتْ أسبابٌ متعددة ظهورَ وسائلَ مختلفة لتصلَ إلى غاياتٍ ناجحة ومُرضية . في البدءِ انطلقتْ أصواتٌ باهتةٌ لمتظاهرين استيقظوا مبكراً على طرقعةِ وهمٍ مُتأخرٍ أفرزَ قراءة سيئة لطاغيةٍ راهنَ حدَّ الجنونِ على حُسنِ قراءتهم،دفعتهم أبجدية موتهِ المقيتة أنْ يتقمصوا دورَ ثوارٍ غاضبين ويلبسوا باكراً ثيابَ حربٍ لم يكنْ لها ما يبررها،في وقتٍ كانتْ ثمة أيادٍ بيضاءَ في تونسَ و مصرَ تقطفُ للتوِّ ثمارَ صبرٍ أعزلٍ كانَ طوالَ المحنةِ ينزفُ أملاً ، حينما كانت منتصف ساحتي التحرير فيهما مبوأً حياً لقلوبٍ تنبضُ بالثورةِ والسلامِ معاً ،وحدها ليبيا بعد أنْ تلقتْ أولى سياطِ القمعِ توهجتْ فيها شعلة الثورةِ ووئدتْ في مهدها شعلة السلام ،وحدهم ثوارها انفردوا بتركِ مُنتصفهم القريب في قلبِ طرابلسَ و ارتحلوا صوبَ أقصاهم الأبعد، مُمكنهم المستحيل : بنغازي، بزحفٍ مُضنٍ استنزف آمالهم وأطالَ عليهم طريق النصر،كم بدتْ طرابلس بعيدة عنهم بعدَ أولِ اطلاقةٍ فتحَ الموتُ بها أفواههُ الشرهة بين رمالِ بنغازي وطرابلس؟كرٌّ وفرٌّ لم يتوقف لكنَّ طرابلسَ كانت تبتعد.. و أبوابها كانتْ ترتحلُ عن أعينهم بعيداً كلما اقتربوا منها بعد أنْ كانوا بعيونها وانْ رحلوا عنها،كانَ الأجدرُ بهم الحذر من بابٍ لهُ مفاتيح كثيرة كما يقال،الموتُ فضاءٌ يتسع والحياة بابٌ تضيقُ و توصد ،أيُّ همٍّ أكبر من أن تطاردَ العيونُ سراباً في صحراءٍ لا نهاية لها؟  أية غربةٍ أقسى من أن تنتفخَ تلك الصحراء فجأة لتبتلعَ كلَّ شيءٍ فلا صريخ فيها ولا مُنصِتْ ! لو أنصتوا لنواقيسِ الحذرِ لما أسلمَهم طريقُ الطغاةِ أنْ يستنجدوا بأولِ بابٍ فُتحتْ أمامهم ولا إلى ذرفِ قطرةِ حياءٍ واحدةٍ وراء البحار، ورحلة نزفِ الألفِ قطرةٍ تبدأ دائماً بقطرة،هَمٌ على الأرضِ من نصرٍ طالَ انتظارهُ وضاعَ وسط صحراءٍ تفتحُ أذرعَها للمستحيل،وفرَجٌ منتظرٌ فوقَ سماءٍ عاليةٍ لم يكنْ أكثرَ من طائرِ وجعٍ مُدمّرٍ ينثرُ الموتَ عليهم وعلى أعدائهم فمتى سيُنظِفُ لهم طريقاً سريعاً نحو نصرٍ يدخلُ طرابلسَ من أوسعِ أبوابها دونَ أن تُدنسَ ثمارهُ قطرة دمٍ واحدةٍ تسرقُ من الفرحةِ كثيراً من براءتها؟ بعد أشهرٍ من القتال تبدو ليبيا اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ لعبة نفطية غالية غائرة وسط صحراءٍ من عبثٍ و تخبطٍ وجنون،لكنها أشبهُ بلعبةِ حربٍ مُدبلجة أوربياً أكثر منها أمريكياً، فدفة القيادةِ أطلسية هذهِ المرة في امتحانٍ عسيرٍ لإثباتِ مدى قدرة الناتو على استعراضِ قواهُ العسكرية وهي تعكسُ رغبة أوربية في مزاحمةِ الانفراد الأمريكي كتفاً لكتف وترسمُ صورة مغايرة لأمريكا ما قبل2003 حينما كانتْ نفقاتها العسكرية السنوية تفوقُ مجموعَ نفقاتِ 25 دولة(على رأسها دول حلف الناتو)بل وتزيدُ عليها كلها ب14مليار دولار! قبلَ أن تغوصَ تماماً في مستنقع العراق ،أمريكا الحائرة بين نظرةٍ طامحةٍ صوبَ غدٍ يُزينُ لها ليبيا لقمة سائغة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى،وبين نظرةٍ خائفةٍ نحو أمسٍ يُذكرها بيديها المحترقتين بألعابٍ سابقة، في ظلِّ رئيسٍ ديمقراطي أسود لا جمهوري أبيض ولكلٍّ دلالته،رئيسٌ فقدَ في منطقتنا الساخنة حتى الآن أقوى وأقدم حليفين صدئتْ بأيديهما مفاتيحُ سلامٍ فاشلةٍ مع إسرائيل ومرشحٌ لفقدِ آخرين لصالحِ ألدِّ أعدائهِ في منطقةِ الخليج ! فلسفةٌ جديدةٌ غامضة يحاولُ رسمها بمغايرةٍ فادحةٍ قد تنفذ ولايتهُ دونَ أنْ يَعيها أحد.لكن بمنطقِ مصالح السياسيةِ هي حربٌ طالَ أمدها والخشية من انفلاتِ العصفور بخيطهِ طفحتْ من دهاليز صُنع القرار إلى لسانِ ليندسي ابراهام التي أغلقتْ في 25نيسان الماضي بابَ الجدلِ حول نهاية معركة يُخشى عليها أن تبقى مفتوحة ،لذا لا يمكن حسمها تماماً إلا بقطعِ رأس العصفور! في الطرفِ البارد البعيد في روسيا والصين ثمة مغازلة لأصدقاءِ الأمسِ المتشبثين لم يُسعف بها الوقت تبعَها حيادٌ وترقبٌ والمعلن من كلِّ ذلك حقنٌ لدماءٍ صديقة، لكنَّ وراءَ أكمة الدولتين بكاءٌ ساخنٌ يكشفُ عن خوفٍ وقلقٍ(روسي صيني)موزعٌ بين مطرقة الوعود و سندان الندم !وعودٌ قذافية خضراء موثوقة بأحابيل استثمارية كبيرة في انفتاحٍ تجاري غير مسبوق بعد درس ضرب العراق وخوفٌ من احتراقِ ورقتها بأولِ شرارةٍ للحرب ،أما الندم فمن تخلفهما عن حفلة غنائم ما بعد القذافي وحصرها على أكبر المتضررين ألمانيا وايطاليا وفرنسا لكنهما نسيا أنَّ ضروعاً دائمة الحلب أغلى من بضع قطراتٍ أخيرة يلوحُ بها طغاة لن يجدوا وقتاً كافياً ليرفعوا قبعة الرحيل وكلُّ شيءٍ بثمن،وحتى يحينُ ذلك الوقت فانَّ تعويضاً كهذا حتى لو جاء متأخراً سيضمد بالطبع بعضاً من جراحٍ أوربيةٍ نام بين ثناياها ملحُ الصبر ،تعويضٌ سيتناسب حينها مع حجم الخراب الذي ستخلفهُ آلة موتِ كلِّ دولةٍ مشاركة.. ولا عزاء للمتخلفين.ظلامُ الكونِ كلهِ لا يقدرُ أن  يحجبَ نورَ شمعةٍ مُضاءة واحدة ومهما طالَ ليلُ الطغاةِ أم قصُر فانَّ نورَ النصرِ سينزلقُ لا محالة من بين أصابعِ المستحيل فثمة دائماً بين الفجرِ و الغبشِ احتضارُ عتمةٍ متأخرةٍ تنسلُّ ذؤاباتُ النورِ بتثاؤبٍ من بين عيونها،شيءٌ يشبهُ حبات ضوءٍ تنبثقُ من ظُلفةٍ أعلى جدارٍ قاسٍ في سجنٍ مظلم.. ظلفة صغيرة تظلُّ على موعدٍ مع شمسٍ بعيدة تدورُ دورتها حتى تحين لحظة اللقاء فتسكبُ الشمسُ في تلكَ الظلفةِ نوراً طالَ انتظارهُ بتقاطرٍ خيطي يهصِرُ ظهرَ الظلام من أعلاهُ إلى أسفلهِ.لكن أية يدٍ ستعيدُ لعرائسنا الحزينة وشمَ حنائها؟يدٌ عزلاء رسَمتْ بإصبعينِ للنصرِ علامة أم تلكَ التي ضغطتْ بإصبعٍ واحد على زنادِ موتٍ يبتسم؟وأيٌّ منها سترسمُ للوطنِ في الغد خارطة سلامهِ إذا وضعتْ الحربُ أوزارها ولأيها ستقرع للنصرِ أجراسٌ وأجراس؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق