]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جدلية القراءة والكتابة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:59:51
  • تقييم المقالة:

جدلية القراءة والكتابة

 

محمد الحداد العراق

 سهلةٌ ممتنعةٌ هذه الورقةُ البيضاءُ المخططة ،تُغري وتُخيفُ في ذاتِ الوقتِ بامتدادها القصِّي المرعبِ واكتنازها المُقننِ الفاتنِ، يُغري بياضُها- كوسيلةِ إنصاتٍ مثاليةٍ - للقلمِ المُكتَظِ بقولهِ أن يستدرِجَ بمكرهِ الأسود براءتها البيضاء لإغوائِها بمزاوجةٍ حتميةٍ لا تنشأ كتابة ٌ بدونِها تماماً ًكأي ذكرٍ وأنثى كما تُجيدُ الورقة استدراجهُ لِفخاخِها اللذيذةِ لِتُتيحَ لهُ أن يرتكبَ فوقَ سفوحِها آثامَ قولهِ ويقذفَ كُلَّ أدرانهِ فوقَ بياضِها الناصع.

لكن .. لِمَ يُسقِطُ القلمُ دائماً سوادَهُ فوقَ بياضِ الورقةِ لِنُسميَ هذا الإسقاط كتابة ً؟ماذا لو حدثَ العكس؟أعني أن يُفرِغَ القلمُ بياضَهُ فوقَ سوادِ الورقة!هل سَنُسمي هذا الإفراغُ حينئذٍ كتابة ً أيضاً؟ سألتُ نفسي مرةً  هذا السؤال لكني تنبّهتُ مباشرةً إلى إننا- ربما بدافعِ التغييرِ - استعضنا فعلاً عن قلمِنا الأسودِ بطبشورٍ أبيض يرشُ مسحوقهُ البارد فوقَ جُثةٍ سوداءَ كبيرة أسميناها سبورة استبدلنا بخشبها الصارمِ رقة ورقتِنا البيضاءَ لكنَّ هذا الوافدَ الجديدَ ظلَّ مُقتصراً على دورٍ محدودٍ تُمليهِ شروط التدريسِ بميكانزميتهِ الإملائيةِ الرتيبةِ حسب .ومن غير المُقنعِ أن تهدينا تكنولوجيا العصر بديلاً صناعياً يعكسُ هذا الأمر ليعكرَ صفاءَ تأملنا ومشوشاً فعلَ الإبداعِ لمجردِ التغيير ليسَ إلا،إذ لا يمكن للأبيضِ أن يتركَ واجبَ الإنصاتِ وهو المحكوم بخرسِهِ الجميل و يروي للأسودِ المُعتدّ بفصاحتهِ مُطلقاً،ماذا لو أخطأ قلمُنا الأبيضُ الجديدُ هذا ؟هل نمحو بياضَه؟ الأبيضُ لا يُمحى!لأننا ورِثنا أنهُ معصومٌ من الخطأ ابتداءً..عصمتهُ تلك تجعلهُ مُتأنقٌ دائماً مُتأهبٌ أبداً للتمظهرِ بأبهى صورةٍ حتى لو مررَ الأسودُ عليهِ براثنه،حينئذٍ يُضفي عليهِ بهاءً مضاعفاً ليبدو أجمل!

ثمة مسألةٌ أخرى لا تقلُ أهمية وهي تكرارُ رعبنا المتجددِ من بياضِ الورقةِ عند الكتابةِ ثم ما تُمثلهُ سطوة القراءةِ وشرفِها المفقودتين إزاء سطوةِ الكتابةِ وشرفها الرفيعتين ،ذلك أننا نُجيد بمناسبةٍ أو بدونِها إضفاءَ هالاتٍ من التبجيلِ الذي يصلُ حد القداسةِ عند التطرقِ للكتابةِ وطقوسها وعاداتها ونحجبُ عن القراءةِ كثيراً من هذهِ الأنوار القدسية إلا بصائص متقطعة كأنَّ القراءة فعلٌ ناقصُ الهيبةِ والوقارِ لا يُمارسهُ إلا المتثائبون!والغريب أننا نتجاهلُ دائماً أو ننسى  أن ننحني إجلالاً لسلام القراءةِ المستتبِ إزاءَ حروبِ الكتابةِ الداميةِ ،إذ نشتبك أثناءَ الكتابةِ بنزاعٍ دمويّ صامتٍ معَ بياضِ الورقةِ الأنيقةِ التي تسخرُ منا دوماً بخطوطِها العَرَضيةِ المُرتبةِ كحوافِ أنصالٍ قاطعةٍ ، لكن بعدَ أنْ تضعَ الكتابة أوزارَها ويُفضّ اشتباكنا الصامتِ معها تخرجُ  الورقةُ للقارئ بزيٍّ بهيٍّ صافٍ جديد دونما خطوط وكأنَّ الطباعة تُمارسُ هي الأخرى شروطَ سلامٍ حياديّ تُفَضّ بها النزاعات وتنظفُ أرضَ المعركةِ من كلّ أثرٍ سابق .          

لذا نريدُ هنا أن ننتصرَ قليلاً لشرفِ القراءةِ الضائعِ دونَ أن يُشمَّ من كلامنا أي اتهام للكتابةِ باستئثار قسري للمجد أو انتحالها دوراً دكتاتورياً اقصائياً،ودون أن يُفهمَ أيضاً أنَّ إعادةَ الاعتبار لشرفِ القراءةِ فيه انتقاصٌ من إمبراطوريةِ الكتابةِ المتراميةِ الأطرافِ لأنَّ القراءةَ مُعادِلٌ مرآويّ للكتابةِ فيها محايثةٍ إبداعيةٍ إذ تبث الكتابة بشفراتها في الجسدِ النصّي ولولا المقدرة الفاعلة التي يمتلكها القارئ في استشعار أماكن تلك الشفرات وتتبعها وفكّ رموزها لما أمكنَ فهم الكتابةِ ومراميها إذ تُعيد القراءة الترتيب الهندسي المكاني والزماني في العمارة الكلامية بمسارٍ معكوسٍ لِما هندَسَتهُ أناملُ الكاتبِ في شقِّ الطرقِ والمسالكِ المُغيبةِ وَسْطَ رمالِ الكلماتِ التي يتشكل منها عملَه النصي، تُعيدُ ترتيبه بواسطة (الفعل الخلاق الحر لذاتية الذات التي فيها جزء من رؤيات العالم) كما يرى رولان بارت،والحقيقة أن مَنْ أعطى للقارئ دوراً مُستقلاً عن دور الكاتبِ لفهمِ مُعطياتِ القراءةِ ِوفقَ منهجه الخاص به في الفهمِ والتقصي والاستنتاج لم يكنْ مُجانباً للصوابِ في شيء ،لأنهُ يُعيدُ إسقاطَ إحداثياتِ قراءتهِ من جديدٍ بعد استلامها من الكاتبِ كإحداثياتِ كتابة مع اختلافِ الآراءِ التي تُعطي بعضها للقارئ إلى جانبِ النص دوراً تفاعلياً مشتركاً كما في نظريةِ آيزر مثلاً(التأثير والاتصال) الذي يرى أنَّ العملَ الأدبي لا يتحققُ إلا بالقارئ الذي يُشكّل بقراءتهِ واقعاً كانَ مُشكّلاً من قبل بالعملِ الأدبي متكئاً على منهجية هوسرل في تحليلهِ للإبداع الأدبيّ باعتبار أنَّ المعنى جُزءٌ من النص قائم بذاتهِ حتى لو كانَ مُغيباً في متاهاتهِ فهو موجود فيه ولا سبيل لادعاءِ خلقهِ من جديد ،وهو رأيٌ يتعارضُ مع آراءٍ أخرى تُعطي للقارئ فقط الدور القيادي في عملية تأويل النص الأدبي وفق الفهم الذاتي له كنظريةِ ياوس مثلاً (التلقي والتقبل) باعتبار أنَّ المعنى يظل وَقفاً على ما يخلقهُ القارئ من فهمٍ للإشكاليات التي تطفحُ إلى السطحِ أثناءَ القراءةِ وهي بمُجملِها آراءٌ تتكئ على آراءِ هيدغر في هذهِ المسألة . 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق