]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مذكرات الجنرال

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:30:45
  • تقييم المقالة:

مُذكرات الجنرال / صِدقُ الجلاد

 

محمد الحداد  العراق

 على الرغم من المقولةِ الشائعةِ بأنَّ (التاريخ يكتبهُ المنتصرون) قد أباحتْ كثيراً لهؤلاءِ المنتصرين التزوير والكذب على الطرف المهزوم ،لكن كتابَ (مذكرات غريتسياني ) الجنرال الايطالي الذي لُقّبَ بأسدِ الصحراء كسرَ القاعدة التي بُنيتْ على أساسها تلكَ المقولة بشكلٍ مُذهلٍ خالفَ كلَّ المقاييس ،كتابٌ فتحَ نافذةً كبيرةً أدخلَ من خلالِها هذا الجنرال شمسَ الحقيقةِ التي أضاءتْ تاريخاً أُريدَ لهُ أنْ يبقى مُنزوياً،قابعاً خلفَ قُضبانٍ أحكمَتْ يَدُ الاستعمار الايطالي إغلاقها ليقضي حُكماً تأبيدياً في سجونها المُظلمة ولو قُدِرَ لها أنْ تبقى موصدة كآلافٍ غيرها لَضاعتْ الحقيقة تحتَ رمالِ صحرائنا المأهولة بالصمتِ والخوفِ والغياب .

 

 تُعَدُّ تلكَ المذكرات وثيقة ً تاريخية ً نادرةً تُسلطُ الضوءَ على فترةٍ زمنيةٍ مهمةٍ سأحاولُ نفضَ الغبارِ عنها بمناسبة مرور حوالي قرنٍ كاملٍ على الاحتلالِ الإيطالي لليبيا في 1911 لا تأتي أهميتها فقط في تسجيليتها الدقيقةِ المؤرِخةِ لحقبةٍ استعماريةٍ غابرة بكلِّ ما حَفلتهُ سنواتُها الطويلةِ هذهِ من أحداث دامية ، بل في علامات الدهشة والذهول والتساؤل التي لابدَّ أنْ تُصيبَ قارئها وهو يتلمس تلكَ الآليةِ الغريبةِ التي انتهجَها الجنرال غريتسياني في رسم شخصيةِ خصمهِ اللدود عمر المختار ،بكلِّ صدقٍ وصراحةٍ واحترامٍ يصِلُ حدَّ التقديس لرجلٍ شبحي ظلَّ يُطاردُهُ عشرينَ عاماً كانت بامتدادِ وصعوبةِ سنواتها الحرجة كافية ليكشفَ الجنرال بنفسهِ  في مذكراتهِ عن ضآلتهِ (معَ عظمةِ إمكانياتهِ الحربيةِ) وتضعهُ إزاءَ عظمة ذلكَ الرجل الشبح (معَ ضآلةِ جسدهِ النحيل وإمكانياتهِ المحدودة) فانسابتْ كلماتهُ من نبعِ الحقيقةِ صافية  ،صادقة بشكلٍ مذهلٍ لم يكن متوقعاً من عدوٍ لم يبخل بكلِّ أساليبِ القتلِ والبطشِ والتشريدِ التي دونها أيضاً بصدقٍ عالٍ جنباً إلى جنب مع ما دونهُ من هالاتِ التقديسِ لعمر المختار.

لنقرأ أولاً تلكَ اللحظة التاريخية التي وقع فيها عمر المختار في الأسر يقول الجنرال :(الآن وقعَ في أيدينا هذا الرجل أسطورة الزمانِ الذي نجا آلافَ المراتِ من الموتِ والأسر وعُرفَ بينَ الجنودِ بالقداسةِ والاحترام ...)ثم يُضيف (يُخيلُ لي أنَّ الذي يقفُ أمامي رجلٌ ليسَ كالرجال ، منظرهُ وهيبتهُ رغم شعورهِ بمرارةِ الأسر) سألهُ الجنرال أولاً عن سببِ مُحاربتهِ المتواصلةِ الشديدةِ لهم فأجابهُ : من أجلِ ديني ووطني وحينما شككَ الجنرالُ بقولهِ مُتهماً إياهُ بالدفاعِ عن السنوسيةِ لا عن الدينِ والوطنِ ،يقول : (نظرَ إليّ عمر المختار نظرةً حادةً كالوحشِ المفترسِ وقال:لستَ على حقٍ فيما تقول ولكَ أن تظن ماتشاء لكنَّ الحقيقة إنني أحاربكم من أجلِ ديني ووطني) لقد كانَ بمقدورِ الجنرال في موقفٍ قويٍّ كهذا تحولتْ دفة الصراعِ إلى أقصاها لجانبهِ كطرفٍ مُنتصرٍ أن يُلفّقَ عن عمرَ المختارِ ما يشاء من جُبنٍ أو ضَعفٍ أو تخاذلٍ غير الحقائقِ التي خَلدها في مُذكراتهِ خاصة إذا علِمنا أنَّ المعركة مع الثوارِ لم تنتهي بعد وأنَّ أربعة من القادةِ  كانوا سَيحِلونَ مكانَ عمر المختار بعد قتلهِ أو أسرهِ  في قيادة ثوار المقاومةِ الشعبيةِ وكان يُمكنُ لقائدٍ مُتمرسٍ كَغريتسياني خاضَ غِمارَ الحربِ العالميةِ الأولى بكلِّ شجاعةٍ واكتسبَ خلالَ حياتهِ العسكريةِ الطويلةِ خبرةً تُمكنهُ في مثلِ هذهِ الظروفِ العصيبةِ من استثمارِ هذا الحَدثِ الكبيرِ لصالحهِ في التأثيرِ على معنوياتِ أعداءهِ المُحبطةِ أساساً بأسرِ قائدِهم عمر المختار لكنهُ تعاملَ مع الأمر بحسهِ الإنسانيّ لا العسكري فآثرَ أنْ ينقلَ إلينا بكلِّ شجاعةٍ وصدقٍ تاريخاً كانَ يُمكنُ ببساطةٍ أنْ يظلَّ مُغيباً عنا إلى الأبدِ وكأنهُ كانَ يعلمُ أنَّ التاريخَ لم يكن يوماً ما مُلكاً لأحدٍ ففضلَ أنْ يُلامِسَ نبضَ الصِدقِ في قلبِ الحقيقةِ عندَ تدوينهِ لتاريخ أعتى أعداءه . ثم يُكمل:(أشرْتُ لهُ فجلسَ على كرسيٍّ أمامَ مكتبي فظهرَ لي وَجهَهُ بوضوح، تأملتهُ جانبياً فرأيتُ في وَجههِ بعضَ الاحمرار، جالسٌ أمامي : هذا هو الرئيس الموهوب! وبدأتُ أفكرُ كيفَ كانَ يقودُ المعاركَ وبينما هو يتكلمُ كانتْ نظرتهُ ثابتة ً إلى الأمامِوصوتهُ نابعٌ من أعماقهِ ويَخرجُ من بينِ شفتيهِ بثباتٍ وهدوء، وفكرتُ ثانية : هذا هو القديس! لأنَّ كلامَهُ عن الدينِ يدلُّ بكلِّ تأكيدٍ أنهُ مؤمنٌ صادقٌ، قلتُ لهُ : الحياةُ وتجاربُها تجعلني أؤمنُ بأنكَ كنتَ دائماً قوياً، لهذا فإنني أتمنى أنْ تكونَ كذلكَ مهما يحدثُ لكَ فأجاب : إنْ شاءَ الله ..) ربما يُعَدُّ اعتراف الجنرالِ بإعجابهِ الصريح  بقوةِ عُمر المختار وشجاعتهِ أمراً مفهوماً لا غرابة فيهِ يسلكهُ المنتصرونَ أحياناً عند وصفهم بأسَ أعدائِهم وإلاّ ما ميزةُ الانتصارِ على الضعفاءِ؟ وهو نفسُ المعنى الذي قصَدهُ المتنبي قديماً عندَ مدحهِ شجاعة سيف الدولة من خلالِ شجاعةِ أعداءهِ حينما قال :

 تَمُرُّ بكَ الأبطالُ كلمى هزيمةً     ووجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ

لكنَّ مَرْدَ الغرابةِ في تمني دوام القوةِ لِعدوهِ التاريخي ،وفي إغداقهِ إياهُ بصفاتِ الصدقِ والإيمانِ لتصلَ الغرابة أقصاها حينما يبلغ هذا الإعجاب  درجة القداسةِ حينما تطغى رهبة الموقفِ على الجنرالِ نفسهِ لا على عمرَ المختار لدرجةٍ تجعلنا نتساءلُ بذهول : مَنْ كانَ أسيراً عندَ مَنْ ؟

(عندما وقفَ ليتهيأ للانصرافِ كانَ جبينهُ وضّاءً كأنَّ هالة ً من نورٍ تُحيطُ بهِ فارتعشَ قلبي من جلالةِ الموقفِ،أنا الذي خاضَ معاركَ الحروبِ العالميةِ والصحراويةِ ولُقبتُ بأسدِ الصحراء ورغم هذا فقد كانتْ شفتايَ ترتعشانِ ولم أستطعْ أن أنبسَ بحرفٍ واحدٍ فانتهتْ المقابلة وأمرتُ بإرجاعهِ إلى السجنِ لتقديمهِ إلى المحاكمةِ في المساء) هل سَنُنقب بعدَ ذلكَ عن صدقٍ مع النفسِ والتاريخِ عند نقلِ الحقيقةِ مع ألدّ الأعداء أنصع من ذلك؟

بل إنَّ صِفة الفروسيةِ العالية في إنصافِ الخصومِ عندَ الجنرال قد طَغَتْ على كلِّ مُتطلباتِ النصرِ والهزيمة ،نلمحُ ذلكَ بوضوحٍ حينما يُسهب بذكرِ مزايا عدوهُ بقوله: (.. يتمتعُ بذكاءٍ حاد،وكانَ مثقفاً ثقافة علمية ودينية .. لهُ طبعٌ حادٌ ومندفعٌ وبطلٌ في إفسادِ الخططِ وسرعةِ التنقلِ  يتمتعُ بنزاهةٍ خارقةٍ لم يَحسَبْ للمادةِ حساباً وفقيراً لا يملكُ من حُطام الدنيا شيئاً إلا حُبه لدينهِ ووطنهِ كما أنهُ رفضَ إغراءات الايطاليين المختلفةِ لاستدراجهِ في التعاونِ معهم ومنها رفضه لهديةِ الوالي الجنرال بادليو قيمتها مليون فرنك أُرسلتْ إليه سنة 1929فرفضها وأجابَ بأنهُ ليسَ من طلاب الهدايا) .

موقفٌ آخر سجلهُ الجنرال للتاريخ ولولاهُ لضيعتهُ السنوات في غياهبها واندثرَ تحتَ غبار النسيانِ بغيابِ أي صوتٍ مناهضٍ لصوتِ تلك المحكمةِ التي عُقدتْ بعدَ أربعةِ أيامٍ فقط من وقوعِ عُمر المختار في الأسر وهي لا تختلف كثيراً عن تلكَ المحاكماتِ الطائرةِ التي أعترفَ الجنرالُ بنفسهِ في وصفِ وحشيتها وقسوتها التي تحكم ُ بالظن فيمن يُشتبهُ بمساعدتهِ للثوار ثم يُنفذ حكمَها الفوري أمامَ الناسِ لإخافتهم ،لكنَّ الإمساكَ برجلٍ كعمرَ المختار كانَ يقتضي انعقادَ محكمة عسكرية خاصة تليقُ بالرجلِ ولولا حيادية الجنرالِ غريتسياني العالية في نقلهِ لوقائع تلك المحاكمةِ الصورية لما أمكنَ لنا على الإطلاقِ من الوقوفِ على عظمةِ وشجاعةِ وثباتِ عمر المختار فيها بل لما أمكنَ أيضاً علمنا بحياديةِ المحامي النقيب لونتانو الذي انتدبتهُ المحكمة لسوءِ حظهُ كما قال للدفاعِ عن عمرَ المختار حينما جازفَ بحياتهِ ومستقبلهِ العسكري أثناء المُرافعة الساخنة التي أضفى فيها شرعية المُقاومة على قتالِ عمر المختار لهم باعتبارهِ ابناً لأرضٍ أوجدهُ الله عليها قبلَ الاحتلال الايطالي لها وبالتالي إقراره بحق ٍ وهبتهُ لهُ الطبيعة والإنسانية ،بل وتحذيره الشجاع للقاضي من مغبةِ عدم تحكيم ضميره في شيخٍ طاعنٍ في السن و طلبه الإنساني الرأفة بهِ لأنهُ صاحبُ حقٍ وتكرار تحذيره الشجاع للمحكمةِ من حُكمِ التاريخِ الذي لا يرحم فهو عجلةٌ تدورُ وتسجلُ كلَّ ما يحدث،ثم تخليد الجنرالِ في مذكراتهِ تلكَ اللحظة الفريدة التي تُرجم فيها لعمرَ المختار بالعربيةِ حكم الإعدام  حينما قهقه بكلِّ شجاعةٍ قائلاً : الحُكمُ حُكمُ اللهِ لا حكمكم المُزيف إنا لله وإنا إليه راجعون . ووصفهِ أخيراً موقف إعدامهِ في اليومِ التالي بقولهِ (وكانَ الموقفُ مؤثراً للغاية)!

لعلَّ ما ذكرناهُ وفَصّلَ الجنرالُ غيرهُ الكثير في مذكراتهِ الفريدةِ يشفعُ لإطالتنا المُتأنيةِ في الوقوفِ عندَ بعضِ شواهدها،ذلكَ أنها حاولتْ أنْ تُقدّمَ دروساً بليغة لمبادئ الإنصافِ  في الحُبِّ والبغضِ على السواءِ حتى مع الأعداءِ ورسالة ً أحببتُ إيصالها لمَنْ  يفهم أنَّ السياسة بحرٌ هائجٌ يَضيقُ بالخائضينَ فيهِ وأنهُ لا يستوعب إلا مركبَ نجاةٍ  واحدٍ لا بأسَ إنْ رَكِبوا فيهِ أن يَغرقَ سواهم دونه ،كما أنها أثبتتْ أنَّ كلمة الحقِّ لا بُدَّ لها أنْ تنتصرَ أخيراً على كاتميها كما انتصرت منذ الأزلِ والى الأبدِ ضحية على جلاديها ،و لتُثبتَ لنا أخيراً أنَّ المحاولاتِ المستمرةَ لإعادةِ صياغةِ نصوص التاريخ وفق ظروف زمنية متغيرة غير مُجدية لأنها تسقطُ دائماً في فخاخِ الاحتمالاتِ على العكسِ من الوثيقةِ التاريخيةِ خاصة إذا كانت مكتوبة من قِبلِ الأعداءِ أنفسهِم (والصدقُ ما شَهدتْ بهِ الأعداءُ) .

تحية إلى عمرَ المختار الذي تنبّأ أن( يعيشَ أطولَ من عُمُرِ جلادهِ) وتحية مثلها إلى جلادهِ وقاتلهِ الجنرال غريتسياني في صدقهِ واحترامهِ للتاريخِ الذي لولاهما لم تصلنا آخر كلمات عمر المختار الخالدة هذهِ ولا أياً من كلماتهِ الأخرى.          


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق