]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فوبيا التاريخ

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:16:48
  • تقييم المقالة:

فوبيا التاريخ

 

محمد الحداد  العراق

 سحرٌ ذائبٌ يغورُ في كل مُغيَبٍ مخفي..يسكنُ فيهِ ويتموضع،  فرضيةٌ تلبسُ شكل حقيقةٍ لا نقاشَ فيها، تدفعُ النفوسَ أن تتعاطى مع غموضِ باطنهِ المُضمَر بإيحاءاتِ ألوانهِ المُتغيرة كل حين مُفضلة إياهُ على وضوحِ أيّ ظاهرٍ مُعلنٍ ذي اللون الواحد.تماماً كقولِ أحد الشعراء: (اليدُ الممدودة اليَّ بالسلامِ لا تعنيني،اليدُ الأخرى المُخفاة وراءَ الظهرِ هي التي تُخيفُني وتُتعبُني ).

 من هنا تحديداً، من هذهِ الفوبيا المجهولة ارتأيتُ أن أبدأ كلامي بعدما تريثت قليلاً لأطلعَ على أكبر عددٍ ممكن من المقالات التي بسطها الملف على طاولةِ المحكمةِ في استجوابها القاسي لتاريخٍ أُوقفَ لوحدهِ في قُضبانها كمُتهمٍ لا ينبري للدفاعِ عنه أحد ويُفاخرُ بجعلهِ مرمى لأحجارِ النقدِ وسهامهِ، وآملُ ألا يخيب ظني فأغدو وحيداً يسبحُ عكسَ تيار تلك المقالات السالفة وربما اللاحقة أيضاً في بحرٍ لا أجيد السباحة فيه أصلاً  قبلَ أن يُنفذ فيهِ حكمها بالرجمِ جهاراً كنُصبٍ شيطاني تُعلنُ البراءة منه تطهراً من براثنهِ وتزلفاً لمستجوبيهِ كلَّ حينٍ ، وأطمعُ رجاءَ عموم الفائدةِ اتساع الصدور كاتساع صدري لقراءة الجميع.

 لو تقصينا منهج البحث في ماهيةِ القيم الأخلاقيةِ والمنطقيةِ بمعناه الأكسيولوجي وصولاً للكمال الإنساني النسبي الذي يطمحُ الجميع بالتأكيد للوصولِ إليهِ لتيقنا أنَّ التاريخ َيُمثلُ بحقٍ ذلك المجموع الكمي والتراكم القيمي لِما أُنجز طوال حركته المستمرة ضمن سلسلةِ دورانهِ الحتمي وبالتالي فانَّ  قلة الخبرةِ الإنسانيةِ في التعاطي معهُ أو معَ مكرراتهِ أثناءَ هذهِ الحركةِ أو مُقاطعتهِ المدفوعة أحياناً بنظرةٍ دونية له، هو الذي جرَّ على الأمةِ تتالي الأزمات وفداحة الخسائر طوالَ مسيرتها ذلكَ أنَّ التاريخَ يُمثلُ (الفلسفة التي تُعلمُ بالقدوة) حسب بولينغبروك  بافتراضِ التحريكِ المُستمر لطوارئهِ  والزائلِ فيهِ .

بل انَّ ذلكَ بمجموعهِ أسلمَها أيضاً إلى تلكَ الفوبيا التاريخيةِ التهويليةِ المزمنةِ التي أشرْتُ إليها مطلعَ الكلام ، تلكَ الفوبيا التي استلزَمتْ على الدوام - جرّاء عدم الفهمِ الكافي لهُ بوصفهِ مؤسسة أرشيفية إنسانية كُبرى - إما نظرة اسقاطية مُسبقة أو تقطيعاً اركيولوجياً عشوائياً يُمررُ على جسدِ التاريخِ كلَّ حينٍ وبالتالي حُرِمنا من غنى تراكماتهِ المعرفيةِ تلك.

 هذهِ الفوبيا سببها دائماً قراءة ناقصة للتاريخ، قراءة تتأرجحُ بينَ نظرتين إحداهما أسوأ من الأخرى، نظرةٌ تُريدُ إسقاط التاريخِ من حساباتِ الحاضرِ والمستقبلِ وأخرى تُريدُ إسقاطَ الحاضرِ والمستقبلِ من حساباتِ التاريخ، وكأنَّ الحاضرَ والمستقبلَ لن يُغادرانا في لحظةٍ نفوذاً نحو ماضٍ سيتحول إلى  حُزمةِ أوراقٍ في سجلِّ هذا التاريخ ،وبالتالي فأنَّ النظرتينِ معاً ستضيعانِ حتماً إمّا في عُتمةِ التمايز الديني أو القومي أو الجغرافي عزّزَ من ترسيخِ تلكَ الفوبيا عدم فهم واستيعابِ الدور الكبير الذي بذلَهُ عدد كبير من العلماءِ والفلاسفةِ والمؤرخين وأصحابِ المذاهبِ الإسلاميةِ خاصة في ظلِّ اللامركزيةِ في الروايةِ والتدوين والنقلِ بسببِ الانبساطِ الهائلِ في حجم ما يُروى ويُدون ويُنقل ثم بروز إشكاليةٍ أخرى ممثلة بمحاولاتِ إضفاءِ اليقينياتِ الفلسفيةِ مدعومةً بقوانينِ التحدي العقلي (كتبني الجدل والشك والمناظرة والقياس والاستنتاج وغير ذلك) إلى اليقينياتِ الإيمانيةِ ،ومحاولة الوصولِ إلى استنتاجاتٍ تقتربُ من حقائقِ اليقينِ المطلق (مثل محاولات بعض المدارس الكلامية كالمعتزلةِ على سبيلِ المثال).

بمثلِ هذا الخلل وبمثلِ هذهِ النظرةِ الدونيةِ للتاريخِ وبهذا المسحِ الازاحي المُتعمد ظلَّ البعضُ يتعاملُ مع التاريخِ طوالَ حركتهِ الطويلةِ دونَ تمثلٍ واقعيٍّ للمشتركاتِ الإنسانيةِ لحظة التعاطي مع مُنجزه التاريخي كي تكتسب الرؤية موضوعيتها عندَ إعادة قراءتهِ كلَّ مرة ،وهي نظرة حديثة العهد نسبياً إذ لم تظهر إلا في القرنينِ التاسع عشر والعشرين أما قبل ذلك فلم يُشكك أحد بالِسفرِ المُشرفِ لهذا التاريخ ومما يُثير الشجون والاستياء هو وقوف بعض المستشرقين المُنصفين القلائل أواخر القرن الثامن عشر بحزمٍ بوجهِ العديد من مُجايليهم ممن غَمطوا بعمدٍ حق العرب والمُسلمين في بناء الحضارة والتراث الإنساني الواسعين وأنكروا أفضالهم في ذلك ومنه حضارة أوربا بالتحديد في حين أنَّ أحداً من العربِ لم يتصدَّ لهذا الدور. لذا أجدُ أنَّ الإنصافَ يقتضي مني أن أفتحَ ملف إنصافِ التاريخِ عند الطرفِ الذي ابتدرَهُ أولاً وهم المُستشرقين مِمَّن كانَ يُتوقَع منهم على الدوامِ أنْ تنطلقَ شرارة الطعن والتغييب والنظرة الدونية من قِبَلهم . يقولُ العالم الفرنسي جورج سارتوند:(أيُّ شخصٍ يعرفُ العربية لا يُخطئ مُطلقاً في اكتشافِ أنَّ هذهِ الكتب اللاتينية هي ترجمات لكتبٍ عربيةٍ فالأساليب العربية واضحة من الترجمةِ اللاتينيةِ سواء أكانت لجابر بن حيان أم لغيره من العرب) أما سيديو فيؤكد هذا المعنى بقولهِ:(يحاولُ الأوربيونَ التقليل من شأنِ الدورِ الذي لعبهُ العرب .. لكنَّ الحقيقة ناصعةٌ وليسَ أمامنا إلا أنْ نضفي لهم الشرف الذي يستحقونه عاجلاً أم آجلاً ) .في المقابلِ المعكوسِ لهذا الشرف الضائع ثمة مَنْ يُطالب بنبذِ المتنِ التاريخي الثابت نقلاً والاهتمام أكثر بما تساقطَ من حبرِ كتبةِ التاريخ أومن هوامشهِ المتروكة! مُلقينَ بصفاتِ العطبِ والخللِ والتخلفِ على المُدونِ التاريخي في متونهِ متهمينَ إياهُ بالسببِ في تراجعنا فإذا كانتْ تلكَ نظرتنا لتاريخنا فكيفَ بالآخرين؟ في حين يأسفُ العلامة دراير من الطريقةِ التي عمدَ بها الأدبُ الأوربي في التحايلِ لإخفاء أفضال العرب العلمية عليهم.

المستشرقة الألمانية د.سيغريد هونكة تزيدُ تفصيلاً أكثر على تلكَ المسألةِ في كتابها :(شمسُ العربِ تشرقُ على الغربِ) قبلَ ما يقرُبُ من خمسينَ عاماً فتقول :(أنَّ العدالة تقتضي التجرد العلمي حُباً في الحقيقةِ ولو تجردنا من العاطفةِ أو التعصبِ لوجدنا أنَّ الجهودَ العربيةِ التي بُذلتْ في بناءِ صَرحِ الحضارةِ الإنسانيةِ لم تجد التقدير الحق وعَرفتْ التشويه وَهونَ من أمرها واستُصغرَ من شأنها وضُرِبَ حولها حصارٌ خانقٌ منعَ عنها النورَ والهواءَ قروناً عديدة). 

 هذهِ الآراء المُشرفة تُعطي انطباعاً لا يخطئ من قِبَلِ الغربيينَ على الأقل بأنَّ تاريخنا لم يكن على الإطلاقِ تاريخاً مُغلقاً ،تاريخَ بداوةٍ ورمالٍ وسيوفٍ وانحطاطٍ كما يُلصق به دائماً بل إنَّ  تلاقحاً حضارياً تؤكدهُ تلك الشهاداتِ وغيرِها قد حصلَ بأوسعِ أبوابهِ يعكسُ درجة الانفتاحِ العالي للعربِ والمُسلمينَ على ثقافاتِ العالم وحضاراتها ولعلَّ عُنصرَ الترجمة الذي شملَ كلّ المعارفِ بالأخذِ أو العطاءِ من الأممِ التي دخلها الإسلام خير شاهدٍ على درجةِ السمو المعرفي في تقديسِ العلمِ والمكانةِ العاليةِ التي بلغوها ناهيكَ عما أخذوهُ من الحضارةِ اليونانيةِ مثلاً مما كانَ عِلماً خاوياً من كلِّ محتوى إنساني فطوروهُ بِما استحقَ بهِ إعجاب العالم ولا غرابة في ذلك فرُبَّ سامعٍ أوعى من مُبلِغ .

لكنَّ هذهِ النظرة الايجابية لتاريخنا لا تتعارضُ مع حقيقةِ كون أن جذورَ ذلك التغييبِ والإسقاطِ والطعنِ لتاريخنا قد ابتدأ من الأوربيينَ أنفسهِم حينما ضربوا حصاراً إعلاميا حولَ الدور التاريخي للعربِ والمسلمينَ حيثُ تؤكدُ د.سيغريد في كتابها أيضاً أنهُ (لو اطلعتَ على كتبِ التاريخِ في أوربا لوجدتَ ذكرهم للعربِ ينحصرُ في مراتٍ ثلاث فقط وهي :خطرُ العربِ في أسبانيا على أوربا لوصولِ جحافلهِم إلى قلبِ فرنسا وتقديسهِم لشارل مارتل الذي أنقذهم من خطرِ البربرِ في معركةِ بواتيه!ثم خطر العثمانيينَ الذين وصلوا أبواب فيينا عاصمة أوربا حينذاك رغم أنَّ العثمانيين لا يُمثلونَ العرب ،وأخيراً الحروب الصليبيةِ التي هدفتْ إلى احتلالِ العربِ وليسَ إلى حمايةِ أراضيهم ومقاومةِ العربِ لهم وقذفهم في آخر الأمر في البحر!)

بل انّ تأثيرَ الشعرِ العربيّ قد انعكسَ بشكلٍ واضحٍ على الشعرِ الأوربيّ كما لمحت د.سيغريد أثناءَ دراستها الجامعية وعندَ إعدادها لاطروحتها وخصوصاً شعراء القرونِ الوسطى بل وفي شعرِ غوتة أيضاً في ديوانهِ (الشرقي الغربي) وانتبهتْ إلى تأثير ابن حزم وابن زيدون على الشعرِ الغزلي والغنائي الأوربي كما بهرَها فيهِ عند دراستهِ إلى (الشكلِ الراقي للعلاقةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ عندَ العربِ ومكانة المرأة العربية في مجتمعِها الذي تمتعتْ فيهِ باحترام الرجل وإقراره بحقوقها وأنَّ الإسلامَ حفِظَ لها هذهِ المكانة في حين كانتْ المرأة الغربية ممتهنة في مجتمعِها في عصورِ النهضة وتعتبرها الكنيسة رمزاً للخطيئةِ وكانت تحيا في إرهاب دائم).

نخلصُ مما تقدّم لا أغالي لو قلتُ أنَّ رفعَ الأصواتِ الداعية لاستجوابِ التاريخ أو نقدهِ أو حتى إعادةِ قراءتهِ هي دعواتٌ غير جادة ولا مُثمرة لأنها دعواتٌ يُشَمّ منها رائحة رغبة جامحة تُعلنُ الثورة والانقلاب عليهِ وإنزال ستائر الهجرِ على سِفرهِ الطويلِ إنكاراً لِما رسمتهُ بوصلاتهِ المضيئة من اتجاهاتِ سيرٍ صائبةٍ وتهشيماً لها وهذهِ دكتاتورية واضحة في تصنيفهِ لأنها مبنية أساساً على استنتاجاتٍ متشنجةٍ ومتسرعةٍ أملتها ظروف استثنائية يمرّ بها عالمُ اليومِ من سيادةٍ مؤسفةٍ للحركاتِ الظلاميةِ التي استشرتْ في جسدنا العربيّ والإسلاميّ ممالا يمكن لها بحالٍ أنْ تكون معبرة عن الروح الساميةِ والرفيعةِ للعربِ أو المسلمين .وأدعو بدل كل ذلك الإيغال في النأي عنه إلى العودة إليهِ بحبٍ وتنقيبٍ مثمرٍ ،عودة إذا تقدمتْ بها أقدامُنا خطوة اقتربتْ صعوداً نحو القمم لا تقدماً إذا هوتْ أقدامُنا بها إلى الوراء ابتعدت نزولا نحو السفوح،ليس رجوع التقهقر والارتكاس بل الرجوع العلمي الواعي نريد ذلكَ لأنَّ تاريخنا رغم أزليتهِ واصفرار أوراقهِ ما شكا يوماً من كهولةِ نصوصهِ ولا هرم متونهِ بقدرِ ما يشكو اليومَ من كهولتنا المبكرة،نحنُ الذين  ناءتْ ظهورنا من حملِ أسفارهِ النفيسة نُريدُ طرحها أرضاً ونُكملَ المسير بدونها ،نحنُ أيضاً بحاجةٍ إلى النقدِ والاستجوابِ بشراسة من أجلِ الكشفِ عن عجزنا وأورامنا الخفية .        


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق