]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شمسٌ في ليل القاهرة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 11:10:20
  • تقييم المقالة:

 شمسٌ في ليل القاهرة

 

محمد الحداد العراق

لحظة عجيبة في ليلةٍ أعجب.. أشبه بقراءة نبوءةٍ تحملُ معها أدلة صدقٍ لا يُصدّق وبياناً لا يُبيَّن ! لا أدري حتى الساعة إن كان ثمة مَنْ التفتَ معي إليها أم لا .

لا غرابة في مرارةِ دموع الحزن فليس ثمة مَنْ تذوقها أكثر منا لكنَّ الغرابة كلها في حلاوة دموع الفرح و الأغرب منها اقتران النقيضين معاً: الدمعة والفرح في وقتٍ واحد.

بشارتان في يومٍ واحد ،الأولى في أولهِ والأخرى في آخرهِ أذاقتاني معاً طعم دموع الفرح ليلة 10 شباط ،كنتُ وزوجتي نترقبُ معاً ظهور الرئيس المخلوع مبارك لقراءةِ خطابٍ روّجَ لهُ الأعلام قبل ساعاتٍ على انهُ خطابُ تنحٍ عن السلطة وبدأتْ بعضُ الفضائيات بالاحتفال بذلك فعلا و بعد انتظار طال ظهرَ على الشاشة أخيراً فدبَّ الصمتُ فجأة و حطتْ طيورُ الترقبِ على رأسينا ،و بمحض الصدفة اخترتُ متابعة الحدثِ على فضائيةٍ شطرَتْ شاشتها بغرابةٍ ملفتةٍ إلى شطرين،واحدة كبيرة يسار الشاشة لزعيمٍ ظلَّ يتكلمُ لثلاثين عاماً ،وأخرى صغيرة يمين الشاشة لشعبٍ حفِظَ كلامه حدَّ الملل ولا يُريدُ أن يسمع منهُ الآن إلا كلمة وداعٍ ورحيل،هي قسمة ضيزى لكن ..قلنا لا بأس رفساتُ محتضرٍ أخيرة المهم أن نستمعَ علّنا نفهمُ شيئاً مما سيحدث ،ابتدأ الخطاب هدوءٌ في ساحة التحرير وفي البيت وفي كلِّ مكان،لكنهُ هدوء يخبئ تحته العواصف، كنتُ أراقبُ في الصورة الصغيرة فئة قليلة لم تكن تريدُ الإنصات ابتداءً وكان واضحاً أن ثمة من حاولَ بصعوبةٍ أن يُطيلَ من صبر إنصاتهم علَّ فرَجاً ما يأتي آخر الكلام،كم أوجعني ذلك الاصطبار المر ،هل بكيتُ لذلك ؟لا ليس بعد لكن أين خطاب التنحي ؟كانتْ الأسطوانة المشروخة ذاتها تدورُ موزعة صدئها القديم فوق جموعٍ كانت قبلَ لحظاتٍ فقط تهتفُ بغضب و تهيأتْ لسماع خطاب تنحٍ ولا شيء سواه، قلبي و عيني  مزروعان في الصورة الصغيرة، دقائق أخرى و بدأ المللُ يتسربُ إلى آخرين، فطفقوا يهتفون ويلوحون بأياديهم :أرحل أرحل يا مبارك ،ثم تبعهم آخرون وآخرون :الشعب يريد إسقاط النظام تداخلتْ الأصواتُ وغابَ صوتُ مبارك، ضاعَ تماماً ،غرقَ في سد الشعب العالي ولم يخرج أبداً ، ،لا لم يكن خللا فنياً طارئاً ،ولا عملاً مُدبراً لكنه صوت الجماهير علا فوق كلِّ الأصوات. نعم هنا بالضبط لم أتمالك نفسي فسقطتْ دمعة وأخرى و أخرى ثم انهمر المطر، وسط استغرابٍ من زوجتي التي بكتْ ربما لبكائي ،قالت : ما الذي حدث؟ لم استطع الكلام لكني كنتُ أبكي بفرحٍ غريب وتذكرتُ على الفور البشارة الأولى ،بشارة قوس قزح الذي اعتلى سماء ميدان التحرير فوق الرؤوس الغاضبة قبلَ الخطاب ببضعةِ ساعات، ألم تشاهدوه؟حينما نثرتْ شمسُ الحرية ألوانها فوق حباتِ المطر ورسما معاً قوس قزح رائع لا لم يكن قوساً أبداً إنما شارة نصرٍ كان أقربَ من أقرب، قالت:الخطابُ لم يكتمل بعد ،علامَ البكاء، ماذا فهمت؟ قلتُ بصوتٍ متهدج و سبابتي تشيرُ إلى الشاشة:اكتملتْ البشارتان.. الآن ..الآن انتهى كل شيء لقد سقط النظام تواً ! ضغطة زوم قرّبتْ لي وجوه المتظاهرين وأزاحتْ وجه مبارك من الشاشة تماماً وأعادتْ للمشهدِ عدله المفقود تصفحتُ وجوه الغلابة تفرستُ في عيونهم التي أتعبها السهر كانت بلون الدم بلون الغضب النافر من العروق بعدها رأيتُ شمسَ الحريةِ تبزغُ منتصف ليلِ القاهرة وظلتْ تلمعُ وتلمعُ وسط ميدان التحريروصوت أم كلثوم يُرددُ في قلبالقاهرة:راجعين نحرر الحمى راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مُظلمة .    


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق