]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العقيد كاليجولا

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:34:43
  • تقييم المقالة:

العقيد كاليجولا

 

محمد الحداد العراق

للقُبحِ صورةٌ واحدةٌ ولو تلبّسَ وجوهاً مُتعددة هي صورة القُبحِ نفسهِ و للجمالِ صورٌ متعددةٌ تتلبّسُ وجوهاً متعددةً هي صور الجمال المتعدد ... لكن ما الحدّ الذي نجرأ أنْ نُعلنَ منهُ انتصافَ المسافةِ بينهما؟بعد ذلك ما الذي يُعطي للسحناتِ والملامحِ والتفاصيلِ ما يزيد منهما أو ينقص؟أعني ما يرتقي بالجمالِ من عتبةِ المنتصفِ هذهِ نحو كمالهِ، أو ينحدرُ منها بالقبحِ نحو حضيضهِ؟ أكثر من كلِّ ذلك أتُحبُ أن ترى وجهكَ المخفي القبيح في وجهِ عدوك؟أم تحسد في وجههِ ما ترى من لمسةِ جمالكَ المفقود؟

في الذهنِ (من المثيولوجيا القديمة كما في الأدبِ قديمهِ وحديثهِ) صورٌ قبيحة لا تُحصى لطغاةٍ لوثوا وجه التاريخ الإنساني كأبشعِ ما تحتملُ الصورة،طغاة امتطوا رقابَ شعوبهم كآلهةٍ أو أنصافِ آلهةٍ مزيفين وكأنَّ ما مِنْ مُستبدٍ سياسي إلا ويتخذ لهُ صفة قدسية يُشاركُ بها الله كما قال الكواكبي في طبائع الاستبداد،لكني في مُقاربةٍ تاريخيةٍ تخضعُ لاعتباراتٍ سيكولوجيةٍ بحتة في دراسةِ التاريخ أحداثاً وشخوصاً اخترتُ بموجبها الإمبراطور الروماني كاليجولا من مسرحيةٍ بذاتِ الاسم لألبير كامو كصنو للقذافي رغم أني لستُ بصددِ إفراد جردٍ إحصائي لنقاط التطابقِ أو الاختلافِ بين الطاغيتين (مع ما في الأمر من إثارة  تُغري بذلك) لذا سأتحدثُ عن كاليجولا وكأني أعني القذافي تحديداً ! فكلاهما تشبثَ بسلطةٍ منقوعةٍ بدماءِ ألدِّ أعدائهِ :أبناء شعبهِ !ولا أعرفُ حقاً مَنْ منهما ظلمتهُ أكثر بتشبيههِ بالآخر، لكنَّ المثيرَ في الأمرِ أنَّ كاليجولا نفسَهُ الذي حوّلَ دولتهُ إلى إمبراطوريةِ دمٍ ولم يتورعْ عن قتلِ أقربَ الناسِ إليهِ:عشيقتهُ لأنها شاهدهُ الأخير،لم يحكمْ أكثرَ من 29 عاماً فقط !

 (السلطةُ إلى النهايةِ والهجرُ إلى النهايةِ

لا رجوع إلى الوراءِ!

 لا بدَّ من الاستمرار إلى النهايةِ)

كلماتُ كاليجولا لا القذافي ،هيَ هيَ ذاتُ الكلماتِ تأكدَ لي اليوم ما دأبتُ لعقودٍ على تكذيبهِ والاستخفافِ بهِ من مقولةِ هيغل في الحياةِ والناسِ أنَّ جميعَ الحقائقِ والشخصياتِ التاريخيةِ الكبرى تحدثُ مرتين ، ربما كنتُ أبحثُ عن مقولةٍ أرحم وطأة بكثير! وإذا بي أومنُ بمقولةٍ أقسى: أن التاريخَ يُعيدُ نفسهُ مراتٍ ومرات !

أحفظُ عن الشخصيةِ السيكوباثية ِ(العدائية الفردية)بعضَ الصفاتِ الغريبةِ كعدمِ الثقة بالآخرين مقرونة بقسوةٍ لا يصاحبها ندم والحب المفرط للذاتِ و صفاتٍ أخرى كثيرة يعرفها المختصون ،لكنَّ من أخطر ما يميزها صفة لم تُعطَ ما تستحق من اهتمام هي : جاذبيتها! كاريزما مُثيرة آسرة تُظهِرُ ثقة عالية بالنفسِ و قوة في الشخصية رغم ما تستبطنهُ في مطاويها من أمراضِ المجتمع مما لا يجعلها تُصنفُ تبعاً لذلك كإحدى الشخصيات الدالة على مرضٍ سيكولوجي يبعثُ على القلقِ،هنا ربما مكمنُ الخطورةِ ،لذا لا عجبَ أن تكونَ قِبلة تذوبُ في حبها قلوبُ وألبابُ الجماهير ،للقذافي رغم ما يُغلفُ شخصيتهُ من غرابةٍ في كل شيء كاريزما مميزة ،شئنا ذلك أم أبينا ،لأربعةِ عقود كانت جَلساتُ القممِ العربيةِ بدونِ غرابتهِ تلك كطعامِ المرضى دون مَلحٍ أو توابل ،شيءٌ مثيرٌ وغامضٌ يصعبُ تفسيرهُ يصلُ بالبعضِ أحياناً إلى الحبِّ نفسهِ! ، قبلَ أيامٍ رأيتُ في التلفاز أحدَ معارضيهِ وهو يُضفي عليهِ من صفاتِ الشجاعةِ والذكاءِ والصبرِ ما أثار استغرابي حقيقة لكنهُ عبّرَ بشجاعةٍ عما يؤمن بهِ فأعطى للجميعِ درساً في إنصاف الخصومِ وأماط اللثامَ في ذاتِ الوقتِ عن أغوارٍ في شخصيتهِ ربما لم تُسبر بعد،كما أني استمعتُ كثيراً وربما بخبثٍ مُستتر لرفيقِ دربِ القذافي عبد الرحمن شلقم بعد انشقاقهِ علني أشبعُ في نفسي غريزة الانتقام لكني وجدتُ الرجلَ مُنصِفاً أيضاً حتى في أشدِّ حالاتِ انتقادهِ للقذافي،كانَ يتكلمُ عنهُ بطريقةٍ تنمُّ عن فهمٍ لهُ لا يُجارى دونَ أن يخلوَ حديثه من إعجابٍ ظاهرٍ تارة ومُبطنٍ تارة أخرى، شيريا أيضاً أقرب المقربين لكاليجولا وأشد معارضيه وأحد قاتليه يقول لكاليجولا : ليسَ فيكَ ما يستحقُ الحبَّ لكنهُ يُتابعُ مباشرة : لكني لا أقدر على كرهكَ !أنهُ القناع الآخر الذي فسرهُ شيريا ،تماماً كما نرى وجهنا الآخر البغيض في الآخرين،قطعاً لا يمكنُ للمرءِ أن يُحبَهُ وهو يحاولُ أن يُخفيَهُ في نفسهِ!ويمكنني أن أهمسَ بالنقيضِ الآخر في أذنِ شيريا أو شلقم أو سواهما ممن أحاط ويحيط بالطاغيتين:أنْ تُحبَّ فيهِ (وهو الطاغية) وجهكَ الآخر الجميل ،وجهكَ الذي تفتقدهُ ،لأني ما خلا المال والمنصب لا أبرر حُبَّ الطغاة إلا بهما، في ذاتِ الوقتِ أمتعظ شيريا لا من فكرةِ استئثار كاليجولا بالسلطةِ حسب بل من سوءِ الحظ أن يحوِّلَ  فلسفتهُ إلى جُثث! ،تلك الفلسفة التي لا اعتراض عليها، و سيبيون الشاعر الرقيق الذي قتلَ كاليجولا أباه تحرقُ نفسُ الشعلةِ قلبيهما ولم يستطعْ أيضاً أن يكرهَهَُ لماذا؟ لأني أشبهكَ كثيراً،و آخر الأمر يُذكّرهُ: لا تنسَ أنني أحببتكَ ،هيليكون هو الآخر عبدٌ يحبهُ حدَّ الموتِ ،يقولُ لأعدائهِ: عليكم أن تقتلوني قبل أن تقتلوه ،حتى يُقتل فعلا من أجله وبين يديه !لِمَ العجب إذن مما يُرينا تلفزيون القذافي من مظاهر الحبِّ حتى آخر قطرة دمٍ ادّخرها القذافي لآخر نَفَسٍ فيه؟

(امتلك) القذافي دولة غنية مترامية الأطراف ومع ذلك لا زلت أراها الآن عبر الشاشة عجوزاً بدوية تتمددُ على الرمال، من الصحراء إلى الصحراء لا تكاد تغادر أكمام مدينة ما و تنفض عنك رمالها حتى تتلقفكَ من جديد رمال مدينةٍ أخرى ،دولة لا زالت اليوم بعد 42 عاماً تغوصُ في رمالِها ومع ذلك يرى صاحبُ الحقِّ اليقين، ملكُ ملوكِ أفريقيا عكسَ ما نراه: أنه انتشلها من الفقر ونير المستعمر نحو القمة نحو ذرى المجد ، ربما يقصدُ مجدَ الرمال .

 الطغيانُ كفكرةٍ .. كعقيدةٍ تظلُّ تمارسُ انحرافها كأيِّ حقيقةٍ ملموسةٍ لا غرابة فيها ولا جدال ،تلك هي المشكلة، كاليجولا امتلكَ إمبراطورية حقيقية امتدتْ من الفراتِ إلى الجُزرِ البريطانية لكنهُ أرادَ أن يمتلكَ القمر! أن تغربَ الشمسُ من الشرق ، أن يقودَ مملكة يسودُها المستحيل ، كلما مرّتْ على البالِ فكرة امتلاكِ المستحيل رغم انحرافها وشططها كحقيقةٍ تكادُ تُلمس باليد، يسرحُ بنا الخيال فوراً نحو الجنون لكنهُ عطشٌ حقيقيٌّ لامتلاكٍ حقيقيٍّ لا مجازي أين؟ في المستحيل، أما الجنون نفسه للقذافي تحديداً فربما سأتطرق في مقالة لاحقة إلى خطأ من يعتقد به!

يا لها من فكرةٍ مُخيفةٍ: أن يمتلكَ رجلٌ واحدٌ نعمة أن يكونَ حُراً بما تعنيهِ  الكلمة من معنى داخل إمبراطوريتهِ المترامية الأطراف لكن ثمة ميزة نادرة الحدوثِ بين الطغاة، ربما لأنها أقربُ شيءٍ إلى البراءةِ كما قال سيروس،ميزةٌ تفوّقَ بها كاليجولا على القذافي هي: ميزة الاعترافِ بالخطأ!لكن متى؟ في المشهدِ الأخير قبلَ دخولِ جموع الثائرين الزاحفين إلى قصر كاليجولا لقتلهِ،رسمتْ المرآة والكرسي جزءً مهماً من صورةِ طاغية يتجرعُ ما سقاهُ لشعبهِ:الخوف حتى الموت،تصوروا الكرسي (لا غيره) هو الذي يُهشمُ المرآة بضربةٍ واحدة!المرآة ..أداة صافية البراءة لكشف الزيف الإنساني وظفتْ مرتين :سليمة للاعتراف حينما أقر أمامها أنه يستحق العقاب ومهشمة بعد الحُكم إذ نفّذ كاليجولا حكم التاريخ على نفسهِ بنفسهِ برمي الكرسي في المرآة ، مشهدٌ صغيرٌ لكنهُ غريب يلفه ضباب من الرمز يكاد يُلقي بهِ في دائرة الاحتمالات ،أخيراً كاليجولا يصيح:

في ذمةِ التاريخ يا كاليجولا في ذمةِ التاريخ!

مَثلَ كاليجولا لنفسهِ الخصم والحَكم في آن..وتلكَ بطولة سيفتقدها القذافي لاحقاً حينما تكون معيتهُ (كما كانتْ لكاليجولا من قبل) متعة الإثارة الأخيرة في حسابِ أقرب المسافات إلى الموت!حتى لو أصبح (هذا القياس) كنوعٍ من العبثِ حينما تضيعُ تلك المسافة فعلياً في غياهبِ الاحتمالات بينَ انتحارٍ رمزيٍّ بكرسي مدهون بغراءٍ لزج أمامَ مرآةٍ لا ندري إن كانتْ موجودة حقاً أم لا، أو قتلهِ حقيقة بسيوفِ الثائرين حتى يُسمعَ الصوت الأخير: أنا هنا أنا هنا أنا هنا، كما سُمِعَتْ آخر كلمات كاليجولا وسط ضحكٍ وحشرجةٍ دَوّتْ تحتَ وقع السيوف في وجههِ وظهرهِ: لا زلتُ حياً!

في ذمةِ التاريخ أيها العقيد..في ذمةِ التاريخ!   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق