]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثورات في مفترق الدم

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:55:24
  • تقييم المقالة:

 

(ثوراتٌ في مفترقِ الدم)

 

محمد الحداد العراق

ثمة في النفسِ سجيتان ترسمان ما يشبهُ صورتين متناقضتين تناطحُ إحداهما الأخرى حتى يستقيمَ الأمرُ لواحدةٍ منهما،أولاهما :فوبيا إنسانية كامنة تكرهُ حالة اطمئنانها التام من واجبٍ منجز أو وضعٍ قائمٍ أو غدٍ مستشرف ،تتطيرُ أن يكونَ كلُّ شيءٍ على ما يرام دائماً،،فوبيا تُحدِّثُ النفسَ أنَّ من المريبِ أحياناً أنْ ليس ثمة ما يُريب و من المقرفِ لها أنْ لا تجدَ ما يقرفها،هذهِ الفوبيا لا تفتأ تلاحقُ صاحبَها .. تحاكمهُ بجبروتٍ لا يرحم كمتهمٍ لا أملَ من براءتهِ ،تسائلهُ عما أنجزَ وما لم ينجز ، كيف ولماذا ومتى وووو

  ربما هو بلا شك نحوٌ من بحثٍ إنساني أزلي عن كمالٍ مفقود و غريزةٍ إنسانيةٍ راقية تغدو شيئاً فشيئاً غاية في ذاتها ،لولا أنَّ المؤسف في ذلك أن ينقلبَ هذا البحث إلى مرضٍ مزمن،آفة تُعشعشُ في الصدور كشيطانٍ إنْ لم يجدْ ما يوسوسُ بهِ وسوسَ في الوسواسِ ذاتهِ،حداً تصبحُ فيه ريبة النفسِ هذهِ سيدة على عرشِ اطمئنانها.

على النقيضِ من ذلك تماماً ثمة نفوسٌ أخرى نائمة بالرضا .. هامدة بالاطمئنانِ كساكني القبور لا يستفزُ سكونها شيء،حَسمتْ أمرَها بنحوٍ من خداعٍ ذاتي لهُ دائماً سلطة الموقف،كسلٌ يرينُ فيها وغفلة لا تفارق سماءها، شيءٌ أقرب لحالةِ الجمودِ تلك التي عبّرَ عنها سان جون بيرس بأنها تهددُ أعظمَ الحضاراتِ بالخطرما لم تبدّل ريشها في أهوالِ الخريف،تلك الحضارات التي تستكملُ دائماً أعلى مراحل نضوجها بالاستفادةِ من أخطائها.

نفوسٌ كهذهِ يتحولُ فيها الرضا إلى غرورٍ يتسللُ بين المرءِ وجلدهِ حتى يلامسَ طواويسَ الأنا ..ينفخُ فيهِ حتى يخيلَ لصاحبهِ أنَّ الصوابَ حليفهُ في كلِّ حال،لكن هل انتصافُ المسافةِ بين سجيتين تمثلانِ أقصى حالات التضاد (كالفوبيا من المنجز والرضا عنهُ)هي الحالة المثالية ؟أم ثمة حالة مفترضة، خرافية هي أشبهُ شيءٍ بما يناقضُ نقيضينِ في وقتٍ واحد؟ وانْ كانتْ هي فما حدودها ؟من أين تبدأ وأين تنتهي ؟

أتحدثُ عن شعوبنا العربية اليوم بما تمرُ بهِ من مفترقِ دمٍ عسير  وأنا أعلمُ تماماً أنَّ أصعبَ ما في الثورة هو ما بعدها،خاصة إذا علمنا أنَّ مراجعة تستقصي الجذور لا زالت أبعدَ ما يكون عن محورِ العاصفة فما تعودنا أبداً أنْ نستشرفَ الكوارثَ إلا بعدَ وقوعها فنشقّ حينئذٍ الجيوبَ ونلطم الخدود ونلعن حظنا العاثر.مراجعة تأتي أهميتها من أنَّ الناسَ إزاء كل ما أنجز وما سينجز منقسمون إلى فئتين: فئة تفاءلتْ بإسقاطِ الطغاة في ساحاتِ التحرير،فرحتْ بهِ وعدّتهُ انجازاً لذاتهِ حتى انْ لم تخرج الشعوبَ الا بهِ أملاً بفجرٍ جديد يتساقطُ فيهِ الطغاة كأحجار الدومينو

وفئة أخرى انقسمتْ ابتداءً في تصنيفِ مسمياتِ ما حصل : ثورة أم انتفاضة؟عصيانٌ أم غوغاء؟أم تُراهُ محض تغيير،ورغم أنها لا تنكر فرحتها بما حدثَ لكنها تشاءمتْ منهُ مخافة أنْ يكونَ مقدمة لكوارث آتية فعصبوا آمالهم باليأسِ وكفنوا غدهم بالخيبةِ ،هؤلاء لم يصحوا حتى الآن من سكرةِ الموقفِ وحُقَّ لهم ذلك فقبلَ انطلاقِ عربات التغيير هذهِ مَنْ كان يُصدّقُ أنْ يجرأ إنسانٌ ما أنْ ينتقدَ كلبَ أيَّ مسؤولٍ في أيِّ مؤسسةٍ عربيةٍ ناهيكَ عن اسقاطِ رؤوسِ القياصرة! لكنَّ ما حدثَ وسيحدث أثبتَ لهم وللجميعِ أنَّ تيجان هؤلاء القياصرة لا يحمي حقاً من الصداع

من هؤلاءِ مَنْ يصفُ ثورات اليومِ بأنها ثوراتُ أنابيبٍ على غرار أطفال الأنابيب! ثوراتٌ لا أمَّ لها ولا أب! بلا رأسٍ ولا قيادةٍ ولا غايةٍ، فإنْ كان لا بدَّ للثوراتِ أنْ تُنجبَ أبطالا زعماء، فمَنْ أبطال ثوراتنا ومَنْ هم زعماءها؟ فثورةٌ بلا أبطالٍ ثورة عقيم والشعبُ بحاجةٍ دوماً لصناعةِ زعيم ! أجل فلا بدَّ لهذهِ الفئةِ أنْ تُصفقَ لأحدهم كي تُصدّقَ أنَّ الثورة قد حصلتْ فلِمَنْ سيُصفقون؟ في الغد.. وبعد تنظيفِ ساحاتِ التحريرِ من مخلفاتِ الثورة وانفضاض الناس عنها ستجوبُ المدنَ و الشوارعَ أصواتٌ حائرة تسأل: قبلَ أنْ ننحني نريدُ أنْ نعرفَ أولا مَنْ سيمتطي ظهورنا؟! شعوبٌ أدمنتْ لعقودٍ طويلةٍ أنْ ترفعَ أحدهم فوق أكتافها فكيف تطمئنُ أنْ تخلو أكتافها اليوم من أيِّ أحد؟وإذا كان الخوفُ قد غلّفَ حياتهم فيما مضى بخضوعٍ لطغاةٍ عرفوهم فكيف بمَنْ لا يعرفون وسط كل هذهِ الأمواج المتلاطمة من تياراتٍ وأحزابٍ وليدةٍ وأخرى تتربصُ منذ عقودٍ أنْ تفرغ الساحة لهم لتُسلِمَ الأمور إلى الفوضى ؟

حينما كانت كلُّ الشعوبِ العربية حظيرة مستعمراتٍ ممتدة كانت تصلحُ فيهم مقولة مالك بن نبي:القابليةُ من الاستعمارِ أخطر من الاستعمارأما اليوم فالقابلية من الطغاةِ أخطر من الطغاة فقناعاتُ المحكومين في حكامهم وَصَفاتٌ مخدرة أدمنَ العقل العربي تعاطيها وورثتها الأمةُ جيلا بعد جيل.

أما حلمُ تشبث الطغاة بالسلطةِ فأصبح أحياناً لا يبتعدُ عن الطغاةِ أنفسهم الا بقدرِ حلم اطاحتهم عن الثوار ،المسافة ذاتها على مرمى حلمين متناقضين!

بل إنَّ الفئة المتشائمة هذهِ لا تكاد تُبصر في حومةِ غواشِ المنتفضين أكثرَ من استلابِ حقٍ غير مشروع وانفعالٍ غير مبرر أقصى غاياته إسقاط الأنظمة لإشباعِ عقدٍ ثأريةٍ انتقامية تتوزعها أسبابٌ دينية أو مذهبية أو حزبية.. الخ وكم تمنيتُ على الذين استلموا زمام الدولة في مصرَ لو غلّبوا مصلحة الوطن على منطقِ الثأر وتأنوا في محاكمةِ مبارك وما سيتبعهُ من حُكمٍ بالسجنِ ومصادرةٍ للأموال لئلا يعطوا مبرراً لتصديقِ هذهِ المخاوف أو تصبحَ فيما بعد عقبة كأداءَ في وجهِ أي طاغية يضطرهُ شعبهُ إلى التنحي مخافة مجابهة ذات المصير ويُضفي لهم أسباباً إضافية للبقاء وتلك مخاوف تستقي مصداقيتها من ذاتِ الشارعِ الذي رحّبَ بتلك الثورات وأخشى أنْ تمشي في الغدِ بين الناس على قدمين إنْ لم تُثبت الثورات خطئها.

اليوم..بعيني الذهول والخوف تنظرُ الشعوبُ إلى فوضى ما بعد ثورتي تونس ومصر .. الى براعم رأسمالية نهمة تنبتُ الآن في ذاتِ التربةِ الديمقراطيةِ المُستَشرَفة،بل في قلبِ الثورةِ ذاتِها! سينتفعُ بها رجالُ الأنتلجنتسيا .. برجوازيو الثوراتِ الجدد،وهي عينُ مخاوف ثورات الأمس في خمسينيات قرننا المنصرم وتكادُ أنْ تكون عين مخاوف كل ثورة! حينما كانت الأيادي التي تحملُ سلاحَ الثورةِ هي ذاتها التي تُطلقُ رصاصات الفرحِ والفزعِ معاً فوقَ رؤوسِ الأتباع المغلوبين على أمرهم وهي ذاتها التي تستأثر بمنجزاتها البرجوازية ،مخاوفٌ استلزمتْ منا خمسين عاماً من الظلمِ والكبتِ والدماءِ حتى تبينَ صدقها وبالكاد شهدنا بزوغ فجرٍ جديد.

(الشعبُ يُريدُ صناعة الزعيم) شعارٌ أخالهُ آخر ما ستنقشهُ أصابعُ اليأسِ على آخرِ خرقةٍ مرفوعةٍ في ساحاتِ التحرير العربية كلها إنْ لم يتبين في سماءِ ثوراتنا التي تَمورُ الآن على امتدادِ خارطةِ الخيباتِ العربيةِ الخيط الأسودِ من الخيطِ الأبيضِ من الفجر ،وانْ يئستْ فلا عجبَ انْ تخرجَ في الغدِ ترفعُ صورَ مَنْ أسقطتْ من طُغاتِها فوقَ الرؤوسِ وتُطالبُ بعودتهم بشعاراتٍ مثل : (الشعبُ يُريدُ عودة الزعيم) كما رفعتْ شعار(أعذرنا ياريس) انْ لم تكنْ قد صنعتْ ذلك بالفعل! والأعمالُ بخواتيمها

الغلبة لِمَنْ في الكلمةِ الأخيرة..في الصوتِ الأخير؟اذا كانتْ النهاية كما يقولُ ابن رشيق آخر ما يبقى في الأسماعِ فمَنْ يا تُرى سيطلقُ ذلكَ الصوتَ الأخير ولِمَنْ ستبقى كلماتُ النهايةِ في أسماعنا ؟ لِمَنْ ؟ 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق