]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الجمر فوق الرماد

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2011-11-25 ، الوقت: 10:32:07
  • تقييم المقالة:

الجمرُ فوقَ الرماد

 

محمد الحداد العراق

يُحِبُ أن يُدوّخَ العالمَ في تفاصيلِ جنونهِ.. يُسقِطهُم في فخاخِ شراكهِ أو   يُغرقهُم في بحرِ اقتفاءهِ ليسطرَ بعضاً من أضغاثِ أفكارهِ حتى يتقبلونَ نزفَ جنونهِ بشروطِ جنونٍ مبتكرةٍ دوماً فيتركونهُ لصومعتهِ الأثيرةِ ينغلُ في                                     ثناياها علّهُ يجدُ أخيراً عِطرَهُ الإنساني المفقود.

هل جربتَ يوماً مثلهُ أن تصطادَ الفراشات اللائذة بربيعها وأنتَ تسيرُ حافياً فوقَ سعيرٍ من جمرٍ يلسع مُستمتعاً كما لو كنتَ تمشي في حديقةٍ غنّاء ؟هل جربتَ أن تُناطِحَ الموتَ بالموتِ والهمَّ بالهمِّ بحثاً عن المتاعبِ بضحكةٍ فاغرةٍ وأصواتُ السلاطينِ تُلاحقكَ كسياطِ جلادٍ أينما وجّهتَ وجهَكَ: اخرس!فصمتُكَ هذا يُطربني أكثرُ ويشجيني ،صمتُك أنبلُ بقاياك اتبعهُ وأْنس بهِ وأنا أضمنُ أن لا أوصلَكَ إلى شفا مقصلتك!

ولأنهُ ينتمي لفصيلةِ ذوي الدم الحار فلا شيءَ أبغضُ عندَهُ من رمادِ الكلمات ففي عُرفِ الكتابةِ لنْ يلِدَ الرمادُ جمراً أبداً ولو تناسلَ كُلُّ رمادِ العالمِ بل يعشقُ أن يُمسكَ  بالحقيقةِ طازجةً  تلفحُهُ بسعارِ لهاثِها حتى لو كانتْ جمرةً ملتهبةً  قبلَ أن تبرُدَ ليُنشّفَ عن وجهها عرقَ أركاض المسافاتِ فراراً منهُ وإياباً إليهِ ويمسحَ عنهُ كُلَّ ما علِقَ بهِ من غبار الدروبِ ،وفي عُرفِ الكتابةِ أيضاً أنَّ الحقيقة إذا باتتْ ماتتْ أو أضحتْ محضَ عاقرٍ عقيم.

بعبارةٍ أخرى لن يُلهِبَ نرسيسَ غرورهِ إلاّ أن ينامَ بينَ أحضان الحقيقةِ بوقاحةِ العاشقين ويسهرَ في خِدرها كما يشتهي أغبى المُقامرين فلا أحدَ يفضّ بكارة أسرارها هكذا دونما ثمن فكيفَ بهِ وهوَ مأخوذ ٌ بجبالٍ من أسرارٍ يظنُ أنْ ليسَ ثمة مَنْ يُبصرُها سواه ،لا تفتحُ نوافذها تباعاً إلاّ إليهِ ولا تُسلمُ زمام أمرها إلاّ بينَ يديهِ طوعاً أو كرهاً كأنما أُوتيَ شطرَ الحكمةِ ومسالكِ الأولين .

تُسيءُ السلطةُ فهمَهُ دائماً ،تختلفُ معهُ وتلاحقُهُ ويزينُ لهُ شيطانُ الكتابةِ         أحيانا نافخاً نارَهُ في بوتقةِ غرورهِ ،أن يستفزَها و يُباغتَها كما تُباغتهُ ويُفتشَ في أوراقها السريةِ كما تُفتشُ، في معركةٍ مفتوحةٍ يبلغُ قمة تطاولهِ فيها حينما تحاولُ أن تُسقطَهُ في فخاخها اللذيذةِ ليُصبحَ تابعاً مفروغاً من غبائهِ ككلبٍ جائعٍ فيُعلِنُ حالة العصيانِ  مفضلاً عُريَ الصعلكةِ على أن يلبسَ أياً من جلابيبها ولو رُصِّعتْ بحُلي الدنيا ومجوهراتِها ،حينها سيبدو كَمَنْ يسرقُ موتهُ الغافي من مخالبهم أو كمُحتضِرٍ يُحصي نبضاته البائسة الأخيرة!   

كم خنقت السلطةُ من حروفٍ أرادَ الصحفي أن يبذرَها في أرضِ يبابنا   لتطرحَ ثماراً طازجةً قبلَ أن تسقيها بدماءِ باذريها؟ كمْ تاهتْ كلماتُهِ في بحر حكاياتِنا والتفَعَتْ بأحزاننا وعَشعَشتْ في أقبيتنا السريةِ لتُحاصرَها الأمكنة بأذرعها المُلتويةِ وتغوصَ في تفاصيلنا كأنها نُتَفٌ منا ؟كم حملناها طويلاً بتوالي الفصولِ والسنوات حتى ا ندرستْ أو أصابها العفن؟ .كم لسعتْهُ نيرانُ الخيبةِ وبدل أن يعودَ بفمٍ تملؤهُ الكلماتُ لم يعُدْ بغيرِ وَجعِ أشواكها حسب ؟ولأربعينَ عاماً كانَ هذا الصمتُ مُتاخماً لكلِّ كوارثنا وشاهدِها الوحيد نرجعُ بهِ ونداريه حتى تعودنا مُرغمين أن نُقنِعَ انكسارَنا أنَّ نعمةًً ما بعدها نعمةً أنَّ الصمتَ يُدارى تماماً كما الصخب، وإلاّ افتُضِحَ كلُ شيء!

 

لأربعينَ عاماً تاهتْ غيومُ الكلامِ عن سمائِنا ولم تهطُلْ أيةُ قطرةٍ- ولو كمَطَرِ صيفٍ عابرٍ - داخلَ أسوار الكتابةِ وما بقيَ أيُّ أثرٍ على أنَّ ثمة مَنْ روى شيئاً فوقَ يبابنا ولا شيء نبتْ..حتى ولو ورقة!

 لكن ما من شيءٍ ألذعُ مرارةً مثل حنظل الصمتِ ويُخيلُ لي أن صُراخَ الحروفِ والكلماتِ حتى لو سوّرتْ بأسوارٍ وموانعَ لابد يوماً ما أن تكبرَ وتكبرَ حتى تستحيلَ إلى أصداءٍ مُزلزلةٍ تضجُّ في كُلِّ الأماكنِ ككائناتٍ خُرافيةٍ تقضُّ مضاجعَ السلاطين وتطالبُ برؤسهم وتستبيحُهم لثاراتها وتهمي في كهوفِ عزلتهم تنعَقُ بسكونِها مثلَ كابوسٍ مزمنٍ  ثمَّ تستديرُ راجعة إلى أفقِ البدايةِ من جديد.

الآن هل نسألُ مِمَّ ولِمَ يخاف المسؤول ؟

لو أريدَ بالحاكمِ خيراً ما خيفَ  منهُ كما قالَ الخليفة عُمر،وفي ماضي التاريخ البعيد حينما كانتْ الرعيةُ أقوى بالحقِ  من راعيها لم يخفوا استعدادهم أبداً أن يُقوِّموا اعوجاجَهُ- لو علِموا فيهِ ذلك - بحدِّ سيوفهم، ذلكَ أنَّ الأمورَ تبينَ لهم أسودها من أبيضِها فلم يخافوهما لكنَّ راعيَهم هو مَنْ كان يخافُ الأسودَ والأبيضَ معاً فلا ينام اسودَ ليلهِ حتى لا تضيعَ نفسُهُ، ولا ينام أبيضَ نهارهِ حتى لا تضيعَ رعيتُه ! بل كانَ يحمَدُ اللهَ أنْ جعلَ لهُ من رعيتهِ مَنْ يُقومُ اعوجاجه !لأنَّهم فهموا أنَّ السلطة عبءٌ لا امتياز وأنها كما علمهم رسول اللهِ( ص) نعمتْ المُرضعةُ وبئستْ الفاطمةُ .بل إنَّ عمرَ بن عبد العزيز كانَ يُشجعُ رعيتهُ أن يشكو ولاتهم حينما أعلنَ  عن جائزةٍ لكُلِّ مَنْ يأتي إليهِ بمظلمةٍ ما بينَ مائةٍ إلى ثلاثمائةِ دينار بقدرِ ما يتكاءدُهُ من طول السفرِ وبعدِ المشقةِ!

وكانَ من نصائحهِ إلى ولاتهِ أن يتعاهدوا حُجابَهم وحرسَهم والعاملينَ معهم وأن يُكثِروا المسألةَ عنهم حتى لا يرتكبونَ غَشْماً ولا ظلما .

 الكلمةُ صِنو الحقيقةِ،سلاحُها القلم فإذا أُعطِبَ اليومَ بصعقاتٍ يفرضُ المسؤولُ وبطانتهُ حدودَ خطوطها الحُمر وفقاً لُمُقتضياتِ السياسةِ   فسيُُضرَبُ غطاءٌ مُعتِمٌ عليها تحجبُ بعضاً من ضياءها في وقتٍ تبقى  قناعتنا بالمساحةُ الممنوحة لصحفييّ اليوم وتلكَ التي نأملُ جميعاً في توسعتها في قابلِ الأيامِ مُلبيةً لقدرٍ معقولٍ من الحُريةِ على الصحفي أن يُحسنَ استثمارَها ويُقدِّرَ نسبيتها فلا يَجزِمَ أبداً بإطلاقها فحتى لووَعَدَ المسؤولُ أن يَدعَ  ظلَّ الصحفيّ ليسقطَ أينما شاءَ على الجدرانِ والدروبِ في البرِّ أو البحرِ فانَّ تبعيضَ الحقيقةِ الذي ترسخَ في عُرفهِ لا يَسمحُ لها-الحقيقة- أن تظهرَ على الملأ إلا بنصفِ ثيابٍ مُحتشمةٍ أما نصفها الآخر....شئنا ذلكَ أم أبينا!

محمد الحداد         

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق